سبق أن توقفتُ في مقالي الأخير على النقد الثقافي والدراسات الثقافية، في المدرسة الأنكلوأمريكية، عند تجربة رائدها الناقد الثقافي رايموند وليمز، وصار لزاما الآن الوقوف على التحولات الرؤيوية لهذا المنهج النقدي ضمن الإرهاصات المعرفية لهذه المدرسة، التي تدرك السوسيولوجية عموما إدراكا ثقافيا واضحا، وهو ما تجلى مع أهم أقطابها من النقاد، وما قدموه من قضايا معرفية ضمن تحولات النظرية النقدية الحديثة والمعاصرة؛ لأن التصور المادي للمجتمع في نظر هذه المدرسة لا يخرج على أساس رؤيته للثقافة عموما، فالثقـــــافة كل مــادي ومعنوي للجهد الإنساني، وهي مصنع لسلوكيات الأفراد، لذا هي في قمة الهرم، وفي المقدمة من أولويات الإنتاج الجمالي والمعرفي، بما تخلقه من قالب شكلي وهدف معنوي، يؤديان إلى حراك حقيقي، ما يعمل على إنتاج إنسان قادر على التكيف مع التناقضات الفكرية جميعا.
وهذا ما أثبته وليمز في دراسته الرائدة عن الثقافة وعلاقتها بتطور المجتمع الحديث عبر التأريخ، على افتراض أنه يوجد تشابك قوي بين الأحكام الجمالية، بوصفها ممثلة لهذه الثقافة، وطريقة الحياة، بوصفها ممثلا شرعيا للمجتمع الحديث، وقد انتقد هربرت ماركوز هذا الأمر عند النقاد والمفكرين، الذين يعطون أهمية سوسيو واقعية للأعمال الأدبية والفنية، على حساب تكوينها الثقافي والجمالي، وفق ما سماه بـ(القمع الثقافي)، ما حفز أرنست فيشر وهو الناقد الجمالي ذو النزعة الماركسية، إلى التصريح بأن الفن بديل للحياة، وهو الوسيلة الحقيقية لإيجاد توازن بين الإنسان وعالمه، وإنْ كان هذا التوازن صعبا في أرقى المجتمعات، وبذلك يكون الفن ضرورة في المستقبل، كما كان في الماضي، بمعنى أن وظيفة الثقافة ذات طابع إنتاجي مميز، لأنها قادرة على توجيه الإنسان نحو رغبات المجتمع الجمالية، ولاسيما إذا كان هذا المجتمع رأسماليا، يتعامل مع الثقافة تعاملا سُلعيا، ويحطم العلاقة المباشرة بين المنتج والمستهلك، فواقعية هذه المدرسة أنها تتعامل مع المنتِج والمنتَج تعاملا مباشرا، من دون افتراضات أو تصورات خيالية، تفترض نشوء فئة أو طبقة في المستقبل، على غرارِ تحولاتٍ موجودةٍ في الحاضر؛ لذلك فإن ما يبدو عموديا في الفكر الماركسي (الجدل)، يغدو أفقيا في الفكر الرأسمالي، وما يبدو أفقيا في الفكر الماركسي (الجمالي)، يغدو عموديا في الفكر الرأسمالي.
يوجد تشابك قوي بين الأحكام الجمالية، بوصفها ممثلة لهذه الثقافة، وطريقة الحياة، بوصفها ممثلا شرعيا للمجتمع الحديث، وقد انتقد هربرت ماركوز هذا الأمر عند النقاد والمفكرين.
ولعل من أهم الإرهاصات الفكرية لهذه المدرسة، ما تمخض عنها من نتاجات على يد ثلاثة يعدون من أهم النقاد المعاصرين في الخطاب النقدي الثقافي، وهم تيري إيغلتن وفردريك جيمسون وإدوارد سعيد، الذين شكلوا مع بعضهم مجموعة خاصة في العمل الثقافي، فضلتُ أنْ أسميها مجموعة النقد الثقافي المعاصر؛ لما تبنوه من رؤى ومفاهيم ما بعد حديثة في النزوع نحو الإبداع والفكر والثقافة بعامة، ولاسيما النقد الثقافي، وهي مجموعة انطلقت أو أكملت الطريق الوعر الذي جربه من قبلُ، الناقد والروائي الرائد في هذا الحقل رايموند وليامز، إذ يحدد إيغلتن أهمية الثقافة في أغلب أعماله النقدية، بأنها لا يمكن للبشر أنْ يحيوا من دونها، لما فيها من علامات إدراك وقيم، يمكن من خلالها توليد موقف استراتيجي، بين معنى الأخلاق ومعنى الجماليات معاً، الأمر الذي حاول إثباته في حديثه عن النقد السياسي الذي يفترض فيه أن النظرية الأدبية الحديثة متواشجة بقوة مع التأريخ السياسي والقيم الأيديولوجية، وهي أفضل أداة للتعبير عن هذه القيم، غير أن هذا ما سوف يوجه إيغلــــتن ومن معه من النقـــاد، الذين ســـايروا حــــركة الحــــداثة نحــــو مفاهـــــيم ما بعـــد الكــــولونيالية وطروحات ما بعـــد الحداثة، ففي دراسته: (Nationalism: Irony and commitment) يقف على السياسة الرأسمالية ودورها السلبي، في تشكيل الهيمنة الفكرية على المجتمع الإفريقي، من خلال رواية رايموند وليمز(Second Generation، London، 1964)، التي يجد فيها ملاحظات دالة على القومية، ممثلة بالشخصيات الإفريقية التي تعبر عن فوارق طبقية، معتمدا في ذلك على الحوارات، التي تدور عن شخصية مأزومة بسبب إحساسها الطبقي، اجتهدت للوصول إليه، لكنها ما إنْ امتلكته تيقنت بمدى خداع الطبقات الأخرى في المجتمع، نتيجة لفوارق عنصرية متعلقة بقوميات الأمم الأخرى، وقد وجد إيغلتن أنه مرتبط بتدعيم سخرية مستحيلة داخل الأدب، نتيجة لهذه العنصرية التي يؤكد فيها، على أن ماركس كان ذا رأي تحرري تجاهها، لما بينه من رفض لأي عزل طبقي يمكن للشخص أن يدور حوله معرجا من ذلك على كتاب تروتسكي (الأدب والثورة) وقضية ثقافة البروليتارية، التي رفضها الأخير بسبب أيديولوجيتها السياسية، وقد أبعدت الأدب والفن عن واقعه الجمالي، وهو بهذا يوازن معرفيا بين موقف تروتسكي الرافض من هذه البروليتاريا، وموقفه الرافض من الثقافة الكولونيالية، ويجد أن البروليتاريين والكولونياليين تناسوا الطبقة الاجتماعية؛ لأن الطبقة أو الأمـــــــة لا تســـتطيع التواصل مـــع جزء من المنظومة، فهما يعتمــــدان نوعا من المماثـــلة الذاتية (Self ــ identical)، المتعلقة بالنتاج الاقتصادي من جهة، وبالعلاقات السياسية من جهة أخرى، ما يدل على تشبث المجتمعين الاشتراكي والرأسمالي معا بأيديولوجيتهما، فارضين بذلك هذه الأيديولوجية وبأسلوب صارم على الأدب والثقافة، وهذا ما حاول إيغلتن السخرية منه.
الرؤية تدور ضمن رؤية معرفية راسخة تنطلق من كون الاستشراق ما هو إلا إسقاط ثقافي لعقائد سياسية على مجتمعات أخرى مغايرة هي الشرق، فتكون صورة الإسقاط احتلالا معرفيا من قبل الثقافة الأقوى على الثقافة الأضعف.
وهذا اتجاه يمكن تحديده لدى صنويه أيضا فردريك وسعيد، ولاسيما من خلال معالجتهم لموضوعات ذات طابع سياسي، مثل الكولونيالية والإمبريالية بمنهج سوسيولوجي، يتصدى لأصول معرفة التداخل بين الثقافة الغربية وتأثيرها ـ السلبي أو الإيجابي ـ على الثقافة الشرقية، ولاسيما العربية منها، وقد ظهرتْ آراء فردريك في دراسته (Modernism and Imperialism)، مبينة مدى تأثير الفكر الإمبريالي على الثقافة، ولاسيما الأدب والفن، وحتى النظريات الماركسية في نظره تحتاج في علاقتها بالإمبريالية، إلى مؤهلات تأريخية خاصة، وإلى نظرة حاسمة مُعدلة، لكي تواكب التحولات الفكرية والمعرفية في القرن العشرين وأهمها الحداثة، وفي السياق نفسه تأتي دراسة سعيد ( Yeats and decolonization ) التي يتخذها مدخلا لهجاء الفكر الاستعماري، الذي شاع بشكل سافر حتى بدايات الحرب العالمية الثانية، والمرحلة التي تلتها على يد دول أوروبية مثل إنكلترا وفرنسا، واجتياحها الثقافي والمعرفي لدول شمال إفريقيا والهند وجنوب أمريكا إلخ، فقد دلت أشعار ييتس ذي الثقافة الأنكلوإيرلندية دلالة معرفية، على هذا التدخل الثقافي، وما فيه من سلبيات على المجتمعات المغتصبة، وهي أفكار وجدت صداها في كتبه جميعا، وأعني بذلك كتابه «الاستشراق ـ المفاهيم الغربية للشرق» 1978، الذي توسع فيه فكريا في قضية التأثير الأنكلو فرنسي في المجتمعات الشرقية عموماً، وعلاقة ذلك بالثقافة والمعرفة بشكل عام، وكتابيه النقديين «الثقافة والإمبريالية» و»العالم والنص والناقد»، اللذين يعدهما، ولاسيما الأول منهما، رؤية تكميلية للاستشراق، لأن الرؤية تدور ضمن رؤية معرفية راسخة تنطلق من كون الاستشراق ما هو إلا إسقاط ثقافي لعقائد سياسية على مجتمعات أخرى مغايرة هي الشرق، فتكون صورة الإسقاط احتلالا معرفيا من قبل الثقافة الأقوى على الثقافة الأضعف.
وهو بذلك يدرك بوعي كبير مدى تأثير الإمبريالية في المجتمع، من خلال أعمال أدبية ذات طابع سوسيولوجي خاص مثل الرواية، كما في دراسته «السرد الروائي والفضاء الاجتماعي»، التي يبحث خلالها في الثقافتين البريطانية والفرنسية، وتحديدا في القرنين التاسع عشر وبداية العشرين، أقول: يبحث عن حقائق الهيمنة الاستعمارية وعلاقتها بهيمنة ثقافة الغرب، لكنه يبدو أكثر اقترابا من مناهج النقد السوسيولوجي في (العالم والنص والناقد)، ولاسيما في دراسته «تأملات في النقد الأدبي اليساري الأمريكي»، التي يؤكد فيها على أهمية المنهج السوسيولوجي في نقد الأدب، مقابل النقد الجديد الذي يصفه بـ(الانهدام الكبير)، وهو يثني على أهم النقاد السوسيولوجيين في أمريكا، ممن ظهرت أعمالهم النقدية في مرحلة، بدأ فيها النقد بتبديل أدواته نحو البنيوية والجمالية بشكل خالص، كما في قوله: «السيرة المهنية لأناس من أمثال راندولف بورن وجوزيف فريمان مثلا لا تنفصم عراها عن مشكلات الحرب، أو سياسة عدم التدخل أو الصراع الطبقي أو الستالينية أو التروتسكية، ولئن كنا نشعر بأن ما كتبه هذان الكاتبان كان يفتقر إلى المستوى الثقافي الرفيع الذي كان عليه نقد معاصريهما مثل، أليوت وفاليري وريتشاردز وامبسون، فإننا نشعر في الوقت نفسه بأن إدراكهما للأدب بوصفه أدباً يتخطى البعد الأيديولوجي كان عميق الجذور إلى حد الروعة»، لكن المركزي في أعماله جميعا وما يعد محركا فاعلا لأفكاره، هو موضوع الكولونيالية وما يقابلها من ثقافة مقاومة يولدها المجتمع في البلدان الشرقية، من هنا تتصدر دراسات مثل «المقاومة والمعارضة» و»التحرر من السيطرة في المستقبل»، أجزاء كبيرة من كتابه المهم «الثقافة والإمبريالية»، ويتصدى فيه لسلطة دولة مثل أمريكا.
المركزي في أعماله جميعا وما يعد محركا فاعلا لأفكاره، هو موضوع الكولونيالية وما يقابلها من ثقافة مقاومة يولدها المجتمع في البلدان الشرقية.
وسنجد صدى ذلك في دراسات أخرى لاحقة تصب بحثها ضمن القضية الأثيرة ذاتها في عالم سعيد، وأعني بها (الكولونيالية والإمبريالية)، بهذا الإرث الفكري ـ الليبرالي الثائر، يعالج إدوارد سعيد موضوع (المثقف)، بما فيها من تصادمات مع المجتمع والسلطة السائدة، ليخطو في بعض الأحيان خطى المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، في محاولة إيجاد صور جدلية للمثقف، بوصفه عضوا فاعلا في جماعة نخبوية خاصة هي (الأنتلجنسيا)، وهي بسبب دورها الفاعل في المجتمع، تعاني النفي والاغتراب والتهميش؛ لأن هذا الدور ينطوي دائما على قول الحقيقة في وجه السلطة السائدة، وهذه هي أزمة المثقف الإشكالي الرافض لأنماط القهر والخذلان، ولعل هذه الحقيقة بالذات، تمثل الأساس المعرفي الذي بنتْ عليه هذه المجموعة تأملاتها الفكرية في النقد الثقافي.
٭ ناقد وأكاديمي من العراق