ضرورة الاعتصام في العراق

حجم الخط
0

د. كمال مجيد

لقد حاصر نوري المالكي ساحة التحرير في بغداد بالأعداد الغفيرة من جيشه الخاص وجيوش الاحزاب الطائفية الاخرى المدججين بالسلاح ثم نصب الحواجز الكونكريتية لقطع الجسور ومنع كافة وسائل النقل، بما في ذلك الدراجات الهوائية، من الحركة. لكنه فشل، في يوم الغضب في 2011/2/25، فشلاً ذريعاً في منع الشعب العراقي عموماً، في بغداد وكافة المدن الاخرى، من مظاهراتهم الجريئة وهم يطالبون بحقوقهم المشروعة، الاقتصادية منها والسياسية. لقد فضح المتظاهرون حكومة المحاصصة لفشلها في توفير العمل والماء والكهرباء بل وحتى الحصص التموينية وذلك بعد ثماني سنوات من سرقة فلوس النفط. ولهذا طالبوا، بكل صراحة، بسقوط الحكومة عن طريق رفع الشعار: ‘بغداد ثوري ثوري.. ليلحق نوري بنوري’ اي لكي يلتحق نوري المالكي بنوري السعيد الذي ازيح من قبل الشعب العراقي في ثورة 14 تموز 1958 العظيمة.

لقد ادرك المالكي ضعفه فاضطر الى قتل وجرح العشرات من المتظاهرين العزل، اذ يؤكد تقرير هيئة الامم المتحدة والمنشور في واشنطن بوست في 2011/3/2 على ‘مقتل 14 متظاهراً’ هكذا أجبرالمالكي حتى اتباعه، بل وحتى المشاركين في حكومته، كالصدريين مثلاً، على استنكار جرائمه. كل هذا برهن على قوة الشعب وضعف الحكومة التي لم تستطع، حتى بعد مرور سنة كاملة على انتخاباتها الفاشلة، ايجاد شخص واحد يمكنها الاعتماد عليه لاشغال منصب وزير الدفاع او الداخلية ثم ان حكومة الاحتلال منشقة منذ بدايتها لأنها مكونة من ممثلين لأحزاب معادية حيث يدافع كل حزب عن مصالح رهط صغير من اتباعه ضد مصالح اتباع الاحزاب الاخرى. والمحاصصة، بالتعريف، تعني تقسيم خيرات البلاد على المتنافسين المتسابقين لسرقة اكبر كمية من مال الشعب. ولهذا كان المتظاهرون يهتفون: ‘نفط الشعب للشعب مو للحرامية!’. هذه الحقائق الدامغة تؤكد على امكانية تفليش الحكومة من الداخل ثم اسقاطها، بقوة الشعب، والتخلص من الوجوه العتيقة. قد يحاول المالكي تجنب تفليش الحكومة عن طريق زيادة عدد الوزراء لكي تزيد حصة احدى الكتل المتذمرة على حساب اخرى قانعة. الا ان اي تضخم جديد في حجم الوزارة المنتفخة يفاقم صراعاتها الداخلية ويقلل من جدارتها حتى في التغطية على السرقات. اذن هناك الضرورة لرفع الشعار المجرب في تونس ومصر، شعار: ‘الشعب يريد اسقاط النظام’ لا بديل لهذا الشعار، خاصة لأن الشعب العراقي ضحى بمليون قتيل وجمع خمسة ملايين من اليتامى بينما اضطر خمسة ملايين الى ترك بيوتهم لتجنب الموت وذلك منذ الاحتلال وحتى الآن. فاسقاط النظام وسيطرة الشعب على الحكم اصبح المطلب الآني للجماهير المنتفظة التي تستطيع رفع اعمالها الايجابية الى مرحلة الاعتصام كالخطوة الضرورية القادمة لتحقيق النصر.

يعلم الشعب العراقي العظيم، من تجاربه المتكررة، ان اسقاط النظام لا يحدث الا باللجوء الى الثورة المساندة من قبل اغلبية الجماهير. وبالرغم من استمرارالمقاومة العراقية الباسلة في محاربة الاحتلال لثماني سنوات لم تنجح في تعبئة الشعب بصورة كافية لتحقيق الانتصار. وهناك اسباب عديدة لهذا التقصير اولها كان نجاح المستعمر في تفريق الشعب وتقسيمه الى السنة والشيعة والاكراد والعرب لكي يختلفوا فيما بينهم الى حد القيام بتبذير دماء الشعب الشحيحة دون سبب. لقد بلغ تمزيق الشعب حداً استطاع فيه المحتل استخدام قومية او طائفة ضد الكتل الثائرة. الا أن الشعب ادرك هذه الدسيسة. ولهذا رفع المتظاهرون شعار ‘يا اكراد سنة وشيعة هذا الوطن ما نبيعه’ يمكن اعتبار هذه الظاهرة كركن اساسي لاعلان الاعتصام وكخطوة جبارة في تعبئة وتوحيد الجماهير الغاضبة لتحقيقه.

لقد تحقق الركن الاساسي الثاني عندما انتفض شعبنا الكردي الجبار للقيام بمظاهراته الملحة والمستمرة ضد حكامه الاكراد المحليين وعلى رأسهم مسعود البارزاني وجلال الطالباني. لقد طالب المتظاهرون بكل صراحة بطردهما، مع جلاوزتهما، من حكم المنطقة منذ 1991. لقد كان حكمهم استمراراً لتنفيذ خطط اسيادهم الامريكان وبحجة الدفاع عن الشعب الكردي المنهوك. لقد ادرك الاكراد زيف الادعاءات التي قدمها مسعود وجلال لزجهم في حروب طاحنة منذ 1961، ضد حكومة عبدالكريم قاسم الوطنية وحتى احتلال العراق في 2003. كما ادخل مسعود وجلال هذا الشعب المنكوب بهما في الحرب الكردية / الكردية التي استمرت، لاكثر من ثلاثين سنة، بين مليشيات الحزبين منذ 1964 وحتى ايلول 1998. ولهذا انتفض في 17/2/2011 ليهاجم غاضباً مقر الحزب البارزاني في السليمانية مطالباً بطرد مسعود من رئاسة المنطقة. وبالرغم من تقديم ثمانية شهداء وعشرات الجرحى استمرت مظاهراته حتى كتابة هذه السطور. ثم انتشرت المظاهرات وبسرعة البرق الى دربندي خان وسيد صادق وبنجوين وكويسنجق وجمجمال وكلار ورانية وبصورة خاصة الى حلبجة الجريحة التي قدمت شهيدين حتى الآن. هذا وقد اعلن الشعب في السليمانية فعلاً عن اعتصامه عن طريق احتلال الساحة الرئيسية امام السراي الحكومي ومنع حركة المرور فيها، ثم قرر الاعلان عن اضراب عام اذا لم يتم محاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين.

يشجع نهوض الشعب ووحدته بل حتى اعتصامه في السليمانية على توحيد صفوف المقاومة الباسلة في زحفها ضد الاحتلال. يتم ذلك عن طريق التخلص من الشوائب التي فرضت عليها نتيجة لنجاح المحتل في التفريق العرقي والطائفي للشعب كله وقد تم ادراك ذلك كما ورد اعلاه. ثم ان المحتل الامريكي، بعد ان تكبد بـ 4439 قتيلاً واكثر من ثلاثين الفاً من الجرحى، برهن على فشله في تجهيز العراق بأي شيء مفيد. لهذا اضطر الى سحب بعض من جيوشه من العراق لتجنب المزيد من الخسائر. وعندما فشل المستعمر، ايضاً، في استخدام سلاح الديمقراطية الرأسمالية، ضدنا وافرخت الانتخابات، بتكرار، نفس المجموعة المفضوحة من السراق، لم يبق عائق امام توحيد مكونات النسيج العراقي والاستمرار في الكفاح المسلح حتى النصر.

هنا يأتي دور الشعب، في المنطقة العربية من العراق، في اخذ المبادرة والاعلان عن اعتصامه، اسوة باخوانه الاكراد، لتقديم مساندته الى المقاومة الباسلة في زحفها ضد العدو المنهار. يكون ذلك اولاً عن طريق الاعلان عن رفضه القبول بمصائبه وجوعه ودموع اطفاله اليتامى ويستمر في انتفاضته بل يحولها الى المظاهرات اليومية. ثم يعلن الاضراب العام عن العمل، بما في ذلك اضراب الموظفين، وبما في ذلك غلق الدكاكين والمحلات التجارية. ثم ينفذ اعتصامه عن طريق السيطرة الدائمية على الشوارع والساحات والمحلات العامة لايقاف المرور. ثم يطور الاعتصام عن طريق احتلال دوائر الدولة لمنع الحكومة من الاستمرار في كسب المال الحرام ويجبرها على الاستقالة. يكون ذلك بالضبط كما فعل الشعب التونسي والمصري قبلنا وكما يفعل شعبنا الكردي في السليمانية حالياً ويبرهن عملياً وبجسارة بأن الاعتصام ممكن بل انه سلاح ماض في اسقاط الطغاة. على المعتصمين ان يعلنوا عن مطاليبهم الآنية بصورة صريحة ومن الضروري ان تكون هذه المطاليب مطابقة لما يلح عليه الشعب: كجلاء الجيوش الاجنبية والغاء الدستور ومحاكمة المشتركين في حكومات الاحتلال وقادة الاحزاب المشتركة في العملية السياسية وتكوين حكومة علمانية واصدار دستور يثبت كون كل العراقيين متساوين في كل الحقوق كحق اشغال منصب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وتحريم المحاصصة العرقية والدينية والطائفية والغاء المليشبات كجيش المهدي وفيلق البدر والبيشمرغة والصحوات. بالطبع يرفض المالكي وجلاوزته الطائفيون المنهارون هذا النوع من النضال ويبعث بجيشه وجيش الاحزاب الطائفية الاخرى لتفريق الشعب بالقوة. الا ان شعبنا الواعي يدرك بأن الاكثرية الساحقة من الجنود مظلومون ايضاً ويتعذبون مثل باقي الشعب وخاصة افراد عوائلهم واقرباءهم القابعين في سجون الاحتلال. فالمنكوبون والمتضررون يكونون الاكثرية الساحقة من الشعب، ذلك لأن اللصوص المشتركين في العملية السياسية يشكلون القلة التافهة من المنبوذين. من الضروري اذن التقرب من الجنود، وتثقيفهم على تضامن الجيش مع الشعب، كما حدث في ثورة الرابع عشر من تموز. هكذا يتم كسبهم واشراكهم في معارضة محتكريهم الذين يستخدمونهم كالبيادق ضد اهلهم واقربائهم وخلانهم. هكذا تفقد الحكومة العميلة مسلحيها وتفشل في قهرنا وقتلنا. وهكذا يتم تحييد الجنود بل ضمهم مع اسلحتهم الى صفوف المعتصمين. ان توحيد الجيش مع الشعب سيضرب المثل للمقاومة المسلحة فتعمل هي ايضاً بتوحيد اركانها. هكذا تزداد نجاعتها وقابليتها على هدم العملية السياسية الفاشلة وطرد الذين دخلوا البلد على الدبابات الامريكية. هكذا نجبرهم على الهزيمة وترك البلاد للانظمام الى عوائلهم الذين بقوا في البلدان الاجنبية لأنهم ادركوا بأن امد بقاء المحتلين قصير. ‘ عراقي مقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية