الثقافة الكارثة: هل الشعوب أسوأ من حكامها؟

أدى تراجع الأيديولوجيات الوطنية والدينية، في معظم الدول العربية، إلى ظهور أنماط جديدة من الخطاب، تسعى لترميم هيمنة السلطات الحاكمة. من أهمها، إلى جانب الحديث المكرر عن «الاستقرار»، فكرة أن الشعوب العربية عموماً أكثر تخلفاً وميلاً للاستبداد من حكامها. ليس فقط لنزوعها للكسل والتواكل والإهمال، وغياب ثقافة العمل وأخلاقيات المواطنة، بل أساساً لأن هذه الشعوب لو تركت على سجيتها، وتم استفتاؤها حول القضايا الاجتماعية والسياسية الأساسية، فستكون النتيجة كارثية، سواء في ما يخص الحريات الفردية، وحقوق الأقليات، والمساواة أمام القانون، وحرية التعبير، وأشكال العقوبات وطرق تنفيذها. باختصار، الديمقراطية ستؤدي، حسب هذا المنظور، إلى نشوء أنماط من الاستبداد، وانهيار سياسي وثقافي، أسوأ بكثير مما نشهده حالياً.
وجهة النظر هذه تتجاوز المقولة الشهيرة: «كما تكونوا يولى عليكم»، التي ترى أن الحكام من طينة محكوميهم، إلى نتيجة أكثر سوداوية، وهي أن الأنظمة العربية، على علّاتها وكوارثها، هي في الظرف الحالي أكثر تقدماً من رعاياها. وعندها لا أهمية للتساؤل حول مدى مسؤولية هذه الأنظمة عن الحالة التي وصل إليها الناس، فسواء كان ما نعيشه نتيجة لسياسات السلطات المتعاقبة، أم تجسيداً لثقافة اجتماعية متأصلة منذ القدم، فالنتيجة واحدة، وهي أن هذه المجتمعات غير مؤهلة للديمقراطية، والأنظمة تلعب فيها دور صمام الأمان، الذي يمنع حدوث ما هو أسوأ.

علاقات إنتاج الثقافة

هذه الأفكار تثير بالطبع غضب كثير من المثقفين العرب، فيتهمون من يتبنونها بالترويج للاستبداد أو الاستشراق، فضلاً عن الجهل والسطحية. والرد التقليدي هو الإتيان بأمثلة لشعوب أخرى، مثل الألمان والكوريين والسنغافوريين، كانت توصف بسمات مماثلة فيما مضى، ثم استطاعت النهوض والتقدم وبناء الديمقراطية، بعد تغيير الإطار السياسي والاقتصادي الذي كانت تعيش ضمنه. مشكلة هذه الحجة، على وجاهتها، أنها تغفل النقطة الأساسية في الطرح الذي تنتقده، فهل من الممكن تغيير الأطر السياسية والاقتصادية، بوجود ثقافة تنتج التردي والاستبداد وتطلبه دوماً، ممتلئة بأساطير القائد المخلص، والامبراطوريات الغابرة، وعقد الاضطهاد والمظلومية، ومفاهيم الشرف والعار؟ وهل يمكن اختصار تجربة الشعوب، التي نجحت بتجاوز تخلفها، بتغيير سياسي واقتصادي، أدى بشكل ميكانيكي إلى تجاوز تخلفها الثقافي؟

أدى تراجع الأيديولوجيات الوطنية والدينية، في معظم الدول العربية، إلى ظهور أنماط جديدة من الخطاب، تسعى لترميم هيمنة السلطات الحاكمة. من أهمها، فكرة أن الشعوب العربية عموماً أكثر تخلفاً وميلاً للاستبداد من حكامها.

يكتسب هذان السؤالان أهمية خاصة، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كثيرين من أصحاب ذلك الرد هم أقرب لـ«اليسار»، الذي غدا بأغلبه هوياتياً، وتيارات الإسلام السياسي. هذه الأيديولوجيات تميل عادة إلى تضخيم أهمية العامل الثقافي، لدى مناقشة أي قضية اجتماعية أو تاريخية، سواء في الشرق أو الغرب، خاصة عندما يتعلق الأمر بنيل الامتيازات والنفوذ، مثل «التمكين» المؤسساتي، والمطالبة باستثناءات قانونية خاصة باسم «الحقوق الدينية والثقافية»، والدفاع عن ممارسات وأفكار معينة بحجة «الخصوصية» و«الاختلاف»، وانتقاد الحداثة بوصفها «هيمنة ثقافية للرجل الأبيض»، ورفض أو تأجيل حريات وحقوق معينة، مثل الزواج المدني والمساواة في الإرث، بوصفها غير ملحّة ثقافياً، وتصطدم مع «هوية مجتمعاتنا». بالمقابل تصبح الثقافة فجأة غير مهمة عندما تكون، بالمنطق نفسه، مثاراً للنقد والمحاسبة. عندها يقال إن الإرهاب نتيجة للفقر والبطالة والتهميش، ولا علاقة للدين والثقافة به، والاستبداد واضطهاد الأقليات نتيجة الاستعمار والإمبريالية، والحجاب «مجرد قطعة قماش»…الخ. وتغدو العوامل الاقتصادية والسياسية، بقدرة قادر، هي المبدأ التفسيري الوحيد لكل شيء. لا يمكننا وصف هذا إلا بأنه احتيال فكري.
لا بد من تجاوز هذا الاحتيال الفكري، الذي يسم التمازج المعاصر بين أيديولوجيات «اليسار» والإسلاميين، إذا أردنا الإجابة عن سؤال الثقافة والاستبداد. ما نقترحه بهذا الخصوص هو مقاربة ترى الثقافة بوصفها مجموعة من المنتجات، يتم تصنيعها وفقاً لعلاقات إنتاج معينة، وليست معطى جاهزاً ومسبقاً، على البشر والمجتمعات التطابق معه. نحن ننتج ثقافتنا وقيمنا وأفكارنا يومياً بناء على «مادة خام»، ليست مستمدة فقط من التراث والتقاليد، بل أيضاً من التأثيرات الثقافية الكثيرة والمتنوعة التي تأتينا من كل مكان. وعملية «الإنتاج» تعني بالضرورة إعادة صياغة المادة الخام وتشكيلها بأسلوب جديد. إذا استعدنا التاريخ بمنظور أركيولوجي، أي دراسناه بوصفه طبقات متراصة عمودياً من بنى اللغة والمفاهيم والخطاب، فسنتوصل إلى نتائج مهمة: إسلام القرن الثامن عشر مثلاً يختلف كثيراً عن الإسلام المعاصر. مفاهيم الجنس والجسد والفرد، تُنتج في أيامنا بأشكال مغايرة تماماً عن القرون الماضية. كثير من العادات والتقاليد القديمة تبدو اليوم غريبة وغير مفهومة..الخ. إنها منتجات تُصنع ويتم تداولها ضمن بنى معينة، ولكنها ليست حكماً نهائياً، أو جوهراً عميقاً يحدد سلفاً ما سنكونه. ينطبق هذا أيضاً على مفاهيم «الشعب» و«العامة» و«الجماهير»، فهي أيضاً مبنية سياسياً وثقافياً، وليست معطيات تجريبية جاهزة.

صناعة الشعوب

الإرهاب والتخلف والاستبداد هي عناصر من واقعنا الثقافي، تساهم، مع غيرها من العوامل، بإعاقة أي تغيير اجتماعي فعلي، وإنكار هذا أو تبريره نوع من النفاق، يختص به بعض الناشطين و«الباحثين»، المتأثرين بأشد الأيديولوجيات المعاصرة رجعيةً، مثل «ما بعد الاستشراق» أو «نقد المركزية الغربية»، التي تؤدي نتائجها المنطقية، حتى لو رفضوا الاعتراف بذلك، إلى دعم ادعاءات الطغاة والمستبدين، كما سمعنا ورأينا في تصريح السيسي الأخيرة عن الغرب، الذي لا يحقّ له أن يعلمنا الإنسانية، عندما نعلّق شبابنا على المشانق. إلا أن هذه المنتجات الثقافية الكارثية، سواء تخلف الثقافة الشعبية، أو احتيال ورجعية النخب، أو تبريرية خطاب السلطة، لا تسندها إلا بنى متهالكة. فلا أجهزة الدولة الأيديولوجية قادرة على فرض هيمنتها، ولا الجماعات الأهلية التقليدية، مثل العائلة والقبيلة والطائفة، تتمتع بحضورها وتماسكها القديم، وقدرتها على الضبط وإنتاج الذوات. في حين لا يملك الاحتيال النخبوي الكثير من الحيثية، بعد فشل الإسلاميين، والضعف والتشرذم الأبدي لـ«اليسار».

