الثورة العربية الحديثة.. انتقام الدم

حجم الخط
0

مروان العياصرة كنا نتحدث قبل (فبراير العظيم) عن انتفاضة فلسطينية ومقاومة عراقية وتحد شعبي لبناني لكل الانقسامات وهزائم السياسة، والآن بكل جرأة وتحد أصبحنا نتحدث عن ثورة عربية، وهي على حد هذا المعني، ثورة عربية بامتياز، الثورة التونسية شكلت جزءاً من مشهديتها والثورة المصرية لفتت إلى إصرارها وقدرتها على الصمود وتحقيق أهدافها، والآن الثورة الليبية التي غدا الدم فيها وقود اشتعالها ولظاها، إنها ثورة عربـــية بلا مواربة ولا خوف ولا جدال فيها، وقد غاب هذا المصطلح طويلا عبر الزمن العربي الذي أمعن في الانكسارات والهزائم، لكن الأجيال العربية التي عاشت هذا المعنى الثوري الذي تجاوز الحالة النظرية إلى المعنى الفعلي والتطبيقي ستبقى تذكِّر نفسها بأنها عاصرت ثورة الشعب العربي في تونس ومصر وليــــبيا، ومن يـــــدري، فربما سجلت دول عربية أخــــرى اسمها في صفحات كتاب الثورة العربية المعاصرة، ثورات بحجــم الدم، وبحجم قامة الشهداء الذين ارتفعوا فيها رايات وأعلاما.

هذا الدم العربي الذي نزف في تونس ومصر وينزف اليوم في ليبيا صار له ثمن، بعدما اهدرته الانظمة العربية التي بانت عوراتها وسقطت كل أقنعتها، أهدرته وعملت على نزفه جوعا وفقرا وانتحارا بحبال البطالة ورصاص الذل، لكن اليوم وغدا علمتنا الثورة العربية أن للدم انتقاما ولو بعد حين، وها هو يتحقق، والقذافي الذي يغسل شوارع بنغازي ومصراتة بدماء الثائرين، هذا الدم اليوم ينتقم منه، وهو ينهار وينكسر، وليس هذا فحسب فلدم الشهداء موعد معه يكون أشد انتقاما.

علمتنا الثورة العربية المعاصرة والحقيقية، أن في كل جيل قابلية للثورة وتحدي الموت في سبيلها، وأن ما كنا نقرؤه من سيرة الثورات في صفحات الكتب، أصبحنا نعيشه واقعا، وأن قامات الثوار الكبار الذين صنعتهم لحظاتهم التاريخية، ها هم اليوم يتكررون في لحظة تاريخية تصنع جيلا كاملا للبطولة والثورة، وما زلنا نسمع ذلك الرجل التونسي الذي تحدث لفضائية الجزيرة هو يقول (لقد هرمنا من اجل هذه اللحظة التاريخية)، وقد فعلها أحفاد الثائرين الرواد، وانتجوا لحظة تاريخية حاسمة، لأن الثورات دائما تأتي في موعدها، ولأن الثوار لا بد أن يستبقوا شيئا منهم لأزمنة قادمة.

الثورات ليست معجزات، لكنها بالتأكيد تأتي بالمعجزات، لأن الاستبداد طيلة عقود كثيرة علمنا، أو أنه اطفأ أعيننا عن أن نرى في انفسنا قدرة على الثورة والرفض والتحدي، وقد جاءت ثورة التونسيين والمصريين والليبيين بما عجزت عنه أجيال عربية سابقة، بقي اليوم أن يدرك بقايا الاستبداديين الذين يقفون اليوم على مسافة قريبة من ثورات شعوبهم أن لدم أبناء شعوبهم انتقاما، وأن لجياع الناس ثورة ولانكسار خواطرهم انتفاضة، فهل يصحون؟ وهذا القذافي الأرعن، الذي تحدى وتعدى، لم يبق منه إلا الكلام الذي يشبه صرخة الجسد الذي تتقطع اجزاؤه جزءا جزءا، ولا تنفع المكابرة بالإثم، فيا أيها الخائفون الصامتون على عروشكم، لن ينفع التواري خلف رنين الخطابات التي ما عادت تطرب، ولغة النظريات التي ما عادت تجدي، وكل صيغ العهود والوعود التي ما عادت تقنع الشعوب، بعدما آمنت بقدرتها على التغيير ولو دفعت ثمنا باهظا، فهي طيلة حياتها وهي تدفع الثمن، على الأقل الآن يكون لهذا الثمن وهذه التكاليف نتائج متحققة وأهداف منجزة، لهذا فإن للثورة العربية المعاصرة تكاليفها ويجب أن تبقى محافظة على مكتسباتها ونتائجها وان تحتفظ بكل أهدافها ومطالبها لكل أيامها القادمة، ففي مصر اليوم حديث في الخفاء عن ثورة مضادة مع بقاء الرئيس المخلوع داخل إطار الدولة، من دون أي انجاز لمحاكمته، ولو كان هذا احتمالا ضئيلا، على رأي محمد حسنين هيكل فإن الثورة يجب أن تبقى على قيد الاستعداد لأي طارئ أو محتمل، وفي تونس أيضا، ما زال المنجز التاريخي لم يكتمل، وفي ليبيا، وفي كل دولة عربية قادمة يبقى الرهان قائما على قدرة هذه الثورات على الاستمرار، حتى لو انتهى انتقام الدم، يجب أن يبقى لها خيار الانتقام المتوقع والمفتوح على كل الاحتمالات، فمع كل مرحلة ثمة تحد أن يتم القفز على إرث الثورة وتناسيها بفعل الاستغراق في الفعل اليومي، أو حتى سرقة لحظتها التاريخية.

المهم أن لا يتم الانقطاع في مسار الثورة، وأن لا تؤخذ بإغراء الانجاز الذي تحقق، ففي الأفق الرأسمالي الإمبريالي المصالحي المستبد، هناك دائما فرصة سانحة له لالتقاط انفاسه واسترجاع قدرته التـــــأثيرية، وإن أخطر ما على الثورة الركون لما تحقق ولفكرة القبول بالمعقول، وإن أهم ما عليها أن تستبقي وتستخلص من أبنائها من يحرس مبادئها، فمثـــلما حرست طغمة القذافي ثورته طيلة أربعة عقود ونيف، ومــثلما حرست أركان حرب مبارك جمهوريته الأولى طيلة ثلاثة عقود من التسلط والقهر، فإن على أركان الثورة العربية أن تحرسها لمسافة عقود طويلة، لأن الثورة التي لا تحرس مبادئها ومنجزها تذوب تحت وطأة التماهي في اليومي، والاستغراق في المجال العام.

كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية