سليمان الأزرعي: النقد الذي يتكىء على الأيديولوجيا ينتج ظواهر أدبية مريضة

حجم الخط
1

يُعد الأديب سليمان الأزرعي أحد أبرز الوجوه الثقافية في الأردن، حيث كتب الشعر والقصة والرواية كما خَبِرَ النقد تدريسا وإبداعا، ونشر نتاجه الإبداعي في عدد من الدوريات العربية.
وفي هذا الحوار يقدم الأزرعي وجهة نظره حول قضايا حيوية في الساحة الأدبية تبدأ بواقع الأدب الأردني مرورا بالحداثة في الأدب العربي وتنتهي بطرح تساؤلات حول أزمة الثقافة والمثقفين وسمات الناقد المبدع.
* كيف استطعت الجمع بين الشعر والرواية والقصة والنقد الأدبي في وقت واحد؟
** بدأت حياتي الأدبية شاعرا ونشرت عدداً من القصائد، لكنني وبسبب الاحتراف وارتقاء معاييري النقدية مارست أكثر آرائي النقدية جرأةً عندما أصدرت على تجربتي الشعرية حكم الإعدام وتوقفت في منتصف الثمانينيات وأخذني النقد دون تردد.
ولكنني كنت بحاجة إلى الراحة بين الحين والآخر فوجدت في القصة محطة للراحة الإبداعية، وهكذا صدرت أولى مجموعاتي القصصية في أوئل التسعينيات من القرن الماضي، لكنني لم أبتعد عن النقد وبخاصة نقد الرواية بشكل اساسي وكذلك القصة والشعر.
* ما الذي دفعت إلى ممارسة النقد الأدبي؟ ولماذا فضلت التركيز على نقد الشعر؟
** أعتقد أن الأديب ناقداً أو مبدعاً أو مفكراً أو باحثاً لا يقرر مسبقاً إلى أين يتّجه، لكن الاهتمامات التلقائية تسحبه أولاً بأول صوب الاحتراف، وقد بدأت حياتي النقدية بمساهماتٍ تبدو لي الآن متواضعة، وكنت أدرس حينها في جامعة دمشق ورأيت كتاباتي تُنشر إلى جانب كتابات أساتذتي العلماء الكبار من أمثال الدكتور حسام الخطيب والدكتور شكري الفيصل، الأمر الذي رفع من منسوب مسؤوليتي النقدية ووجدتُ نفسي متورطاً في العملية الكتابية وبخاصةٍ النقد الذي أعتبره بنظري فعالية لازمة للكشف عن مواطن جماليات الإبداع.
فانا أعتبر نفسي مع النقد إنما أقدّمُ إعادة إنتاجٍ للجمال الشعري أو القصصي أو الروائي، وأرى النقد متمماً لانشغالاتي الفكرية على الصعيد الجمالي.
* ما هي أبرز المحطات في تجربتك النقدية؟ وهل ثمة شخص تدين له في هذا المجال؟
** قد تستغرب إذا قلت لك إن دراستي الجامعية في جامعة دمشق أوائل السبعينيات تُعتبر أهم محطات حياتي الثقافية والفكرية، ففي دمشق السبعينيات عشت حياةً ثقافيةً أشعرتني بالامتلاء لكل المراحل اللاحقة وكانت دمشق حاضنةً ثقافية غايةً في الروعة والتنوّع والجديّة، طبعاً تلا ذلك محطات أخرى في حياتي لعبت دوراً في تشكيلي الفكري والثقافي والأدبي وهي سنوات الملاحقة السياسية والعزل من العمل والفصل التعسفي والسجن إلى أن بتنا نقف على أبواب الديمقراطية والحرية عام 1990، وها نحن نعيش هذه المرحلة.
أما فيما يتعلّق بالشخص الأول الذي ترك أثراً في حياتي فلا استطيع تذكر واحد بعينه سواء كان مفكراً أو مبدعاً أو قائداً سياسياً، فأنا في الحقيقة نتاجٌ لكل ما قرأت وما عايشت، وأستذكر في هذا السياق مقولة سومرست موم «في الرجل الواحد يوجد ألف رجل»، فقد تعلّمت من مبدعين عالميين كبار ومفكرين عالميين كبار ولكنّني أعترف بأن من صاغ وجداني الإنساني هم الأدباء والمبدعون وليس السياسيون أو غيرهم.
* هل بوسع أي كاتب أن يصبح ناقدا، وما أثر ذلك على «قدسية» النوع الأدبي؟
** بالطبع، ليس بوسع أي كاتب أن يصبح ناقدا، وبالمقابل قد يمارس النقد أي إنسان عادي وقد يمارسه صحفي مبتدىء، فللنقد مستويات أهمها وأكثرها إفادةً النقد المحترف الذي لا يتأتى إلاّ لممارسٍ محترف ذي ثقافةٍ عميقة.
أما عن موضوع القدسية، فأنا لا أعتقد بأن ثمة نوعاً أدبياً مقدساً وآخر غير مقدّس فالشاعر ينظر إلى الشعر على أنه رأس هرم الإبداع والروائي كذلك والقاص والمسرحي والتشكيلي والرسّام، كلٌ ينظرُ إلى نوعه الإبداعي أو إلى إبداعه على أنه يحتلّ المكانة القدسية الأولى بين سائر الفنون.
