د. سعد ناجي جواد لا اريد ان اناقش الانجاز الكبير الذي حققه ابناء تونس ومصر، لان كثيرين غيري فعلوا ذلك وابدعوا. وابدع اكثر شباب تونس ومصر عندما اثبتوا انهم يمتلكون من الاصرار والعزيمة، ما يجعل المرء لا يمتلك الا ان يقف اجلالا وتقديرا له. ما اريد ان اناقشه فرضيات حاولت بعض الاقلام والعقول المسمومة ان تروج لها في المنطقة العربية منذ فترة ليست بالقصيرة. الفرضية الاولى بنيت على اساس ان الطغيان والدكتاتورية العربية لا يمكن ان ترحل الا بفعل خارجي او مساعدة خارجية في احسن الاحوال، حتى بعد ان نشر كتاب امريكيون واوروبيون معروفون نظريات في تبرير وتسويغ العمل الخارجي، بل واعتبروه بابا من ابواب العلوم السياسية والقانون الدولي، ومسؤوليته تقع على عاتق الامم المتحدة والقوى الكبرى، التي يجب ان تضطلع بها لتحرير الشعوب المكبوتة. واعتمادا على هذه الكتابات والتفكير سوغت فكرة العدوان على العراق وعملية تغيير النظام فيه بالقوة، على اساس انه السبيل الوحيد لتحرير العراقيين واحلال الديمقراطية المنشودة. وبقينا نحن في العراق نسمع احاديث الوجوه الكالحة ونقرأ كتابات العملاء الذين اختاروا التعاون مع الاجنبي وروجوا للاحتلال وتعاونوا معه، كل ذلك بدعوى انهم فعلوا ذلك حبا بالعراق وبشعبه وغيرة منهم على مصالحه ومستقبله. وكانت النتيجة ان دفع العراقيون اكثر من مليون شهيد وسرقت المليارات من مواردهم واصبح بلدهم واحدا من اكثر بلدان العالم فسادا، واقلها امنا واكثرها جوعا، على الرغم من ثرائه وابعدها عن الديمقراطية. هذه نتائج مختصرة لواقع ثماني سنوات من الاحتلال. وفي مقابل هذا الواقع المؤلم نجد ان ابناء تونس ومصر احدثوا تغييرا كبيرا وجبارا، واسقطوا انظمة عاتية ومدعومة من الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية بطريقة حضارية وبخسائر بشرية لا يمكن ان تقارن بما خسره العراقيون، وحققوا طفرة نحو الديمقراطية وبجهدهم الذاتي وبمواردهم الخاصة، ومن دون اي دعم من اية قوة خارجية. ان من يقارن ما حققته الثورتان التونسية والمصرية، مع ما سببه الاحتلال من كوارث للعراق لا يمكن الا ان يبقى مذهولا امام النتائج المرعبة التي سببها الاعتماد على العامل الخارجي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو اذا كان الشعبان التونسي والمصري قد تمكنا من فعل ذلك فلماذا لم يترك للعراقيين حرية التصرف بطريقتهم الخاصة واختيار النظام المناسب لهم؟ ومن يمتلك الجرأة على القول بان اي حدث مشابه في العراق كان سيوقع عددا لا حصر له من الضحايا فيمكنه ان يتابع الثورة الليبية ويقارن بين ما خسره العراقيون منذ بداية الاحتلال ولحد الان، وبين من يستشهد من ابناء ليبيا الابطال في مواجهة حاكم يرفض ان يترك منصبه. الفرضية الثانية التي اسقطتها ثورتا تونس ومصر هي ان الانظمة التي استقوت بالاجنبي وبالدعم الامريكي او الاوروبي او الاسرائيلي لم تستطع ان تصمد امام الثورات الشعبية، التي اطاحت بها وسط ذهول الدول والقوى الداعمة، لا بل يمكن القول بان الانظمة التي استقوت بالدعم والحماية الخارجية لعقود من الزمن اصبحت اكثر ضعفا ومستهدفة اكثر من غيرها، وهذا ما اثار ذهول الساسة الامريكيين والاسرائيليين من قبلهم، الذين وقفوا مذهولين وغير قادرين على ايقاف هذا الزحف الشعبي المقدس. ولابد هنا من القول ان ما سقط وسيسقط في وطننا العربي، ليس انظمة فقط وانما هياكل امنية ارعبت الناس لعقود من الزمن واصبح الحاكم العربي اليوم يتسابق في كسب ود الشعب الاعزل، بعد ان كان يتبجح بقواته الامنية وقدرتها على كتم الافواه. وبعد ان كان الحاكم العربي يستخف بمطالب وتذمر شعبه اصبح يركض لاهثا في سبيل ارضاء هذا الشعب. اما الفرضـــية الاخيرة التي سقطت بفعل هذه الثورات المباركة فهي تلك التي لجأ لها مؤيدو السياسة الامريكية التي تقول بان هذه الثورات لم تكن لتحدث لولا جــرأة الولايات المتحدة في (تحرير العراق) هذه العملية التي، حسب رأيهم، فتحت الباب امام تغيرات مهدت الطريق لهذه التحولات الكبيرة. ان من يقول بهذا الرأي ينسى او يتناسى ان الحقيقة هي عكس ذلك تماما. فأولا كان الهدف من احتلال العراق هو النفط وحماية أمن اسرائيل، ومن ثم اخضاع المنطقة بأسرها وليس جلب الديمقراطية او التحرير، وثانيا فان المقاومة العراقية الباسلة هي التي افشلت هذا المخطــــط واجهضته، والاهــــم من كل ذلك ان المقاومة كسرت هيبة امريكا وشــجعت الاخرين على تحديها، ومن ثم اضعفت موقف الحكومات التي تحتمي بها، وكانت النتيجة هي ما تشهده المنطقة اليوم. ان عجلة الثورات الشعبية تحركت ولا يمكن ان يوقفها الا تغيرات ترضي سائقيها. ‘ اكاديمي عراقي