بحسب تقرير نشرته منظمة «هيومن رايتس ووتش» الثلاثاء الماضي تحت عنوان «كل شيء جار بحسب الخطة» According to Plan حول مذبحة ميداني رابعة و»النهضة» يوم 14 آب/ أغسطس 2013 فإن السلطات المصرية نفذت «واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في العالم خلال يوم واحد في التاريخ الحديث».
يتحدث التحقيق المفصل للمنظمة عما جرى بحيث يكشف للقارئ أن الجريمة كانت مخططة لتنزل أفدح الضرر بالمعتصمين، بدءا من وعد السلطات المصرية بأنها ستفرق المتظاهرين تدريجياً من خلال إنذارهم وفتح معابر آمنة لمن يريد الخروج منهم (وهو ما ضمن ربما وجود أكبر عدد ممكن منهم لممارسة حفلة الصيد ضدهم) وصولاً الى مفاجأة قوات الأمن للمعتصمين بالهجوم عليهم بسرعة بالجرافات والعربات المصفحة ومئات من عناصر الأمن الذين بدأوا بإطلاق الذخيرة الحية رشّاً ودراكاً.
مع بدء تساقط المتظاهرين قتلى وجرحى، قام قادة «المعركة» بفتح بعض المعابر للخروج فاندفع الكثيرون بحيث تزايدت الكتلة المجتمعة وصارت هدفاً كبيراً للقناصة من أسطحة البنايات المجاورة وعلى الأرض فأخذوا يطلقون النار عشوائياً على الجموع، واستهدفوا خصوصاً مدخل مستشفى رابعة الذي صار يطلق عليه بعد ذلك، كما يقول التقرير، اسم «زقاق القناصين».
قالت السلطات المصرية أن المتظاهرين أطلقوا على عناصر الأمن النار، ولكن أرقام السلطات الرسمية نفسها، بحسب التقرير، ذكرت أن عدد قطع السلاح التي اكتشفت كانت خمس عشرة قطعة، وفي تعدادها لضحايا المواجهات من رجال الأمن ذكرت الحكومة المصرية أيضا أن عدد القتلى هو ثمانية، في مقابل 817 شخصاً على الأقل من القتلى المدنيين، والأغلب إن العدد الإجمالي يتجاوز الألف قتيل.
أما الردّ الرسمي على «هيومن رايتس ووتش» فكان بمنع اثنين من مدرائها من دخول مصر لإعلان التقرير هناك (وهو أمر لم يحدث في أسوأ أيام حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك) ثم بإطلاق تصريحات كاريكاتورية من قبيل أن التقرير يريد «إسقاط الدولة»!
ولقطع الطريق على أي محاكمات دولية لاحقة للمسؤولين المصريين الكبار عن المذبحة بدأت الحكومة المصرية السعي لإنشاء محاكم مصرية للنظر في جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بحيث يتم تحويل أي طلب قضائي دولي إلى هذه المحاكم بحيث «يُحاكم» المسؤولون أمام محاكمهم وقضاتهم أي في ملاعبهم وأمام جمهورهم!
أثار تقرير «هيومن رايتس ووتش» خوفاً لدى المسؤولين المصريين، كما أثار مفارقات عديدة، ففي مصر رئيسان سابقان، حسني مبارك ومحمد مرسي، يحاكمان بتهم «قتل متظاهرين»، وخوف السلطات المصرية الحالي يكشف مفارقة وجود محاكم وقضاء مفصّلين للرئيسين السابقين، بحيث يفتح المنبر لمبارك للهجوم على ثورة يناير بينما يتم إخراس وإهانة محمد مرسي… ثم يتغاضى القضاء عن وجود الرئيس الثالث الأكثر بطشاً في قتل المتظاهرين، والذي ما زال متربعاً يشاهد على شاشة تلفزيونه المحاكمات المسلّية لنظيريه المخلوع والمعزول.
فإذا كان الثلاثة مسؤولين عن قتل متظاهرين، فلماذا يقبع اثنان منهم في السجن فحسب؟
إضافة الى هذه المفارقة فإن السؤال الممضّ للمراقب لما يجري في مصر هو:
كيف يمكن لأي مصريّ، أكان من النخبة المعنية بمستقبل مصر وبكرامة شعبها وعدالة قضائها ونماء وازدهار اقتصادها، أو من العامّة المشغولة بتحصيل الرزق وتمرير الأيام، أن يحتمل هذه المذبحة التي تثقل الروح، من دون أن يشير بأصابعه الأربعة أو العشرة الى المسؤولين عنها؟
وبأي قانون أخلاقي أو ديني أو وضعيّ يبرّر أيّ كان جريمة متعمدة بهذا الحجم الهائل؟
التغاضي عن مذبحة بحجم «رابعة» مؤشر على عارض خطير يصيب مصر.
رأي القدس