تشكل الرسالة في حياة الأسير الفلسطيني مساحة رئيسية للبوح والإبداع على حد السواء، وقد أصبح لها حضور على قدر كبير من الأهمية في التجربة الاعتقالية على مدى عقود الاحتلال. وإذا كانت الرسالة، نافذة الأسير الفلسطيني إلى العالم الخارجي يعبر من خلالها عن مشاعره وأفكاره وأشواقه إلى الأهل، ويروي فيها تفاصيل حياته في السجن، فهي في المقابل نافذة العالم الخارجي على السجن، إذ يقرأ ذوو الأسرى والعالم من خلالها ليس فقط حياة الأسر بمختلف تفاصيلها، بل أيضاً العالم الداخلي لذات الأسير.
تراكم معرفي داخل الأسر
خلال العقود الماضية تطورت لغة الرسائل التي يكتبها المعتقلون في السجون الإسرائيلية بشكل كبير، سواء كانت رسائل شخصية موجهة إلى ذويهم، أو لأصدقائهم في سجون أخرى، أو للتنظيمات والقيادات خارج السجن، أو تلك التي يكتبونها في مناسبات وطنية وغيرها. جاء تطور كل من لغة ومضمون الرسالة نتيجة طبيعية لوجود منظومة تعليمية ـ ثقافية ـ معرفية متكاملة، أسستها وطورتها الحركة الفلسطينية الأسيرة على مدى العقود الماضية.
خلال مسيرة نضالهم للحفاط على الذات وبنائها في مواجهة واقع السجن وسياسات السجان، التي تستهدف اغتيال الأسير الفلسطيني نفسياً ومعنوياً، استطاع الأسرى الفلسطينيون تحويل السجون إلى ما يشبه المدارس والجامعات، وبذلك خرج منها القادة الوطنيون والمثقفون والأدباء والشعراء والإعلاميون وغيرهم، على الرغم من الحصار الثقافي الذي فُرض على الأسرى، والذي تمثل في في البدايات في منع إدخال الأقلام والدفاتر والكتب إليهم. وما زالت إدارة السجون الإسرائيلية تفرض هذا النوع من الحصار بين الحين والآخر، بل تصادر من غرف الأسرى كل ما يمتلكونه من أدوات ومواد ثقافية وغيرها، لتتحول غرفهم إلى زنازين فارغة من كل شيء سوى من مراتب النوم، كإجراءات عقابية تُتخذ بين وقت وآخر بسبب وبدونه.
تمكن الأسرى من انتزاع حقوقهم في الحصول على الأدوات والوسائل والمواد اللازمة للتعليم والتثقيف الذاتي، عبر مسيرة عقود من النضال، تخللها العديد من الإضرابات عن الطعام، ارتقى خلالها شهداء من الحركة الفلسطينية الأسيرة.
الرسالة كنص إبداعي
في المقابل، تمكن الأسرى من انتزاع حقوقهم في الحصول على الأدوات والوسائل والمواد اللازمة للتعليم والتثقيف الذاتي، عبر مسيرة عقود من النضال، تخللها العديد من الإضرابات عن الطعام، ارتقى خلالها شهداء من الحركة الفلسطينية الأسيرة. يرى الأديب والأسير المحرر حسن عبد الله، أن رسائل الأسرى الفلسطينيين تحولت على مدى المراحل السابقة من سلامات وتطمينات للأهل، إلى نصوص أدبية ذات قيمة إبداعية، «لكن ذلك لم يتم بين ليلة وضحاها، وإنما احتاج سنوات من القراءة والكتابة والتثقيف الذاتي والجماعي». ويكمل عبد الله «وكأن ذوي التجربة (الأسرى الفلسطينيون) كانوا على معرفة تامة بنظرية «باولو فريري»، التي ربما لم يكونوا سمعوا عنها من قبل، بل توصلوا إلى مضمونها، انطلاقاً من الحاجة وانسجاماً مع العلاقات الديمقراطية التي أفرزتها التجربة، فمعلم الرياضيات في حلقة تعليمية معينة، يصبح تلميذاً في حلقة أخرى لتعلم اللغة الإنكليزية لدى تلميذه في حلقة الرياضيات وهكذا.. في ظل غياب المعلم التقليدي، الذي يدعي المعرفة المطلقة والحقيقة الكاملة.. ففي تجربة المعتقلين كان الوضع مختلفاً، الكل يضطلع بدور المعلمين والتلاميذ على حد سواء، في تبادل سلس للمواقع والأدوار، كلما اقتضت الحاجة والضرورة. أما التثقيف الذاتي فاعتمد في الأصل على القراءة الفردية وكان حصاده مجموع ما قرأه المناضل المعتقل على مدى سنوات الاعتقال، والجهد الذاتي هو الذي أوجد التمايز المعرفي وأبرزَ القدرات والمستويات..».
صورة الأسير في رسالته
تعكس الرسائل في المقابل صورة إنسانية ـ واقعية عن ذات الأسير، تقف على الطرف النقيض من الصورة التي تروجها سلطات الاحتلال حول الأسرى الفلسطينيين، باعتبارهم «مخربين» و«إرهابيين»، في هذا السياق، يقول رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين عيسى قراقع «إن مضامين الرسائل التي كانت تصدر عن الأسرى وما زالت، كانت رداً على التشويه الممارس من الاحتلال، الذي شوه صورة المعتقل الفلسطيني، وحاول تجسيده على أنه إرهابي ومخرب، لكن رسائل الأسرى في المقابل قامت على اعتبارهم بشراً عاديين لهم رسائلهم الإنسانية، وساعدت كتابة الرسائل على بناء نهجهم الحقيقي، وكان خير ما فعلوه أنهم صاغوا سِيَرهم كرسائل وغيرها من الكتابات».
رسائل الأسرى الفلسطينيين عالم غني أَلْهَم العديد من الفنانين والأدباء، فهو يروي تفاصيل الحياة في السجون، وبرنامج الأسير اليومي، وأخبار المعتقلين، وهو يوثق الأحداث والإضرابات، ومختلف مراحل مسيرة النضال في السجون، والإجراءات العقابية المستمرة التي تتخذها إدارات السجون بحق الأسرى. وسطور هذه الرسائل تعكس العالم الداخلي للأسير، وما يعتريه من مشاعر وشوق إلى الحرية والأهل والأحبة، فهي تعبير عن حالات إنسانية يختلط فيها الوجدان والعاطفة بالمشاعر الوطنية. وهي أيضاً وسيلة الأسير لتربية أبنائه، يخبرهم فيها عن القيم والأخلاق التي يحب أن ينشأوا عليها، ويعزز لديهم الشعور بالانتماء إلى الوطن وقضاياه، ويحاول من خلالها تعويض أسرته عن الشعور بالفقد الذي سببه الاعتقال. رسائل الأسرى وثائق وطنية وإنسانية وتربوية وثقافية، وهي نص إبداعي طويل لم ينته بعد، إذ كتابته في السجون لا تزال مستمرة.
الرسالة كقيمة بصرية
أخيرًا، تجدر الإشارة إلى اهتمام الأسير الفلسطيني بالبعد البصري للرسالة، عبر اهتمامه بتحسين خطه في كتابتها، أي حرصه على كتابتها بخط يدوي جميل، ومن خلال اهتمامه أيضًا باختــــــيار ظروف وأوراق خـــــاصة بالرسائل، ملونة ومزينة برسوم للورود والنباتات والطيور وغـــيرها، كلما كان ذلك متاحًا، ومفضلًا هذه الأوراق والظروف الملونة والمزيــــنة على الأوراق النمطـــــية الخاصة بالرسائل والتي تفرضها عليه إدارة السجون.
٭ كاتبة فلسطينية