«خلال السنوات الأخيرة أرسلت إليكم نداءات ورسائل من كل القطاعات للشعب الأردني التي طلب منكم فيها إجراء إصلاحات وإصلاح الأوضاع، لكن كل هذه النداءات لم تحظ بأذن صاغية. إضافة إلى ذلك، تجاهلتموها ولم تتعاملوا معها بصورة سليمة، عندما واصلتم اتباع طرق سياسية واقتصادية تستند إلى الفساد والطغيان التي تدمر مصالح الشعب، وتهدد أمن الدولة واستقرارها وتضعها على شفا الهاوية».
هذا ما جاء في رسالة أرسلها الشهر الماضي 84 شخصية عامة أردنية من بينهم الوزير السابق أمجد هزاع المجالي للملك عبد الله الثاني. شدة الرسالة الاستثنائية هي ذروة النضال الشعبي الآخذ في التصاعد منذ كانون الثاني 2018 عندما أقرت الحكومة الأردنية ميزانية الدولة التي شملت تقليصات عميقة في الدعم الحكومي ورفع الضرائب ورفع كبير لأسعار الوقود.
المظاهرات الكبيرة التي جرت في شوارع العاصمة حققت جزءاً من أهدافها، لكنها لم تهدئ الشارع. في حزيران الماضي أقال الملك رئيس الحكومة هاني الملقي في خطوة استهدفت تشكيل حبة دواء مهدئة وعين رجل الاقتصاد الكبير عمر الرزاز الذي شكل حكومة جديدة. ولكن التغييرات في الحكومة لم تساعد فعلياً.
في الشهور الثلاثة الأخيرة يصل في كل نهاية أسبوع مئات الشباب من أرجاء المملكة في اعتصام قرب القصر الملكي في عمان. هم يقيمون الخيام ويشعلون النار من أجل التدفئة في الليل البارد ويقسمون بأن لا يعودوا إلى بيوتهم إلى أن يتم إيجاد عمل لهم. في مقابلات صحافية يتحدث هؤلاء الشباب عن أنهم يأتون من العقبة والكرك وعمان والزرقاء ومدن أخرى بأنهم لا ينجحون في إيجاد عمل خلال أشهر طويلة وأحياناً سنوات.
من يعمل لا ينجح في إنهاء الشهر، سعيد الحظ وفقط ينجح في الحصول على تصريح عمل في إسرائيل ويسافر في كل صباح إلى ايلات رغم أنه كان يفضل العمل في بلاده. ولكن النصيب المقرر للعمال تبلغ 2000 فقط في حين أن عدد العاطلين في المملكة يبلغ أكثر من 300 ألف مواطن. نسبة البطالة المرتفعة، 18 في المئة – 30 في المئة في أوساط الشباب وسكان المدن الصغيرة ـ لا تجد إجابة في المصانع التي أقيمت في الأردن.
السعودية التي يعيش فيها 450 ألف أردني، وعدت بالمساعدة في تجنيد عمال آخرين وكذلك قطر. ولكن الأزمة الاقتصادية والفجوة الكبيرة بين الطبقات وحوالي مليون لاجئ سوري، كل ذلك تسبب بإبعاد العمال الأردنيين والمصريين من أماكن العمل في الزراعة والصناعة والخدمات ـ والحدود السورية التي كانت مغلقة حتى وقت متأخر ـ فاقمت الشعور باليأس والعجز.
برلمان الشبكة
في بداية الشهر الحالي نشر عدد من أبناء العائلة الكبيرة، بني حسن، عريضة في الشبكات الاجتماعية بعنوان «لنغير الدستور»، تدعو إلى اعتصام غير مقيد بفترة وإلى مسيرة مليونية في أرجاء المملكة. «في الأردن أزمة حقيقية تحتاج التخلي عن وهم المطالبة بالإصلاح والدعوة إلى تغيير طريقة الحكم كلها»، كتب في العريضة. من كتبوها دعوا إلى إقامة حكومة إنقاذ وطني لمدة سنة بحيث ينتخب الـ 31 عضواً فيها بعناية وتمثل كل الطبقات في المجتمع، من أجل أن تقود الدولة إلى بر الأمان. العريضة تطورٌ جديد يأتي يصورة مقلقة من مركز الدعم القبلي للملك.
رؤساء القبيلة سارعوا بالفعل إلى نشر رد جديد ضد العريضة أوضحوا فيه أن الأمر يتعلق بحفنة لا تمثل القبيلة التي كانت تواصل إخلاصها للملك والمملكة. ولكن الانطباع الذي تركته لم يكن بالإمكان إخفاؤه. بعد فترة قصيرة نشرت في الشبكات الاجتماعية رسائل رسمية سربت من أجهزة النظام فيها تم الإبلاغ عن تعيين ثلاثة موظفين كبار جدد في وزارة العدل برواتب كبيرة، 2800 ـ 4500 دولار شهرياً بدون إعلان أو نشر يمكن الشباب من التنافس على هذه الوظائف.
أمام رغبة سعودية في الرعاية وإغراءات صفقة ترامب
هذا الكشف إلى جانب الكشف عن تعيين أبناء عائلات أعضاء برلمان في وظائف عالية، حرك الملك إلى التدخل وينشر في «تويتر» عدم رضاه من غياب الشفافية. والتحذير من تسريب وثائق حكومية. الملك أمر بتجميد التعيينات في وزارة العدل حتى يتم الفحص، لكن لم يتم أي شيء حول تعيين أبناء عائلات أعضاء البرلمان. الفساد العميق لا يتعلق فقط بدفع الرشوة لموظفين من أجل الحصول على رخصة أو الحصول على مصلحة، بل يتميز بدائرة مغلقة من موظفين كبار ووزراء ومستشارين في البلاط الملكي يستفيدون من سياسة البوابة الدائرية لأعضاء نفس مجموعة المقربين الذين يبدلون وظائفهم في كل مرة.
وسائل الإعلام الرسمية المملوكة كلياً أو جزئياً للحكومة لا تبلغ بصورة كاملة عن ظواهر الاحتجاج. هذه المهمة تقوم بها الشبكات الاجتماعية التي تحولت وأصبحت «برلمان الشارع» الذي يشرف على الانحرافات في النظام وإلى منصة للقصص الحديثة عن سلوك كبار رجال النظام.
حسب تقرير من العام الماضي الذي ظهر ثانية مؤخراً، فإن أحد مستشاري الملك، عصام الروابدة، ابن رئيس الحكومة السابق عبد الرؤوف الروابدة، أوقف سائق باص لأنه اعتقد أنه يقود بصورة غير مبالية، المستشار استدعى قائد الشرطة الأردني الذي قام بتغريم السائق بمبلغ أعلى من راتب شهرين. السائق ابن لعائلة كبيرة، استخدم رؤساء عشيرته الذين اتصلوا مع البلاط الملكي وتسببوا بعزل المستشار.
الوقت الذي تغذي فيه هذه القصص الخطاب وتزيد التجند قبل المظاهرة المتوقعة في 2 أيار، يحاول الملك أن يجمع المزيد من المساعدة للتغلب على ديون الدولة، البالغة 40 مليار دولار. مؤتمر الدول المانحة للأردن الذي عقد في لندن في شهر شباط أثمر عن تعهد بـ 2 مليار دولار، لكن أيضاً إذا وصل هذا المبلغ فهو سيمتد على فترة 3 ـ 5 سنوات. في حزيران الماضي تعهدت ثلاث دول خليجية، السعودية والكويت ودولة الإمارات، بالمساعدة بمبلغ 2.5 مليار دولار، ولكن في هذا الشهر حولت السعودية مبلغ 340 مليون دولار، وليس واضحاً متى سيصل باقي المبلغ، إذا وصل أصلاً. المساعدة السعودية تصل بشكل عام مع شروط سياسية. مرة المطالبة بالسماح لطائرات سعودية بالعمل ضد سوريا من مطارات في الأردن ـ التي رفضتها عمان وتعرضت لتجميد المساعدة ـ وهذه المرة يبدو أن الموضوع الذي تريد السعودية تحقيقه هو شراكة في إدارة الأماكن المقدسة في القدس.