إذا كان تغيير القيم الثقافية والسياسية أمراً ممكناً، فمن الصعب أن يتم نتيجة هبّات ملحمية محدودة مكانياً وزمانياً. لأن صياغة مفاهيم جديدة، تتمتع بشيء من الديمومة، تحتاج لمؤسسات وبنى، وعمل يومي يتسم بالنَفَس الطويل.

قامت ثورات الربيع العربي في ظل تحلل البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ما أدى إلى تسريع انهيارها الشامل. اليوم، مع ظهور بوادر موجة جديدة من الربيع العربي، لا بد من محاولة دراسة المنتجات الثقافية والسياسية لهذه الثورات، وأهمها برأينا إعادة إنتاج مفهوم «الشعب». لم يكن المتظاهرون في تونس ومصر سوى نسبة صغيرة من مجموع السكان، وبالتأكيد لم تكن مبادئهم وقيمهم وطموحاتهم تمثل الجميع، ولكنهم، من خلال احتلالهم للحيز العام، المتجسد جعرافياً بالميادين والشوارع الرئيسية، استطاعوا جعل حراكهم نواةً لـ«الشعب»، الذي قُدم بوصفه ائتلافاً متنوعاً من المواطنين، في مواجهة طغمة فاسدة، يتداولون شؤونهم السياسية والاجتماعية بحرية في الميادين، ينتجون فنونهم وآدابهم وقيمهم الثقافية الأكثر تحرراً، يمتلكون لغتهم المشتركة، ويطالبون بالحقوق الديمقراطية الأساسية، بنزعة جمهورية راديكالية واضحة. حتى أعمال العنف والنهب والفوضى، التي رافقت هذا الحراك، وتجنيد أبناء بعض المناطق العشوائية و«الشعبية» للتنكيل بالمتظاهرين، لم يكن قادراً على زعزعة هذا المفهوم. فقد تمكن الثوار من استيعاب هذه الممارسات وتأويلها لمصلحتهم. بوصفهم، آنذاك، الجهة الأكثر قدرة على إنتاج القيم والخطابات. إنها، في نظرنا، أكثر المحاولات جرأة وبطولة على الصعيد العالمي منذ عقود عديدة، ولكنها لوحدها لم تكن كافية بالتأكيد.

تجاوز الملاحم

إذا كان تغيير القيم الثقافية والسياسية أمراً ممكناً، فمن الصعب أن يتم نتيجة هبّات ملحمية محدودة مكانياً وزمانياً. لأن صياغة مفاهيم جديدة، تتمتع بشيء من الديمومة، تحتاج لمؤسسات وبنى، وعمل يومي يتسم بالنَفَس الطويل. كانت الثورة في تونس أكثر نجاحاً لأنها استندت إلى ركائز مؤسساتية، سياسية ونقابية وثقافية، موجودة بالحد الأدنى في الدولة والمجتمع التونسي، وهو ما لم يكن متوفراً في بقية الدول العربية. ورغم بعض المحاولات المهمة، مثل السعي لتأسيس «النقابات المستقلة» في مصر، فإن نسبة كبيرة من الثوار، استمروا باعتمادهم على المبدأ الملحمي الرومانسي: تحركات ضخمة تطالب السلطة، سواء كانت من العسكر أو الإسلاميين أو الائتلافات الطائفية والقبلية، بتنفيذ مطالب معينة، فإن لاقت هذه المطالب بعض الصدى لدى السلطات، يغرق الثوار بالنشوة الوطنية والشعبوية. وإن فشلت، يستسلمون لملذات الرومانسية السوداء، بآلامها التي تخلّف شعوراً بالنبل والتسامي. ليس العمل السياسي والنقابي والثقافي اليومي بالأمر السهل، في ظل الديكتاتورية والتخلف الاجتماعي، ولكنه بالتأكيد أقل خطورة من الهبّات البطولية، فردية كانت أو جماعية، التي تكون أحياناً أشبه بمحاولات انتحار، مزينة ببعض الشعرية والغنائية. ليست هذه دعوة للتخلي عن مبدأ التظاهر واحتلال الحيز العام، فهو أمر لا غنى عنه في كثير من الحالات، إلا أن إعادة الإنتاج الجذرية للبنى الثقافية والسياسة، تتطلب تجاوز التصورات التقليدية عن الأبطال والشهداء، وثنائيات اليأس والأمل. وتستلزم منظوراً أكثر نضجاً وذكاءً، لا يراهن على «الخلاص»، بقدر ما يسعى لفهم كيفية إنتاجنا لمجتمعاتنا، وإنتاجها لنا.

٭ كاتب من سوريا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية