الجزائر: أقنية الصرف بين المرادية والإليزيه

حجم الخط
6

الصمت، وبعض اللغة الدبلوماسية الفضفاضة التي لا تكسر الصمت عملياً، هو الخيار الراهن الذي يعتمده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إزاء الانتفاضة الشعبية في الجزائر؛ التي لا يصحّ، البتة، التفكير بأنها ليست أيضاً مسألة فرنسية شائكة، داخلية قبل أن تكون خارجية. أسبوعية “لو نوفيل أوبسرفاتور” الفرنسية، وبقلم فنسان جوفير، عددت أربعة أسباب تدعو إلى “فزع” السلطات الفرنسية أمام احتمال وفاة بوتفليقة و/ أو تغيير النظام الراهن: أزمة طاقة، لأنّ 10% من غاز فرنسا يأتي من الجزائر؛ وأزمة أمواج، بل بحار، من هجرة الشباب الجزائري إلى فرنسا؛ وأزمة مليون جزائري يحملون الجنسية الفرنسية، ومن المؤكد أن تنعكس على فرنسا الداخل عواقب تفاعلاتهم مع أوضاع بلدهم الأمّ؛ وأزمة أمنية التي تخصّ تصدير الإرهاب إلى شوارع فرنسا، كما حدث في الماضي.

بمعزل عن هذه الأسباب، وبعضها يجوز تصنيفه تحت بند المستجدّ، ثمة ذلك الإرث الدامي، التاريخي الاستعماري، بين فرنسا والجزائر؛ الذي لا يلوح أنه تقدّم أية خطوة إيجابية بعد حديث ماكرون، خلال حملة الانتخابات الرئاسية، عن “جرائم حرب” يمكن أن توصف بها بعض فظائع فرنسا خلال عقود استعمار الجزائر. هذه حكاية تخصّ مسائل الذاكرة، مع ذلك، وقد خاض فيها على نحو متفاوت جميع رؤساء الجمهورية الخامسة، ابتداءً من شارل دوغول وانتهاءً بنزيل قصر الإليزيه الراهن. وأمّا الملفّ الأشدّ سخونة، واختلافاً في الجوهر، فهو التأييد الفرنسي الصريح لانقلاب 1992 في الجزائر، والمساندة الأكثر صراحة لحكم الجنرالات والمافيات، وصولاً إلى المباركة المفتوحة لأربع ولايات رئاسية وعشرين سنة صرفها عبد العزيز بوتفليقة في الحكم.

وليس جديداً التذكير بأنّ فرنسا تسدد ــ والأرجح أنها لن تتوقف عن سداد ــ ديون السياسات الفرنسية التي واصلت إدراج هذه المقاربة المتماثلة، التي لم تختلف كثيراً بين الاشتراكي فرنسوا هولاند واليميني جاك شيراك والليبرالي ماكرون؛ حتى بعد أن أخذت إحدى طرائق الدفع نسق تصدير العنف إلى داخل أنفاق المترو في قلب باريس، فأودى الإرهاب بأرواح فرنسية بريئة، تماماً كما كان يودي بأرواح جزائرية بريئة. ولا يُنسى، هنا، أنّ الدعم الفرنسي الرسمي للسلطة الجزائرية امتدّ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي، وبرامج الإقراض، ومساعدات الاتحاد الأوروبي؛ ومنذ العام 1994 باتت فرنسا مجموعة الضغط الأبرز وراء إقرار معاملة استثنائية للجزائر، وإقراضها خمسة مليارات دولار، الأمر الذي أتاح للسلطة الجزائرية حيازة مقادير من السيولة الصعبة لم يسبق لها أن امتلكتها منذ استقلال الجزائر في عام 1962.

وفي تموز (يوليو) 2017، حين كان ماكرون يشهد أوّل احتفال بالعيد الوطني لفرنسا من موقع الرئاسة، تبادل مع بوتفليقة رسائل تهنئة قطعت الشكّ باليقين حول عدم اختلافه مع سياسات أسلافه من الرؤساء إزاء الجزائر: “باسم فرنسا، وباسمي شخصياً، أنقل لكم رسالة صداقة واحترام حارّة وأحيي التزامكم الحاسم بتطوير الشراكة الاستثنائية التي توحّد بين فرنسا والجزائر”؛ كتب ماكرون. والإنصاف يقتضي التذكير بأنّ ماكرون لم يكن في هذا يغرّد خارج السرب، لأنّ مجلس الشيوخ الفرنسي كان يومذاك قد أعدّ تقدير موقف خلاصته “عدم وجود ضغط شعبي لصالح التحوّل السياسي، رغم انطباع التكلّس الذي يوحي به النظام الحاكم”؛ وبالتالي فإنّ شيوخ فرنسا توافقوا مع رئيسها في أنّ الجزائر سوق هائلة تلتهم منتجات فرنسا، ولا سبب يدعو إلى تعكير هذا الصفو!

في عبارة أخرى، ظلت أقنية الصرف مفتوحة بين قصر المرادية في الجزائر، وقصر الإليزيه في باريس؛ تظللها الصيغة الدبلوماسية الخشبية التي اعتمدها نزيل القصر الأخير: “نتمنى أن تجري الانتخابات الرئاسية في أفضل الشروط. ويعود إلى الشعب الجزائري أمر اختيار قادته وتقرير مستقبله”. والسؤال المنطقي، اليوم، هو التالي: حتام، وكيف، ستبقى تلك الصيغة سارية المفعول، والأقنية معها سالكة؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية