لندن-“القدس العربي”:
تحت عنوان “المعارضة الجزائرية الجريئة تستحق الدعم الواسع” كتبت صحيفة “فايننشال تايمز” تقول فيها إن الاحتجاجات الأخيرة في العاصمة الجزائر وبقية مدن البلاد ضد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة البالغ من العمر 82 عاما تكشف عن مأزق البلاد.
فقد وافق الرئيس العليل على عدم الترشح لعهدة خامسة من بين أمور أخرى، إلا أن الشعب يرى في التنازلات الأخيرة مجرد حيلة من الزمرة الحاكمة المكونة من قادة الجيش ورجال الأعمال للتمسك بالسلطة. ويبدو أن سلمية التظاهرات وتجنب الأمن استخدام العنف وموافقة بوتفليقة على الرحيل في النهاية خففت من الغضب الشعبي، سطحيا على الأقل.
ودعت “فايننشال تايمز” كل الأطراف التحلي بالحذر إن أرادت التوصل إلى نتائج إيجابية. وتضيف إن الجزائر من ناحية المساحة تعد أكبر دولة في أفريقيا وتحظى بموقع استراتيجي. ولديها ساحل طويل على البحر المتوسط وتملك احتياطا هائلا من النفط والغاز الطبيعي. وتعد من أبرز المصدرين له إلى أوروبا. وفوق كل هذا لدى الجزائر موقع متميز في الذاكرة الجمعية كرمز للكفاح من أجل استقلال أفريقيا في خمسينات وبداية الستينات من القرن الماضي. ولكن السياسة في الجزائر و “للأسف” ظلت كما تقول الصحيفة متجمدة في حالة من الاستبداد بمعارضة أحزابها ضعيفة ومنقسمة. وفي هذا السياق تبدو الحركة التي خرجت للشوارع بأعداد غير مسبوقة بدون قيادة واضحة ولكنها متجذرة على ما يبدو في المجتمع المدني.
وهذا الوضع بخلاف الحرب الطويلة التي استمرت طوال عقد التسعينات من القرن الماضي والتي اندلعت بعد إلغاء الانتخابات التي شاركت فيها عدة أحزاب ودخل فيها الإسلاميون في صراع شرير مع الجيش. ويتم تنظيم التظاهرات الأخيرة عبر منابر التواصل الاجتماعي ويقودها الجيل الشاب. وبعكس هذا الإحصائيات الحكومية التي تقول إن نسبة 26% من السكان هم تحت سنة الثلاثين ويشكلون نسبة الثلثين من عدد السكان البالغ 41 مليون نسمة وعاطلين عن العمل. وهناك أكثر من قاض أعلنوا يوم الإثنين أنهم لن يشاركوا في الإشراف على الانتخابات التي كانت مقررة في الشهر المقبل. وشاركت قطاعات أخرى من المجتمع سواء طبقة رجال الأعمال أو المحاربين السابقين في حرب التحرير بالتظاهرات التي عمت البلاد. وتقول الصحيفة إن التظاهرات اندلعت نتيجة للشعور بالإهانة عندما أصر النظام على ترشيح الرئيس المقعد لولاية خامسة. وتسود البلاد حالة من الإحباط بسبب بطء أو ندرة النمو الاقتصادي.
ورغم تنوع المصادر الطبيعية وتوفرها إلا أن البلاد تعتمد بشكل مطلق على النفط والغاز الطبيعي. وتمثل صادرات الطاقة نسبة 95% من الموارد الأجنبية. وعلى خلاف جارتيها تونس والمغرب فلم تبذل الجزائر الجهود لجذب السياحة الأجنبية. ولا يظهر المستثمرون الأجانب اهتماما بالجزائر أبعد من قطاع الطاقة وبسبب وجود الكثير من المعوقات الحكومية. وظل الجزائريون صامتين أثناء ثورات الربيع العربي عام 2011 بسبب الذكريات الطرية للحرب الأهلية أو “العقد الأسود”. كما وكشف التاريخ أن الانتفاضات التي تخرج ضد الحكم الديكتاتوري لا تحقق الهدف المنشود منها. ففي مصر استبدلت الثورة حسني مبارك برئيس من الإخوان المسلمين منتخب ليطاح به ويحل محله زعيم ديكتاتوري جاء عبر انقلاب. وانهارت سوريا ولا تزال تعاني حتى اليوم.
أوروبا لديها مصلحة استراتيجية في استقرار البلاد نظرا لما يمثله الغاز الطبيعي لها. ومن الواجب دعم مواطني دولة يعانون منذ وقت طويل وأظهروا شجاعة وخرجوا للمطالبة بالحرية
وتؤكد الصحيفة على أهمية ضبط النفس، فحتى هذا الوقت أبدى المتظاهرون وقوات الأمن حالة مثيرة للإعجاب من الانضباط. ومن المهم أن لا تبدأ السلطات بقمع التظاهرات السلمية. وبدلا من ذلك يجب تشكيل حكومة انتقالية من أجل حكومة أكثر محاسبة. والخطوة الأولى هي خروج بوتفليقة من المشهد بعد نهاية فترة تفويضه في 28 نيسان (إبريل). وترى الصحيفة أن أوروبا لديها مصلحة استراتيجية في استقرار البلاد نظرا لما يمثله الغاز الطبيعي لها. ومن الواجب دعم مواطني دولة يعانون منذ وقت طويل وأظهروا شجاعة وخرجوا للمطالبة بالحرية والإصلاح.