«المشي» بوصفه فعلا ثقافيا في الجزائر

حجم الخط
0

إلى وقت قريب لم يكن المشي في الجزائر العاصمة أمراً سهلاً، فتضاريس المدينة، ارتفاعاتها وانحداراتها، لا تشجع على التسكع، ويومها قصير مهما طال، فبمجرد الغروب تقفل المحلات والمقاهي أبوابها، وأسوأ ما في عاصمة البلد هو الجمعة، بحكم أنه يوم عطلة، حيث تخلد إلى غفوة ثقيلة، قبل أن يتحول هذا اليوم إلى نقيضه، ويصير نشيطاً بفضل المسيرات والمظاهرات، التي طرأت في الآونة الأخيرة، حيث قرر أهل المدينة كسر الجمود، وتحويل عطلة نهاية الأسبوع إلى صخب مُسالم. قرروا أن يجعلوا من الجمعة يوماً للمشي، ولن نختلف إن قلنا إن العاصميين لم يمشوا مسافات كالتي قطعوها منذ بدء المسيرات المناهضة لولاية خامسة لبوتفليقة، وليس المشي هنا مجرد فعل جسدي، بل له مقاصد ثقافية سنأتي على ذكرها.
المشي مسافات طويلة، في عاصمة البلد، كان مرادفاً للصعلكة، يُنظر إليه كما لو أنه فعل استثنائي، فوحدهم الصعاليك ومن ضلت بهم السبل، ومن لم يجدوا ركناً يأوون إليه من يمشون، ويقطعون المسافات، من أعالي المدينة إلى أسفلها أو العكس، بينما الناس العاديون يفضلون السير بسياراتهم أو ركوب المترو أو استئجار تاكسي، يرفعون من حد الزحمة والاختناق، كي لا يخلط أحد بينهم وبين من قطعت بهم السبل. إن الجزائر العاصمة مدينة تعيش سرعة مضطربة، تتعايش مع قلق مزمن، ولا تشعر بطمأنينة، لذلك نرى الناس فيها يهيمون كما لو أن أحد ما يُطاردوهم، يركبون السيارات أو يخرجون من أفواه المترو وهم يهرولون.
بفضل المسيرات الأخيرة، استعاد الناس علاقاتهم الحميمة بالمدينة، وشوارعها، وأعادوا اكتشاف طبوغرافيا العاصمة. مئات الآلاف قرروا أن يجعلوا من الجمعة يوماً للسياحة المفتوحة، المشي من الميادين الواسعة إلى الطرقات، مروراً بالحارات الضيقة، يصعدون من نهج أودان إلى المرادية، بدون أن يتعبوا، بعدما كانوا لا يقطعون هذه المسافة سوى بسيارات أجرة. يربطون أحذيتهم جيداً، ويتسلقون المدينة، بدون تذمر، يتلون أسماء الشوارع والزوايا، بعدما كانوا لا يذكرونها في السابق إلا لماماً.
تحول المشي في الجزائر العاصمة من مسيرات سياسية إلى قضية روحانية أحيانًا، يستذكر فيها السائرون لحظات حميمة، في أمكنة لم يمشوا فيها منذ سنوات، بسبب إيقاع المدينة المناقض للمشي، مما كان يرفع من أمراض القلب والسمنة ويزيد من كآبة الناس. ومن خلال المشي يساهمون في رواج ما يمكن أن نطلق عليه «السياحة الخضراء»، غير المكلفة والمفيدة للجماعات والأفراد. كما أن المشي حفزهم على الكتابة، فقد صار الفيسبوك يعج بقصص «المشاة» المشاركين في المظاهرات، بعض منهم يروون قصصهم مع المشي بكلمات، يحكون مواقف وأخبار ونوادر ويجمعون نكتاً ويخبروننا بما سمعوه من شعارات، وآخرون يروون تجربة المشي بالصور، يقتسمون معنا سلفيات أو صوراً مع أصدقاء لهم، أو صورا ملتقطة خفية عن شخصية سياسة أو امرأة جميلة قابلوها بالصدفة. لم يعد المصورون ومعهم الكتاب مهتمون بالجسد في لحظات الرعشة أو الإثارة أو الرقص فقط، بل صاروا يهتمون أكثر بالجسد حين يمشى وكفى. لقد تحول المشي في الجزائر العاصمة إلى تجربة مع الكتابة، وفي سرد اليوميات، وفي توثيق لحظات إعادة اكتشاف العاصميين لمدينتهم.

تحول المشي في الجزائر العاصمة من مسيرات سياسية إلى قضية روحانية أحيانًا، يستذكر فيها السائرون لحظات حميمة، في أمكنة لم يمشوا فيها منذ سنوات، بسبب إيقاع المدينة المناقض للمشي.

المشي في المسيرات غيّر علاقة الناس مع أنفسهم، لم نعد نراهم يهرولون كما في السابق، بل يمشون كما لو أن الوقت قد توقف ولا شيء ينتظرهم أو يضغط عليهم، يملأون وقتهم في مشي هادئ، في قطع الشوارع من أولها إلى آخرها في هدوء، في خطوات صغيرة، وهم يرفعون أبصارهم إلى العمارات العالية، ينظرون إلى الفروقات بين عمارات وسط البلد وعمارات الضواحي، يلوحون لجيران في الأعلى أو يطلبون منهم أن يمدوهم بقوارير الماء، يحسبون أعداد الطوابق، ويقرأون لافتات أسماء المحلات، ولا بد أنهم لاحظوا تراجع عدد المكتبات، وانتبهوا إلى أن المدينة لا تقرأ سوى قليل، لذلك عمّر فيها حكم الرجل الواحد 20 سنة ويزيد.
بفضل المشي في المسيرات صار يوم الجزائر العاصمة أطول، ففي مسيرة واحدة، ومن المشي من ساحة أول ماي إلى البريد المركزي يمكن أن نلتقي بعدد كبير من أناس نعرفهم، بل يمكن أن نلتقي أشخاصاً لم نكن نتواصل معهم سوى في الفيسبوك. فبفضل المشي اعتدلت العلاقات الاجتماعية، وبات العاصميون يتواصلون مع بعضهم بعضاً بشكل أفضل. يتحدثون وهم يمشون، ويحلون مشاكلهم، ويخططون لمشاريع مستقبلية، فقط من مجرد المشي في المسيرات. زد على ذلك أن نرفزتهم قلت، لم يعـــد يُضــــايقهم انقطاع الإنــــترنت، كما تعودت السلطة أن تعاقــــبهم، لأنهم بخروجهم إلى الشارع للمشي يتشابكون مع الأحداث الكبرى، ويعايشـــونها أمام أعينهم لحظة بلحظة.
إن المشي في الجزائر العاصمة هو شكل من أشكال معارضة ثقافة الاستهلاك، هو ثقافة مضادة ضد مجتمع التكنولوجيا المعلب، هو درس ضد السرعة المضطربة التي أثرت على شخصية ساكنة العاصمة، ومساحة رحبة لإعادة ترتيب العلاقة مع الأمكنة، والتوثيق لها، وهدم للتراتبية المجتمعية، ففي الشارع، ووقت المشي في المسيرات يتساوى الجميع، لا فرق بين مشجع فريق عاصمي ولا مشجع فريق آخر خصم له، لا فرق بين امرأة أو رجل، ولا فرق بين من ينتمي إلى حزب يميني أو آخر يساري. في المشي تتوحد الجزائر العاصمة، وتدخل حفلة بدون أقنعة.
أن يكسر جزائريون خمول يوم الجمعة، ويخرجون للمشي في المسيرات، فالأمر ليس فقط ذا غرض سياسي، بل هو أيضاً ثقافي، رغبة منهم في إعادة اكتشاف مدينة يعيشون فيها ويجهلونها، وحاجة في استعادة شعور بأنهم ينتمون إلى فضاء حضاري، ومن حقهم امتلاك المكان الذي يقيمون فيه، وأن لا يرضخوا لمنطق غلق المدينة باكراً. ففي المشي تنشط حواسهم كلها: بصرهم ولمسهم وتذوقهم لريح انعتاق قريب وشمهم ونطقهم لشعارات وبأصوات متناغمة. لقد احتل الأجداد البحر عقوداً، وعاشوا فيه بحارة وقراصنة، وقرر أحفادهم احتلال الشارع، أن يقيموا فيه كل جمعة، في احتجاجات يختلط فيها السياسي بالثقافي إلى أن يتغير الوضع القائم.

٭ روائي وصحافي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية