ينتمي مريد البرغوثي إلى جيل شعري فلسطيني، ضمّ أمثال محمد القيسي وعز الدين المناصرة وفواز عيد وأحمد دحبور، عاصر شعراء الأرض المحتلة (محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد…) ولكن من موقع الشتات، وليس الداخل. وضمن هذا التمايز الجغرافي خضعت شعريات هذا الجيل لدرجات متفاوتة من الظلم النقدي، الذي انطوى على بعض الإجحاف والإعراض والإهمال أيضاً، جراء التركيز على “شعر المقاومة” كما سارت تسميته في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؛ رغم أنّ جماليات هذا “الخماسيّ” تحديداً اقترحت سلسلة خصائص لامعة ومتميزة، سواء في مشهد الشعر الفلسطيني بصفة خاصة، أو ذاك العربيّ إجمالاً.

مجموعة البرغوثي الأولى، “الطوفان وإعادة التكوين”، صدرت سنة 1972؛ أعقبتها 11 مجموعة، فضلاً عن إصدارين للأعمال الشعرية في بيروت والقاهرة. وبعد توقف يعود إلى سنة 2005، تاريخ صدور مجموعته “منتصف الليل”، وعملين نثريين هما “رأيت رام الله” و”ولدتُ هناك، ولدتُ هنا”؛ يعود البرغوثي إلى نشر الشعر، في هذه المجموعة التي ضمت قرابة 35 قصيدة، طويلة أو متوسطة الحجم أو قصيرة، اختتمها الشاعر بنصّ نثري في استذكار زوجته الروائية والناقدة المصرية الراحلة رضوى عاشور.
هنا فقرات أولى من قصيدة “كشُرفة سقطت بكلّ زهورها”، المهداة إلى محمود درويش:
“في هالةٍ تخفي حياءً كامناً،
وبكبرياء خُطاه في المنفى وأرض عذابه،
تسري مودّةُ قلبه قمراً يضيء بغير إلحاحٍ،
على أصحابه.
وبه اندهاش يوقظ المألوف من إغمائه
وكأنه يحمي طفولته بمَكْرِ شبابه
العقل فيه مغامرٌ
والقلب هيّابٌ يفرّ من التمادي في الهوى،
وصفاء عينيه الصباحيُّ احتفالُ بالقصائد،
والقصائد لا تُردّ ببابه،
خذنا إلى الكحليّ يا بحر البلادِ
وطُفْ بنا في العالم المفتوح،
أسْمِعْهُ ارتعاشاتَنا
وقصّتنا المقيمة في دفاتر شاعر
مذْ غيّبَته الأرضُ سلّمتِ العيونُ بما رأتْ
وقلوبنا لم تعترف بغيابه.
وكأنه إذْ مات أخلف ما وعدْ.
وكأننا لُمْناهُ بعض الشيء يوم رحيله
وكأننا كنّا اتفقنا أن يعيش إلى الأبدْ.
“محمود إبن الكلّ” ــ قالت أمّه،
وتراجعتْ عن عُشْبهِ، خفراً، لتندفع البلدْ.
يا ويحها “حورية“،
هل أدركتْ أنّ البلاد لتوّها
قد ودّعتْ من كلّ عائلة ولدْ؟”.
رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2018