* كيف تنظر لواقع النقد في الأردن في ظل النظريات والمناهج الجديدة؟
** في المشهد النقدي الأردني تنعكس كل المدارس النقدية، فهناك نقادٌ بنيويون وتفكيكيون وسيميائيون وواقعيون اشتراكيون أيضاً، فنحن جزءٌ من العالم ومناهجنا النقدية امتدادٌ للمناهج السائدة لدى أشقائنا العرب وسائر نقاد العالم، ولا يوجد في الأردن نزعة لاعتناق منهج بعينه.
أما الحديث عن ما يُطرح في العديد من مناسباتنا الأدبية العربية التي يلخصونها بالدعوة إلى منهج نقدي عربي فهو محض غباء، فبمقدورك أن توحدّ أقطاراً عربية وأن تستحدث اتحاداً للمحامين العرب أو للكتاب العرب أو للأطباء، أما الدعوة إلى منهج نقدي عربي موحدّ فهو أمرٌ مستحيل وطرحٌ سطحي بالطبع، وقد استطاعت كل المناهج النقدية عموماً أن تقدم الخدمة المطلوبة للحركة الأدبية الأردنية.
* ما طبيعة العلاقة بين النقد والإبداع؟ وهل يمكن للأول أن يفتح آفاقا رحبة أمام الثاني؟
** العلاقة بين الطرفين هي علاقة جدلية تبادلية، فقد يجرُّ الإبداع النقد نحو اهتمامات جديدة أو تجديدية وقد يفتحُ النقدُ أمام الإبداع آفاقاً لا عهد له بها، ومن هنا نقول إن العلاقة بين الاثنين تظلُّ جدلية وتبادلية ولا غنىً لأيٍ من الطرفين عن الآخر.
* ما خطورة النقد الذي تحركه انتماءات إيديولوجية (دينية أو سياسية)؟
** أي نقدٍ يأخذ حالة «العصبوية» (الايديولوجيا) لا يُعتدُّ به بغض النظر عن جوهر هذه العصبوية، فالنقد الذي يأتي على هذه الشاكلة لا يصنعُ أدباً رفيعاً ولا يدفع بالإبداع قُدُماً إلى الأمام، ولكنّه من خلال احتفائه العصبوي بهذا النوع أو ذاك إنما يُسهمُ في ترويج الظواهر المريضة ويأخذُ بيد حالاتٍ متردية ويخلقُ ضجيجاً حول حالاتٍ لا تستحق التسويق والترويج، وبهذا يمكننا أن نحسم القول بأننا لا نُحيّي أيّ نوع من انواع العصبويات سواء أكانت دينية أو فئوية أو طائفية أو عرقية أو قومية وما شئت.
* ما القضية الأساسية لديك كإنسان ومبدع؟
** أعتقد أن إعادة الهدوء للعالم بات اليوم أهم قضية بالنسبة لنا، فالإنسان لكي يصل إلى ما يتوق إليه بحاجة إلى السلام، ومن مناخات السلام يستمر النضال من أجل ما تبقّى من طموحاتٍ فردية ووطنية وقومية وإنسانية.
وهذا الضجيج العالمي الذي ينتشر في كل الأصقاع إنما هو مؤشرٌ خطر على حياة البشر ودليلٌ على نزق وجشع الرأسمالية العالمية التي لا تصل إلى غاياتها في الاستئثار والاستحواذ والكسب إلا بالمزيد من الظلم والتنكيل.
وهذا الأمر يتطلّب من البشرية جمعاء التوصل إلى منظومةٍ أخلاقية صارمة تقف في مواجهة الظلم والظلم الاجتماعي واستباحة حقوق الشعوب المغلوبة وتقديس حقوق الإنسان، وتبدو البشرية جمعاء مؤسسات ودول وأمم وشعوب معنيةً بها وهي بالتأكيد قضية نضالية لا تتحقق بالأمنيات والمناشدات والصلوات.
* ما هو تأثير «الربيع العربي» على المشهد الإبداعي في السنوات القادمة؟
** «الربيع العربي»، وبغض النظر عن مدى موافقتي على التسمية بمدلولاتها المتعددة، هو استحقاقٌ تاريخي ولو لم يحدث لقلنا إن القوانين الموضوعية وعلم الديالكتيك والمادية لا صحة لها، فالثورات استحقاق مشروع اما استثمارها وامتطاؤها وتوظيفها واستغلالها فهو موضوع آخر، ولكنّني تحت كل الظروف لا أستطيع أن أقف ضد إرادة الشعوب مهما كانت الذرائع إلا إذا امتدّت اليدُ الأجنبية إلى هذه الحركات وراحت توجهها ضد أوطاننا ومصالحنا الوطنية، كل ذلك انعكس وسينعكس في الإبداع العربي في كافة الحقول.
وقد رأينا وبشكل مبكّر انعكاسات هذه الحركات في الكثير من المجالات وأهمها الكتابات الروائية، ولابد من بعض الوقت لينجلي هذا الغبار وتصبح الرؤية أكثر وضوحاً وتزول الإشكالات التي فيها تختلفون.
مع كل ما قلنا فإنني أضع يدي على قلبي من نهاياتٍ غير محمودة لهذا المُسمّى بـ»الربيع».

حوار: نضال القاسم

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية