لندن ـ ‘القدس العربي’: مع تضييق الدول الكبرى الخناق على ليبيا وتخندق العقيد القذافي في طرابلس والوعود بدعم المعارضة، هل تتجه الامور في الازمة الليبية الى احتمال ‘تدويل’ الصراع هناك، وتتزايد الدعوات في الغرب وامريكا الى تدخل عسكري تحت ذريعة حماية الشعب الليبي ومنع القذافي من استخدام الغازات – غاز الخردل ضد المعارضة وشعبه؟ وفي الوقت الذي لم تبد اشارات حول تحرك المعارضة نحو العاصمة طرابلس حيث وعدت منذ الاسبوع الماضي بالتحرك نحوها تثور تساؤلات حول طبيعة المعارضة الليبية ومن يقودها بعد الاعلان عن مجلس عسكري وحكومة مؤقتة في مدينة بنغازي.
الثورة تبحث عن قائدوفي تقرير لمجلة ‘تايم’ جاء فيه ان الثوار في مدينة بنغازي معظمهم من الشباب والمهنيين واصحاب الاعمال يلتقون بشكل دائم دون التوصل لقرارات، فيما يعقد المتحدثون باسمهم مؤتمرات صحافية ويقدمون معلومات متضاربة. وتصل المواد الغذائية الى المدينة بدون ان يكون هناك نظام لتوزيعها او معلومات عمن يحتاجها. وتشير الصحيفة الى ان الشبان الذين قاموا بحركة 17 شباط/فبراير، معنوياتهم عالية يعتمرون بيريه تشي غيفارا لكن من دون قيادة واضحة ولديها خبرة سياسية. وتنقل عن متحدثة باسم الثوار قولها انه لا توجد مؤسسات غير مؤسسة النظام وهي خطة اتبعها القذافي من اجل ان يظل الجميع موالين له. وترى المجلة ان الثورة الليبية التي بدأت من دون قائد في حالة من الاضطراب بعد عشرة ايام من اندلاعها، وان الحكومة التي اعلن عنها وزير العدل تبدو في المظهر تعمل مع المجلس الوطني الليبي الا ان هناك خلافات في التصريحات والمواقف. وتقول ان النظام لديه القوى الامنية الكافية في طرابلس من اجل ضمان استمرار بقائه وتأكيدا على هذا دعا الكثير من الصحافيين الاجانب لاصلاح الضرر الذي حدث منذ بداية الازمة. وفي الوقت نفسه تشعر المعارضة في بنغازي بالقلق من محاولة النظام الهجوم واستعادة المناطق المحررة. كما ان الثوار لا تبدو لهم حتى الان الاستراتيجية الواضحة لمواصلة ما بدأوه وانهاء المهمة. وقالت ‘تايم’ انه لا يعرف بالضبط من يقود الوحدات التي انشقت عن النظام، حيث نقلت عن عقيد انشق اسمه طارق سعد حسين قوله انه يقوم من قاعدة بنغازي بادارة وتنسيق جهود المتطوعين والجنود والاعداد لهجوم موسع على العاصمة طرابلس. لكن مقابلة اخرى مع جنرال محمد حسن مهنا الذي عرف نفسه بانه قائد الدفاع الجوي في شرق ليبيا قوله انه لم يسمع بالعقيد حسين. وتقول انه لا يعرف بالتأكيد حجم الدفاع الجوي في شرق البلاد حيث قال عقيد انه مع بداية المواجهات امر القذافي بنقل كل الطائرات الى مدينة سرت والقواعد الجوية الاخرى قرب طرابلس. وتختم المجلة تحقيقها بالقول ان المتطوعين يتدفقون على القاعدة في بنغازي ويقولون انهم لا يريدون قيادة وسيحررون طرابلس بقلوبهم. ولم تتوقف حملات الشجب واللوم لحكومة العمال الماضية التي حملت مسؤولية فتح العلاقات مع القذافي، وضمه للمجتمع الدولي. فمن ناحية دعت مقالات وتحليلات الى التوقف عن لوم توني بلير – رئيس الوزراء السابق لكن الكشف عن دور بلير في تدريب وتوفير معدات للشرطة الليبية. واظهرت وثيقة ان بلير في آخر زيارة له كرئيس للحكومة، وحصلت عليها صحيفة ‘ديلي تلغراف’، اتفق مع القذافي على التعاون في مجال الامن وتبادل المعلومات حول البنية العسكرية والتكنولوجيا. وتم توقيع الاتفاق في ايار/مايو 2007. ومن ضمن الاتفاق تدريب وحدات خاصة وقوات خاصة وقوات حدود. ووقع الطرفان اتفاقا لتبادل المعلومات عن الناتو والمؤسسات العسكرية التابعة للاتحاد الاوروبي والمنظمات المدنية والعسكرية. وقالت الصحيفة ان الوثيقة التي كانت من ضمن مواد وضعتها الخارجية على موقعها تم حذفها في الاسابيع القليلة الماضية. وتظهر الوثيقة المدى الذي ذهبت اليه الحكومة السابقة في التعاون مع الحكومة الليبية. وفي داخل الاتفاق استعداد بريطاني لنقل التكنولوجيا والمواد العسكرية والمعلومات المطبوعة وارسال الخبراء واجراء مناورات مشتركة. ووافق البلدان على التعاون في مجالات التدريب والقيادة والتعاون في مجال الاتصال الامني وتزويد المعدات والبرمجة العسكرية. وكان زعيم المحافظين ورئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي عبر عن استعداده لتدريب المعارضة قد انتقد التعاون العمالي مع الليبيين خاصة عندما طالبه زعيم المعارضة العمالية اد ميليباند بالاعتذار عن التأخر والارتباك في اجلاء الرعايا البريطانيين. لكن كاميرون انتقد التعاون المشبوه بين الحكومة السابقة ونظام القذافي. وانتقد نواب محافظون الاتفاقات مع الحكومة الليبية وقالوا انها لم تكن انتصارا لبريطانيا وتعبر عن خطأ في التقدير من جانب بلير حسبما نقلت ‘ديلي تلغراف’. وكان بلير قد اتصل هاتفيا بالقذافي دعاه فيها للتنحي لكن القذافي رفض الدعوة ولامَ القاعدة. طبول الحرب وحدود التدخلوفي تحليل بنفس الصحيفة جاء انه في الوقت الذي يحاول فيه كاميرون تنظيف تدخلات بلير العسكرية في افغانستان فان طبول الحرب على ليبيا بدأت تقرع من داخل اروقة الحكومة واصوات خارجها من مثل ريتشارد دالتون السفير البريطاني السابق في ليبيا. وترى الصحيفة ان اجراءات الحكومة لنبذ القذافي محاولة جيدة لكن كلما طال امد الازمة زادت معضلة كاميرون. وتعتقد الصحيفة ان الازمة تعطي كاميرون فرصة لاثبات نفسه كزعيم دولي. وعليه في النهاية ان يثبت انه قادر على حماية المواطنين الليبيين في حالة استمرار القتل مشيرة الى ان الالهة المزيفين وعصرهم في العالم العربي قد انتهى وعليه فكاميرون امام امتحان تسهيل عبور ليبيا الى مرحلة ما بعد النظام الاتوقراطي. وفي افتتاحيتها قالت الصحيفة ان غوردون براون خلف بلير رفض التدخل نيابة عن ضحايا جيش ايرلندا الحر – اي ار ايه – للحصول على تعويضات من ليبيا لان الاخيرة تعتبر حليفا مهما في مجال الحرب على الارهاب. واتهمت الصحيفة الحكومة السابقة بقربها الشديد من القذافي خاصة ان بلير كان ضيفا دائما على القذافي وتتهم الصحيفة ان زعامة الحزب الجديدة بعد خسارة العمال للانتخابات تواصل تبرير علاقات الحكومة مع النظام الليبي. وفي الوقت الذي حركت فيه واشنطن اساطيلها في البحر المتوسط وشددت من لهجتها الا ان مسؤولين نقلت عنهم ‘نيويورك تايمز’ قالوا ان عملا عسكريا ليس على الطاولة وان الجهود هذه ما هي الا تحذير للزعيم القذافي. ويرى المعلقون ان عملية التصعيد المنسقة دوليا ضد القذافي ما هي الا محاولة للرد على المواجهات الدامية بين الموالين للقذافي والمعارضة. ويعتقد ان التأخر الامريكي في التصعيد كان من اجل حماية وتأمين الامريكيين في ليبيا والخشية من أخذهم كرهائن، والان وقد اصبح معظمهم خارج ليبيا فقد بدأت نبرة الادارة بالتغير والتصعيد والتهديد. واذا كان الخيار العسكري ليس مطروحا الان على الطاولة فان خيارات اخرى تبحث مثل منطقة حظر جوي، واستخدام الاليات العسكرية لنقل المواد الغذائية والدواء وترحيل الليبيين الذين يريدون الخروج من بلادهم. لكن المسؤولين يتحدثون عن مخاطر اشراك القوات العسكرية في هذه الجهود خاصة اذا كانت بقيادة امريكية، كما ان وجودا عسكريا امريكيا سيؤثر على شرعية الثورة وسينظر الى الوجود الامريكي على انه لحماية النفط وليس الشعب الليبي. ونفس الامر ينسحب على قوات الناتو، فيما ينظر الامريكيون وحلفاؤهم الى دور مصري لكن مصر اكدت ان اي دور يعود لقرار الجيش نفسه.
