الجزائر… أدب ما بعد 22 فبراير

حجم الخط
0

■ بوتفليقة يُناور كي يستمر رئيساً بدون انتخابات، ويلتف حول مطالب المحتجين. والشارع يرفض مقترحه، ويريد تغييراً فعلياً. نتحلى بتفاؤل لأن للجماهير سلطتها، ونقول إن اسمه دخل الأرشيف، وأن مرحلة طويت كي تبدأ مرحلة أخرى جديدة.
في العشرين سنة الماضية نما أدب يُشبه ـ في جله ـ حالة العطب التي عممها بوتفليقة، كرجل مريض، لم نعد نراه سوى مقعد، لا يتكلم، ولا يتخاطب مع شعبه سوى برسائل، لا نعرف من هو كاتبها الحقيقي. صحوة شعبية قلبت اللعبة، وأخرجت الملايين إلى الشارع، لا بد أن تجد انعكاساً لها في الأدب، الذي سوف يُكتب في السنوات المقبلة. التاريخ يتكفل بإحداث الهزات وإثارة التغيرات الاجتماعية، ثم يأتي الأدب كي يدونها أو يُعيد كتابة تصورت لما وقع. مثلما كانت ثورة التحرير من الاستعمار نقطة فاصلة بين أدبين جزائريين، الأول كولونيالي لا يرى الجزائر سوى امتداد لفرنسا، والثاني تحرري أحدث قطيعة، لا بد أن يكون لتاريخ 22 فبراير/شباط (الذي نزل فيه الناس بالملايين لأول مرة إلى الشارع) المفعول نفسه. أن يكون تاريخاً فاصلاً بين مرحلتين، بين مرحلة الهزيمة الصامتة، التي سيطرت فيها فئة قليلة على شعب وأخضعته في ألاعيبها ومرحلة الانعتاق حيث تحول الشعب إلى سيد فعلاً.
هناك جيل من الكتاب الجزائريين عاش تحت هيمنة الزمن البوتفليقي، منهم من عانى من الرقابة ومنهم من هُمش ولم ينل حقه في رفع صوته، ومنهم الكثيرون الذين راوغوا بما يملكون من وسائل بسيطة، وفئة منهم تقبلت الوضع كما هو، تعايشت معه وطورت متلازمة ستوكهولم في رضاها عما يحدث، وستجد صعوبات في التأقلم مع الفترة الجديدة. لقد كان الأدب واحداً من ضحايا العشرين سنة الماضية، مثله مثل السينما، مطوقاً بترسانة من قوانين إسكات المبدعين أو دحرجتهم إلى التعتيم، باصطيادهم في فخ الإغراءات أو إبعادهم غصباً، لكن اللهجة التحررية النضالية في الأدب الجزائري لم تخفت، ظل كتاب يُقاومون في صمت، ينتظرون بشغف لحظة اندفاع الجماهير كي تحررهم من سجنهم، وتحقق لهم ذلك. إن تواري النظام السابق، في حال تجسد فعلاً مع ابتعاد رموزه السابقين، سيكون من شأنه أن يحرر ألسنة الكتاب ويُعيدهم إلى مكانهم الطبيعي، ولكن تاريخ 22 فبراير لن يكون فقط لحظة انفراج على الجيل الحالي ومن سبقه، بل هو ممهد لظهور جيل مُختلف، يفهم أن الأنظمة هشة مهما حاولت أن تُظهر من جبروت، وأن الأدب هو الذي يؤرخ لضعفها وليس فقط مذكرات الساسة ومدونات المؤرخين.

يمكن أن نرفع نخب انتصار أولي، لكنه غير مكتمل، ونفرح بتحرر البلد من أدب المدائح الذي رعاه بوتفليقة ومن حوله، ونفكر في صيغة كتابة أدبية مختلفة، تؤسس للقطيعة مع ما مضى.

إن الدرس الذي نتعلمه من 22 فبراير أن لا نفقد الأمل في الجماهير، أن لا نخذلها، أن نسير في ظلها، لا في ظل الطغمة الحاكمة. لقد تفتق وعي جديد، وخرج الجزائري في ولادة ثانية، يعلم أن الثورة لا تزال مستمرة، وأن الغازات المسيلة للدموع لن توقفه، وتهديدات البعض بسيرنة البلد (مثل سوريا) إنما هي جزء من أدبيات منتهية الصلاحية، هي لغة تناثرت ولا قاموس جامع لها، وأن الأدب الجديد، المحصن من الرقابة ومن الرقابة الذاتية، المطعم بهدم صنم الخوف يبدأ الآن، أن عربة أدب جديد، بغض النظر عن الأسماء التي تتبناه، ستسير كي ترفع جدار المناعة عالياً، وتمنع أي نظام يأتي لاحقاً أن يدخلها في حظيرة الصمت كما فعل النظام السابق.
يمكن أن نرفع نخب انتصار أولي، لكنه غير مكتمل، ونفرح بتحرر البلد من أدب المدائح الذي رعاه بوتفليقة ومن حوله، ونفكر في صيغة كتابة أدبية مختلفة، تؤسس للقطيعة مع ما مضى، وتعيد للجزائر مرتبتها في الطليعة، بعدما تراجعت خطوات طويلة للوراء في العشريتين الماضيتين. من المهم أيضاً أن نقر بأن الأدب لم تكن له سلطة كاملة في إزاحة النظام السابق، ولا غيره من الفنون، لكنه كان بوصلة، إصبعاً تُشير إلى الشمس، ووجب علينا انتظار يد عون من الشارع، هو الذي أعاد النظام إلى حجمه الطبيعي، وللأدب سلطة على أن يوقع نهاية تاريخ وبدء آخر، أن يجمع «بازل» الأحداث ولا يُضيع قطعة واحدة منها، أن يركن إلى صف الجماهير، ولا يخذلها مرة أخرى، أن ينطلق منها وإليها في الكتابة، وأن يرشدها إلى طريق الانفلات من محاولات ركوب حراك شعبي سلمي، ويمرنها على عدم تقبل أن يحكمها رجل بصورة فقط، لا نسمع له صوتاً ولا حسيساً، لا يتكلم ولا يظهر، بل فقط يبعث رسائل، تدور شكوك حول هوية مؤلفها.
ما حصل في 22 فبراير، وما تلاه من أيام، يعلمنا أيضاً أن التاريخ لا يخطئ، التاريخ عجلة لا تمل من الدوران، ومن تكرار نفسها، يمكن أن نثق فيها، لكن أن لا نتكل عليها فقط، بل يجب أن يُرافقها أدب مختلف، كتابة تقفز في ثبات إلى اللحظة الحالية، تُعلي من ثيمة الحرية، وتُشرّح جسد الخضوع، كي لا ينهض من رماده من جديد.
أشياء كثيرة تتهيأ للتغير في المرحلة المقبلة، من بينها هدم الحدود اللامرئية بين الكتاب أنفسهم، وقف الحروب الدونكشوتية، التي رعاها النظام الأسبق بالمال والتلفزيون، التقليل من حدة الخصومات المجانية بين معسكرين لغويين، أحدهما يكتب بالعربية، والثاني بالفرنسية، والإفراج عن المكون الأمازيغي، كي يستعيد توازنه. لقد كانت الحقبة البوتفليقية حقلاً لتمييع الأدب، راهن فيها مستشاروه ووزراء ثقافته على الكم، بإصدار آلاف العناوين وتحويل الثقافة إلى مرادف للفلكلور، وفي الكم الهائل من الإصدارات لم نجد من يتجرأ على نقد الوضع العام، بل هناك من كان يصر في كل مرة على إدراج اسم الرئيس أو صورة له، والحال سيتبدل وينقلب الأدب إلى تجربة حرة، توسع نافذة تهويتها، لا تخاف ولا تبحث عن مهرجانات موسمية كي ترفع رأسها. لقد انزاح القناع وبتنا نرى العالم والعالم ينظر إلينا في هيئتنا وبدون حرج، لم يعد الأدب بحاجة إلى مؤسسات تُمارس الرقابة أكثر مما تبذل جهداً في الدفاع عن الحريات، ولا وصاية من هيئة رسمية. تتهاوى الكيانات لصالح الفرد، تنزاح الجماعة ويعود الأدب إلى أصله كتجربة فردية. وإذا كان الأدب من كماليات الحقبة البوتفليقة، زينة يباهي بها المحيطين به، فقد جاء الوقت ليصير في المركز، خبزاً يومياً للناس. النظام السابق تحول إلى جثة، والجثة تتحلل، وكتابة جديدة تولد الآن كي تزرع حياة أخرى في البلد.

٭ روائي وصحافي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية