فيكتور هوغو: عودة جديدة إلى بؤسائه

حجم الخط
1

شاعران فرنسيان اثنان ملآ الدنيا وشغلا الناس: فيكتور هوغو وشارل بودلير. وقد ارتبط اسماهما بعملين أدبيين اثنين: «البؤساء» للأول (رواية)، و«أزهار الشر» للثاني ( ديوان شعر) ورغم أن فيكتور هوغو يعتبر الشاعر الأكبر في الأدب الفرنسي، إلا أن عمله الروائي فاق عمله الشعري شهرة وتداولا بين الناس. ومع أن روايته الأولى «أحدب نوتردام» الصادرة في باريس عام 1832 التي لاقت شهرة كبيرة، وتحولت الى أعمال سينمائية أكثر من مرة، غير أن «البؤساء» فاقتها شهرة وإصدارا، واعتبرها النقاد أفضل رواية عالمية بعد «دونكيشوت» لسيرفانتس. إذ قامت أكثر من دار نشر عالمية بإعادة إصدارها بطبعات مختلفة لعشرات المرات، وترجمت إلى معظم اللغات العالمية، ومثلت مسرحيا وسينمائيا أكثر من خمسين مرة (قام بتمثيل دور بطل الرواية جان فالجان مع كبار الممثلين نذكر منهم جان غابان، لينو فانتورا، جيرارد دوبارديو وسواهم).
صدرت الرواية لأول مرة في بروكسل (حيث مكان إقامة هوغو أثناء لجوئه في بلجيكا هربا من نابليون الثالث، الذي كان يعارضه سياسيا) في مارس/ آذار 1862عن دار نشر ألبيرت لاكروا ( مقابل مبلغ قدره 240 ألف فرنك، أي ما يعادل نصف مليون يورو اليوم، وكان أكبر مبلغ يمكن أن يتقاضاه أديب على عمل أدبي، ويقال إن دار النشر التي طبعت أكثر من نصف مليون نسخة وملأت كل مخازنها، حققت أرباحا خيالية، بعد أن وقف المشترون في طوابير طويلة لشرائها لعدة أسابيع متواصلة، وقد قامت دار نشر بانيير الفرنسية بطباعتها بعد شهر من صدورها الأول، ونالت إقبالا منقطع النظير).
لابلياد أكبر دار نشر فرنسية وأرقاها، التي قامت بنشرها، قامت بدورها في عام 1951 بإصدارها مرة أخرى في طبعة أنيقة في فبراير/شباط الماضي بـ1824 صفحة لتضمها إلى أهم الإصدارات والأعمال الأدبية الفرنسية والعالمية، التي تنشرها وهذا آخر إصدار للرواية وليس الأخير.
بلغ حجم الرواية في بدايتها 3510 صفحات، لكن تم اختصارها في ما بعد إلى 1053 صفحة، واعتبرها النقاد متحف لوفر الأدب الفرنسي، ففيها نجد كل روائع فيكتور هوغو، إنها لغة الجوع والعطش والألم، الممثلة المسرحية الشهيرة وعشيقة هوغو خلال خمسين عاما جولييت درويه، وصفت الرواية بأنها خزانة مقدسة للمستقبل، وكل من يعبث بها سيلقى عقابا إلهيا. لكن لم يكن هذا رأي الجميع فمنافسه شارل بودلير، يمتدح العمل من جانب ويعتبر أن هوغو حاول أن يدعو للفضيلة بقالب أدبي، وهو لا يتقنها، وفي مستهل «أزهار الشر» ينظم بيتا شعريا ردا على «بؤساء» هوغو يتوجه فيه إلى باريس: «لقد أغرقتني بطينك وأنا سأصنع منه الذهب». أما غوستاف فلوبير الذي أخر إصدار روايته «سالامبو» كي لا تتزامن مع إصدار «البؤساء» وتقطع عليها طريق الشهرة قال: «هذا العمل خفض من مستوى هوغو العملاق». أما القائمون على غونكور اعتبروا أن فيكتور هوغو لم يكن على اطلاع كاف على حال البؤس والدعارة، التي كانت متفشية في فرنسا آنئذ، وأنه حاول أن يجني المال من عرق البؤساء. هوغو يرد على كل هؤلاء بالقول: «لقد كتبتها للجميع» وليقل كل منهم ما يقول. ففي إحدى قصائده التي ألهمته كتابة «البؤساء» يقول:
