المحلل أحمد سليم كانت لديه كلمات قاسية ليقولها عن سلوك سلطة السكك الحديدية في مصر. «لا يوجد توجيه، ولا يوجد حرص على المواعيد، ولا يوجد التزام»، هذا ما كتبه في مقال شديد اللهجة نشر في صحيفة «اليوم السابع».
هذا المقال يضاف إلى آلاف الكلمات التي نشرت في وسائل الإعلام المصرية بعد حادثة القطار القاتلة التي حدثت في محطة القطارات المركزية في الدولة، محطة رمسيس في القاهرة، التي قتل فيها 25 شخصاً (حتى على المعطيات النهائية لا يوجد اتفاق) وأصيب العشرات.
الكلمات نفسها وجهت إلى إدارة سلطة السكك الحديدية أيضاً في الحوادث المخيفة السابقة التي قتل فيها مئات الأشخاص. أربعة وزراء للمواصلات من بينهم وزير المواصلات الحالي اضطروا إلى الاستقالة في أعقاب هذه الاخفاقات، لكن لم تنفذ إصلاحات حقيقية في هذه السلطة الكبيرة والوضيعة التي تنقل كل يوم 300 ألف شخص تقريباً.
في كل يوم تنشر تقارير أخرى عن الإهمال واللامبالاة وعدم المهنية وتبذير الأموال الكبيرة الذي يميز سلطة السكك، التي ابتلعت مئات مليارات الجنيهات المصرية من ميزانية الدولة منذ تأسيس محطة رمسيس في 1853. هذه هيئة تسيطر على 705 محطات للقطارات و2300 عربة، و181 قاطرة وآلاف العاملين. معظم العربات والقاطرات عمرها أكثر من 30 سنة، البنية التحتية متهالكة، تغيير الخطوط يتم ببطء كبير. لا أحد يعرف كيف يتم استغلال 20 مليار جنيه مصري التي تشكل ميزانية السكك. لا يوجد إشراف على تدريب سائقي القطارات الذين يشغلون التحويلات والمهنيين التقنيين.
عاصمة إدارية جديدة بشبكة قطارات مهترئة!
حسب التقارير من مصر، المشغلون ملزمون باجتياز دورات مهنية واستكمالات، لكن ظاهرة التزوير لشهادات التعليم هي جزء لا ينفصل عن سلوك هذا الفرع. في الحادثة الأخيرة تم إلقاء التهمة على سائق القطار الذي تم وقفه للتحقيق. هو متهم بأنه ترك القطار في الوقت الذي لا يزال فيه مشغلا،ً ولم يقم بتشغيل الكوابح، وواصل القطار سيره إلى أن اصطدم بحاجز. التهمة الأخرى هي أنه كان يتعاطى المخدرات أثناء العمل، وهي تهمة سبق وتم وقفه بسببها في السابق عن العمل.
القطار في مصر الذي شكل في السابق مصدر لعدة أفلام مصرية ممتازة عكس من خلالها سلوك النظام، تحول إلى عبء اقتصادي كبير على الحكومة، التي أرادت خصخصته عدة مرات. إلا أن هذه الخطوة ستحتاج من الحكومة استثمار أموال باهظة، حسب السيسي 200 ـ 250 مليار جنيه مصري، من أجل أن يرغب شخص ما بشرائه.
شركات خاصة مصرية ومجموعات اقتصادية دولية فحصت إمكانية شراء أجزاء من شبكات القطار، ذهلت من مستوى الصيانة ومن قوة لجان العمال ومن ضخامة الاستثمار المطلوب من أجل تحويل القطار إلى ناجع وربحي. في آذار 2018 صودق في البرلمان على مشروع قرار حسبه يمكن لجهات خاصة أن تكون شريكة في إدارة وصيانة القطارات، لكن حتى الآن لم يترجم مشروع القرار إلى مواصفات تقنية ومالية توضح كم سيكون حجم الشراكة الخاصة وبأي شروط. أي أنه حتى لو وجد الآن مستثمر جدي فسيجد صعوبة في بناء خطة تجارية تطرح هدف لدر الأرباح.
استقالة وزير المواصلات المصري هشام عرفات، الذي عين في منصبه قبل سنتين، لن تحل المشكلة. الوزير الذي سيعين محله سيضطر إلى مواجهة نفس التحديات بدون أن يكون في يديه الوسائل والدعم لإعادة إنعاش هذه السلطة المريضة، خاصة عندما أوضح الرئيس نفسه بأن ليس لديه المال المطلوب من أجل بث حياة جديدة في خطوط السكك الحديدية الصدئة وفي القطارات المتعبة في مصر. صحيح أن مصر أعلنت مؤخراً عن نيتها شراء 1300 عربة جديدة من روسيا بمبلغ 1.25 مليار يورو، لكن عندما لا يوجد قطع غيار للقطارات التي سيكون عليها سحب هذه العربات، يبدو أن هذا الاستثمار إذا نفذ، سيمجد مخازن القطارات.
أمام العجز المالي الذي يعترف به الرئيس المصري، ثارت عاصفة عامة طلبت معرفة مكان كيف توجد أموال للحكومة من أجل بناء العاصمة الإدارية الجديدة باستثمار بلغ مليارات الجنيهات. «نحن لسنا بحاجة إلى المسجد الأكبر أو الكنيسة الكبرى، نحن بحاجة إلى قطار ناجع لا يخاف المواطنون فيه السفر خشية القضاء على حياتهم»، كتب أحد الأشخاص في «تويتر». هذا الشخص قصد الاحتفال الكبير الذي جرى في الشهر الماضي في موقع المدينة الجديدة الذي دشن فيه الرئيس الكنيسة والمسجد الأكبر في الدولة، وبشر ببناء البرج السكني الأعلى في إفريقيا.
أموال بناء العاصمة الإدارية استندت إلى بيع أراضي حكومية لمستثمرين خاصين، وفي المقابل تقوم الحكومة ببناء مكاتب وشقق سكنية، شرح د. عبد المنعم سعيد، رئيس معهد الأهرام للأبحاث الاستراتيجية في مقابلة أجريت معه.
لا يوجد خلاف على أن بناء عاصمة إدارية سيقلل من الاكتظاظ الفظيع في القاهرة هو مشروع حيوي، لكن من أجل الوصول إلى العاصمة الجديدة سيضطر العمال إلى استخدام نفس القطارات القديمة التي تنقلهم كل يوم إلى أماكن عملهم.
ربما يكمن حل مشكلة السكك الحديدية بمصر في اقتراح الصحافي أحمد سليم، الذي يعتقد أنه لا يجب الاكتفاء بحكم السجن أو دفع الغرامات لسائقي القطارات، أو سلوكيات مديرين سببت موت الأشخاص، بل تفرض عليهم عقوبة الإعدام. وهذه أيضاً طريق.
تسفي برئيل
هآرتس/ ذي ماركر 7/3/2019