غاز الخردل وفي تقرير اخر، في نيويورك تايمز اشارت فيه الى ان ليبيا في عام 2009 قد اشتكت من بطء التحركات الامريكية لشطبها من قائمة الدول التي اقامت مشاريع نووية، وفي لقاء بين نجل القذافي- سيف الاسلام وجين كريتز- السفير الامريكي في طرابلس عبر سيف الاسلام عن نفاد صبر الحكومة الليبية. لكن مخاوف الادارة الامريكية اليوم تتعلق بكميات من غاز الخردل التي تملكها ليبيا، فامريكا وان استطاعت اقناع النظام بالتخلي عن برامجه النووية الا ان المخططين في البنتاغون الان يقولون ان لدى النظام كميات كبيرة من غاز الخردل لكنهم غير متأكدين ان كانت لديه القدرات على استخدامها. وتقول ان الكميات التي تخلت عنها ليبيا عام 2003 كانت كبيرة جدا وتشمل اكثر من اربعة الاف جهاز للطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، وتمثل ارضية لانتاج قنبلة نووية على الرغم من فقدان بعض المواد لكنها كانت كافية لانتاج قنبلة بدائية. وهذه المواد التي امتلكتها ليبيا جاءت من صفقة عقدها القذافي مع العالم الباكستاني عبدالقدير خان، الاب الحقيقي للمشروع النووي الباكستاني. وقدرت المخابرات الامريكية ان كلفة المواد بما بين 100 – 200 مليون دولار. لكن ليبيا لم تكن قادرة على تركيبها لان معظم المواد التي سلمتها لبريطانيا وامريكا كانت لا زالت في صناديقها. واعتبرت امريكا الموافقة الليبية انتصارا ادت بجورج بوش للسفر الى مختبر اوك ريج الوطني في تنيسي للاحتفال بالنصر، والذي اشار اليه في مذكراته العام الماضي. وبعدها رفع بوش الحظر عن ليبيا ومدح قرار القذافي وقال انه جعل امريكا بلدا امنا. لكن حسب برنامج ‘الجهاد النووي’ الذي اعدته الشركة الكندية للاذاعة فقد اشتكى سيف الاسلام من ان الدول الغربية لم توف بتعهداتها، حيث رفض القذافي تسليم ما تبقى لديه واشترط ان اي تسليم يجب ان يرفق بتعويضات. وحسب تقرير للسفير الامريكي ان القذافي لم يكن سعيدا ان نقلت المواد الى امريكا حيث اعتبرها اهانة له، ولم تف امريكا بوعودها.
دروس الثوراتوترى ‘الغارديان’ في افتتاحيتها ان المجتمع الدولي اي المجتمع الدولي الذي تمثله الدول الكبرى لم يعد مهما في الثورات العربية. وتحدثت في البداية عن نفاق هذه الدول التي تعاملت مع انظمة ديكتاتورية، واكدت ان النزاع بين السياسات والمبادئ في السياسة الخارجية الذي ظل يحكم سياسات هذه الدول لا يزال موجودا حتى الان. ففي الوقت الذي يتركز انتباه العالم فيه اليوم على العقيد المجنون وايامه الاخيرة، فان القوات الليبية ليست وحدها من قامت بإطلاق النار على المتظاهرين.
في العراق ايضا تم اطلاق النار، بعد تظاهرة كبيرة في ساحة التحرير قامت قوات الامن العراقية باعتقال 300 متظاهر من بينهم صحافيون معروفون وادباء ومثقفون وبعضهم تعرض للضرب والتعذيب، وقتل في التظاهرات التي عمت البلاد 29 متظاهرا. وعوضا عن شجب ممارسات الحليف العراقي وحكومة نوري المالكي فان الحلفاء قللوا من اهمية الاحداث وبناء على ما ورد عن السفارة الامريكية. وترى ان الغرب عليه ان يستخلص ثلاثة دروس من الثورات في ليبيا وتونس ومصر ومناطق اخرى. فالليبيون والمصريون والتونسيون قدموا تضحيات وتصميماً كبيراً وبطولة من اجل الوصول الى الوضع الذي وصلوه اليوم، ولا يريدون ولم يطلبوا تدخلا اجنبيا من اجل مساعدتهم او انقاذهم من انظمتهم. مع انها ترى ان ملكية التغيير في الشرق الاوسط لا تجعل من التدخل الدولي امرا لا قيمة له. اما الدرس الثاني فهو ان الثورات العربية الجارية ليست الا بداية رياح تغيير في المنطقة فمهمة تنظيف الوجوه القديمة لا تزال جارية. ومع محاولة الدول الغربية امتصاص الوضع وانشاء نموذج يدخل فيه اعضاء سابقين في الانظمة الجديدة (تشير الى مثال تونس) لكن الشارع يرغب في تغيير شامل وقطيعة كاملة مع الماضي. وايا كان الحال وفيما اذا كانت الثورات التي حدثت من دون قيادات قادرة على ابراز قيادتها ام لا فهذا امر آخر. اما الدرس الثالث، فان عمليات اعادة تشكيل السياسات ستتم باستقلالية عن التأثير الخارجي ايا كان اسلاميا ام غربيا، ففي حالة مصر، فالجيش المصري سيظل بحاجة للمساعدة الامريكية، لكن الحكومة التي ستشكل بعد الانتخابات ستكون مستقلة. وتختم قائلة ان السياسة الخارجية الغربية في الشرق الاوسط مطالبة بالتكيف مع الواقع الجديد لان الغرب لن يكون في موقع املاء شروط على الحكومات الجديدة، لانه مع موت الانظمة القادمة فبموتها مات دور الوكيل عن الغرب في المنطقة.