نعم، من هذه الهضبة وجوعها الرهيب
ملايين ذهبية لماعة
تزرع الدرب الصاعدة نحو القصور والتمجيد
لم يتوقف النقد على المستوى الأدبي، بل تعداه إلى المواقف السياسية للشاعر الكبير الذي تتضارب مع كتاباته، فعلى عكس أراغو ولامارتين اللذين دانا مشاهد العنف والقتل في أحداث ثورة 1848 كان هوغو واحدا من ثمانين نائبا في البرلمان، يؤيدون ضرب المتظاهرين والثائرين بالرصاص من قبل القوات الملكية، وكان عضوا في الأكاديمية الفرنسية. لكن نبوءة عشيقته جولييت تحققت فكل من انتقد هوغو طواه النسيان، وبقيت «البؤساء» تجوب الآفاق من الصين إلى أمريكا، ومن القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي لتكون المدخل الرئيسي للولوج إلى الأدب الفرنسي.
الرواية باختصار هي قصة جان فالجان، بطل الرواية الذي يسجن لمدة عقد من الزمن، بعد أن سرق رغيفا من مخبزة، لكنه لجرأته وقوته البدنية وإنقاذه أحد الفلاحين الذي سقط تحت عربة، يفرج عنه فيتوجه إلى منزل قريب يطلب الطعام، فوقع على بيت أحد رجال الدين الذي استضافه وأطعمه، لكن فالجان يغدر به ويسرق فضياته، فتعيده الشرطة بعد القبض عليه بوشاية من إحدى الراهبات إلى بيت الكاهن الذي ينقذه باعترافه بأنه هو الذي أعطاه الفضيات ولم يسرقها، كما ادعت الراهبة في الواقع، بل قال له لماذا نسيت أن تأخذ معك هذين الشمعدانين، فيفرج عنه ثانية ويصبح في ما بعد عمدة بلدية إحدى القرى، بعد أن بات رجلا صالحا يدافع عن المعوزين. وصادف أن بائعة هوى وهي أم لطفلة صغيرة اسمها كوزيت سقطت مريضة وهي على فراش الموت طلبت منه أن يرعى طفلتها التي تركتها لدى عائلة تدير خانا صغيرا كانت تبتزها ماليا، وتستخدم الطفلة كخادمة، فيقوم جان فالجان باستعادة الطفلة مقابل مبلغ من المال، ويقوم بتربيتها حتى باتت شابة جميلة يافعة في الوقت الذي اندلعت فيه ثورة 1848وباتت باريس مسرحا للمواجهات بين المحتجين وقوات الجيش، وكانت مجموعة من الشباب قد انخرطت في المواجهات يترأسهم ماريوس أحد الشباب الارستقراطيين، الذي وقع في حب كوزيت وأصيب في المواجهات بطلق ناري، وتم إنقاذه من قبل جان فالجان وتهريبه عبر ممرات مجاري باريس. وبعد شفائه يقترن بعشيقته كوزيت. أما فالجان فيفارق الحياة بعد ان يترك ثروته للشابة كوزيت. توفي فيكتور هوغو في 1885 وتم دفنه في مقبرة العظماء بعد أن نظمت له مراسم جنائزية وطنية. لكن «البؤساء» ستبقى رواية متداولة جيلا بعد جيل درة أدبية لا تموت ولا يمكن تجاوزها.

٭ كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية