قبل يومين مرت 50 سنة على البداية الرسمية لحرب الاستنزاف في الجبهة المصرية. وكان هدفها سفك دمائنا إلى أن نوافق على الانسحاب، على الأقل من قناة السويس. وقد انتهت، بوساطة أمريكية، بوقف نار بعد نحو سنة ونصف، في آب 1970. هذه هي أطول حروب إسرائيل، الأكثر نسياناً ولعل الأصعب التي شهدها الجيش الإسرائيلي: 376 قتيلاً ونحو 1.000 جريح وفقدنا 15 طائرة.
لم يكد اقتصادنا المدني يتأثر، أما لدى المصريين فقد خرب الاقتصاد ودمرت مدن قناة السويس وقتل الآلاف. في منظور الخمسين سنة، بودي أن أطرح هنا أربع نقاط مركزية.
الأولى، الاستنزاف كشكل قتالي يتخذه العرب. في آذار من السنة الماضية شرعت حماس بحرب استنزاف مع بلدات غلاف غزة والجيش الإسرائيلي الذي على جدار الحدود. وهي تواصلها، بوسائل مختلفة، وما زالت. ففيم تختلف هذه عن تلك التي وقعت في حينه؟ في حينه لم يكن هناك إشراك للسكان المدنيين الإسرائيليين ـ الجيش الإسرائيلي فقط؛ القوة البرية للجيش كانت صغيرة في وجه الحجم الكبير للجيش المصري.
بادر الجيش الإسرائيلي كل الوقت لحملات برية، كبيرة وصغيرة، صاخبة وهادئة، كي يوقف النار المصرية أو يقلصها. أما الأن فسكاننا المدنيون يعيشون تحت الاستنزاف، وعلى الجيش الإسرائيلي أن يمنع حماس من استنزافهم، مثلما يعمل على إحباط التسلل إلى دولة إسرائيل. الجيش الإسرائيلي هذه المرة هو الضخم وحماس هي الصغيرة مقارنة به. ولكن الجيش لا يبادر، يترك المبادرة لحماس، لا توجد محاولات لوقف الاستنزاف.
في السنوات إياها كانت هناك حاجة للشرح للجنود لماذا يقتلون بعيداً عن البيت، في مكان ما هناك في إفريقيا. أما اليوم فهناك حاجة للشرح لسكان غلاف غزة لماذا هم الأبطال.
النقطة الثانية تتعلق بالروس، قبل خمسين سنة كان الاتحاد السوفياتي عدواً مريراً لنا. وعلى مدى خمسة أشهر قاتل الجيش الإسرائيلي ضد قوات قوة عظمى، ضد تكنولوجيتها التي يستخدمها رجالها. نحو 25 بطارية صواريخ أرض جو حديثة (لم يكن للغرب معرفة عنها أو نظرية قتالية ضدها) قاتلت ضد سلاح الجو لدينا. وكل ذاك الوقت رفضت الولايات المتحدة، صديقتنا، أن تزودنا بطائرات فانتوم. كانت مستعدة فقط لأن تورد طائرات بدل تلك التي سقطت وبشروطها.
في مكان الاتحاد السوفياتي توجد اليوم روسيا بوتين، وهي ليست عدواً لنا وتعرف كيف تقدر قوتنا جيداً. وربما الأهم: الولايات المتحدة هي اليوم حليفتنا. الأيام التي رفضت فيها توريد الطائرات المتطورة لنا تبدو الآن مأخوذة من عالم الأساطير. بالفعل، الزمن يتغير.
النقطة الثالثة تتعلق بالتكنولوجيا العليا. مصادر هذه الصناعة توجد في الوحدات التكنولوجية لسلاح الاستخبارات، التي تطورت في حرب الاستنزاف قبل خمسين سنة. كانت حاجة حيوية، وجودية حقاً، لمواجهة التكنولوجيا المتفوقة للقوة العظمى الشيوعية. العقل اليهودي الإبداعي وجد التعبير العملي له.
النقطة الرابعة، مع الاختلاف، تتعلق بحرب يوم الغفران. بذور المفهوم المغلوط زرعت هنا في زمن الاستنزاف: الاتحاد السوفياتي لن يبعث بقوات من جيشه إلى مصر. ولكنه بعث بالفعل. وكل كلمة إضافية بالنسبة للدرس المستقبلي زائدة لا داعي لها.
عاموس غلبوع
معاريف 10/3/2019