رعاية على باب الرحمة
عن هذا الطلب السعودي كتب في هآرتس قبل بضعة اشهر، ويبدو أنه الآن تحول إلى أكثر ملموسية. حسب تسريبات غير واضحة درجة دقتها، ستتضمن صفقة القرن التي يبلورها ترامب شراكة مغربية وسعودية في إدارة الأماكن المقدسة، سيادة إسرائيلية ومشاركة فلسطينية في صيانتها.
هذا خط أحمر من ناحية الأردن الذي يمسك بيديه بتعهد من إسرائيل بإبقاء إدارة الحرم بيديه بواسطة الأوقاف الإسلامية. هذا الأسبوع زار الملك عبد الله واشنطن وتحدث عن القدس مع وزير الخارجية مايك بومبيو ومع غارد كوشنر وجيسون غرينبلاط المبعوث الخاص لترامب.
حسب مصادر أردنية، أوضح الملك بأنه لن يوافق على تقاسم المسؤولية عن إدارة الأماكن المقدسة مع السعودية والمغرب. مكانة الحرم والمسؤولية الأردنية ليست موضوعاً سياسياً، هذه موجودة في قلب الصراع السياسي في الأردن الذي يمكن لكل تنازل عن الحرم أن يثير عاصفة ومواجهات بين الجمهور والعائلة الملكية.
هذه الضغوط أظهرت قوتها في السابق عندما أعلن الملك في تشرين الأول عن إنهاء تأجير الأراضي في غور الأردن والعربة لإسرائيل بدون اقتراح موعد لمفاوضات جديدة حول هذا البند. تصريحاته المتشددة حول الأحداث في باب الرحمة هي جزء من جهوده لتهدئة خصومه في الداخل الذين يطالبون بوقف التطبيع مع إسرائيل، وحتى طرد سفير إسرائيل.
في مؤتمر البرلمانيين العرب في عمان في هذا الشهر أعلن رئيس البرلمان الأردني، عاطف الطراونة، أن «الشعوب العربية ترفض تماماً التقارب والتطبيع مع إسرائيل». وانضم إلى دعم البند في البيان الختامي الذي طالب بوقف عملية التطبيع ـ مقابل مصر والسعودية ودولة الإمارات الذين رفضوه.
الملك غير متحمس لمواجهة في الحرم، ويبذل الجهود للتوصل إلى تفاهمات مع إسرائيل، لكنه رفض حتى الآن الاقتراح لإغلاق المبنى في باب الرحمة لفترة إعادة ترميم طويلة، ويطالب إسرائيل بتمكين الأوقاف من إدارة المبنى بدون قيود. حسب مصادر أردنية، فإنه التقى مؤخراً رئيسَ الموساد الإسرائيلي يوسي كوهين وبحث معه إمكانية إيجاد صيغة رعاية أردنية تشمل باب الرحمة مع الرعاية على المسجد الاقصى.
في هذه المحادثات، أوضح الملك أن مسألة الحرم تهدد الأمن الداخلي في الأردن وأنه على إسرائيل أن تتفهم إمكانية التفجير الكامنة للأردن في هذا الموضوع. يصعب تقدير من أين ستندلع عاصفة الاحتجاج الأردنية، وهل سيشعلها الشباب الذين ينامون تحت الجسور في عمان أو العمال الذين لا ينجحون في إعالة عائلاتهم أو سيأتي هذا من الحرم. مثلما في القدس ورام الله أيضاً في عمان ينتظرون بتوتر نتائج الانتخابات الإسرائيلية، التي بعدها يتوقع أن ينشر ترامب خطته للسلام.
في الأردن انتشرت تقارير في السابق عن أن الخطة تتضمن استثمارات ضخمة أمريكية ودولية تستطيع أن يستفيد منها الأردن، وعن خطة لبناء خط سكة حديد يربط بين حيفا وبغداد عبر مدينة إربد. الحلم الإسرائيلي عن أكل الفلافل في سوريا يمكن أن يستبدل بهذيان الفلافل العراقي. لدى الأردنيين فلافل ممتاز، فلافل هاشم. كانوا سيكونون سعداء لوضع طعام حقيقي على طاولاتهم.
تسفي برئيل
هآرتس 15/3/2019