تواجه الحكومة الفلسطينية الجديدة حالة تشكيلها عددا كبيرا من التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية. ويبدو هذا هو السبب في اختيار شخصية معروفة في حركة فتح لتشكيلها وقيادتها في هذه المرحلة المهمة التي تمر بها القضية الفلسطينية والمنطقة بشكل عام. فستشهد إسرائيل في الشهر المقبل انتخابات اضطر فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي تلاحقه المحاكم والاتهامات للتحالف مع أقصى اليمين المتطرف. وهناك توتر على الجبهة بين غزة وإسرائيل واستمرار للعقوبات الأمريكية والتشديد الإسرائيلي على الاقتصاد الفلسطيني ورفض دفع مستحقات الضريبة بذريعة أن جزءا منها يذهب لدعم الإرهاب. ويتوقع أن يعلن في الشهر المقبل عن تفاصيل الخطة الأمريكية التي باتت ملامحها معروفة وطبقت عمليات في ملف القدس واللاجئين وأصبح الحل يتمحور على صفقات اقتصادية وتحسين للظروف المعيشية في المناطق الفلسطينية خاصة في غزة.
قيادي فتحاوي
ومن هنا جاء اختيار الرئيس الفلسطيني محمد اشتية، القيادي المعروف في حركة فتح لتشكيل الحكومة. ولدى اشتية سجل معروف في مؤسسات السلطة والمفاوضات وفي العمل التنظيمي للحركة. وهو بهذه المثابة في حاجة لكل خبرته السياسية والاقتصادية للنجاح في المهمة الصعبة التي تم تكليفه بها في 10 آذار (مارس). ويمكن النظر إلى حكومة اشتية المقبلة والملفات التي تنتظرها بحكومة الأزمة وفرصها لتحقيق الوحدة بين الضفة الغربية وغزة ضعيفة، فهي حسب محللين على الأقل الذين يقفون على الطرف المعارض لحركة فتح حكومة انقسام. وقالوا كان من الأولى لو استخدم اشتية سجله المثير للإعجاب في حكومة تسعى للوحدة لا الانقسام. فهو يحمل شهادة دكتوراه في الدراسات التنموية من جامعة ساسكس في برايتون عام 1989 وعمل في جامعة بيرزيت وأسهم في محادثات مدريد عام 1991. وترأس المجلس الاقتصادي الفلسطيني للتنمية والإعمار “بكدار” ومجلس أمناء الجامعة الأمريكية في جنين من بين مناصب وأعمال أخرى. وفي عمر الحادية والستين يعتبر اشتية من جيل الانتفاضة الأولى عام 1987، ويظل مركزه القيادي في حركة فتح الأهم والذي يعطيه قدرة على التحرك، فهو عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والتي انتخب فيها عام 2009. وكما يقول داوود كتاب في موقع “المونيتور” (14/3/2019) يحتاج اشتية إلى شبكة علاقاته من الانتفاضة الأولى حتى اليوم، خاصة القيادات الرئيسية في حركة فتح لكي ينجح في مهمته. ويرى كتاب أن تكليف قيادي معروف من حركة فتح لتشكيل الحكومة جاء خلافا للنهج الذي انتهجته الحركة في الحكومات السابقة حيث ظلت خارج لعبة الحكومة. فالتحديات التي تواجه الفلسطينيين على المستوى السياسي والاقتصادي تحتاج لحكومة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة قد لا تحظى بدعم شعبي. فعلى المستوى الاقتصادي سيجد اشتية نفسه أمام تحدي التعامل مع رفض إسرائيل تسليم السلطة الضرائب التي تجبيها على الحدود. أما التحدي الثاني فما تعرف بصفقة القرن، وحسب الموقع فقد نصح الأردنيون القيادة الفلسطينية بالتريث في رفض المقترح الأمريكي حتى لا تظهر بمظهر الطرف الرافض.
مهام الحكومة
وفي خطاب التكليف قدم عباس لاشتية رسالة من سبع نقاط منها استعادة الوحدة الوطنية، بين غزة والضفة وتنظيم انتخابات تشريعية ودعم ضحايا الاحتلال الإسرائيلي وعائلات السجناء والشهداء بالإضافة للدفاع عن القدس وتنمية الاقتصاد الوطني. وربما كان تطبيق هذه البنود صعبا خاصة الانتخابات التشريعية التي يمكن ان يجريها في الضفة ولكن ليس في غزة الخاضعة لسيطرة حركة حماس أو القدس الشرقية التي باتت في ظل القرار الأمريكي المنفرد جزءا من السيادة الإسرائيلية في خرق واضح للقانون الدولي. ومن هنا فالحديث عن الوحدة الوطنية يظل منقوصا في ظل الانقسام الداخلي الفلسطيني. وقد يتجاوز اشتية هذا الملف أو يؤجله لحين تتاح الظروف المناسبة. وبالتأكيد فحكومة اشتية هي حكومة فتح وستعبر في النهاية عن توجهات الحركة لا الرئيس عباس الذي ظل يوجه الحكومات السابقة ويتدخل فيها. وسيجد رئيس الحكومة الجديد دعما من حركة فتح حالة اختلف مع الرئيس في المستقبل. وربما وجد اشتية نفسه قادرا على التصرف باستقلالية عن الرئيس. ومع ذلك ينصح كتاب اشتية بالحكمة والذكاء في الكيفية التي يدير عمل الحكومة وأن لا يحرق كل الدعم الشعبي بين الناشطين وداخل الحركة والذي يحظى به الآن. وأن يشمل الرأي العام في كل القرارات خاصة الاقتصادية التي تمس حياة المواطنين بشكل قريب. صحيح أن حكومة يقودها عضو في اللجنة المركزية تستطيع اتخاذ القرارات الضرورية والمستقلة بعيدا نسبيا، عن تدخل الرئيس إلا أن هذا لن يحرر حكومة اشتية من حالة الأزمة والتأزيم التي سيرثها عن الحكومة السابقة وأهمها قضية المصالحة التي اتبع فيها عباس سياسة انتقائية ومحاولة لتطويع حماس. بل ويرى محلل إسرائيلي في مقال نشره موقع مركز القدس للشؤون العامة (14/3/2019) أن حل الحكومة وتكليف اشتية هي محاولة من عباس لتعطيل الجهود المصرية مع حماس. وأن حكومة اشتية والتي هي حكومة فتح ستعكس ما سيحدث في اليوم التالي بعد رحيل عباس. وسواء كان هدف الحكومة الحالية منع الصراع على السلطة داخل الجناح الحاكم في رام الله أو تقوية شرعية منظمة التحرير الفلسطينية، فإن بقية الفصائل الأخرى في المنظمة أعلنت أنها لن تشارك في الحكومة المرتقبة، بل وأصدرت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية والمبادرة الوطنية، بيانا في الشأن اعتبرت فيه أن موافقة اشتية جاءت باعتباره الحكومة المقبلة هي حكومة فتح ولم يتم التطرق إلى الوفاق الوطني وما تم على صعيد المصالحة الوطنية. ومن هنا ستواجه الحكومة المقبلة معوقات على صعيد الوحدة الوطنية، فلا معنى لانتخابات لا تشارك فيها القوى الوطنية والإسلامية. وقد لا تكون الانتخابات أولوية لحكومة اشتية نظرا للمحاذير التي سقناها في البداية عن صعوبة إجراء انتخابات شاملة. وربما كان الملف الاقتصادي هو الأولوية في ظل التصرفات الإسرائيلية وحجم الفساد واعتماد غالبية الفلسطينيين على الراتب من السلطة وتراجع النمو الاقتصادي. فالمهام الضخمة الملقاة على عاتق الحكومة المقبلة تدعو للتنبؤ بفشلها منذ البداية.
مواجهة أمريكا
لكن السؤال الأهم هو ما ستقدمه حكومة اشتية من وصفات لفك العزلة الأمريكية. ففي الفترة الماضية قرأنا الكثير عن الجهود التي قامت بها إدارة دونالد ترامب للضغط على الفلسطينيين، من إغلاق بعثة المنظمة في واشنطن ووقف المساعدات الأمريكية للمشاريع في الضفة والقدس والامتناع عن دفع المشاركة الأمريكية في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” وكانت آخر الخطوات العقابية الأمريكية في 3 آذار (مارس) إلغاء القنصلية الأمريكية في القدس (التي كانت بمثابة سفارة للفلسطينيين) وضمتها إلى السفارة الأمريكية في القدس. ووسط كل هذه الإجراءات لم نسمع عن ما فعلته القيادة الفلسطينية لمواجهة ما أطلق عليها بـ “صفقة القرن” فالسلطة تواجه كما يقول رمزي بارود في “كاونتر بانتش” (14/3/2019) آثار التزامها بالمطالب الأمريكية والإسرائيلية في الماضي، من تمسك بالعراب الأمريكي ومواصلة للتعاون الأمني مع إسرائيل. ويبدو أن كل ما عملته “ليس كافيا”. وإزاء الموقف المتحيز وبشكل واضح من إدارة ترامب لإسرائيل لم تقم السلطة بمواجهة للسياسة هذه باستثناء بعض الانتصارات الرمزية في الأمم المتحدة والاعتراف بدولة فلسطين. لكن دولة على الورق لا تعتبر استراتيجية. فالاعتراف بالدولة بدأ في مؤتمر منظمة التحرير الفلسطينية في الجزائر عام 1988 عندما أعلن المجلس الوطني الفلسطيني عن الدولة. وبدلا من استخدام السلطة الاعتراف بالدولة على أنه مكون من مكونات الاستقلال تعاملت معه كنهاية في حد ذاته. ورغم اعتراف 137 دولة الآن بفلسطين إلا أن سرقة الأراضي الفلسطينية تتواصل يوميا وتزيد إسرائيل من بناء أو توسيع مستوطناتها على الأراضي الفلسطينية المخصصة للدولة. فرفع العلم الفلسطيني على طاولة المؤتمرات الدولية أو المشاركة في اجتماعات عالمية لا يعتبر بديلا عن استراتيجية واضحة للتحرر الوطني. كل هذا يتم في ظل انقسام فلسطيني واضح. ويبدو عباس كما يقول بارود مصمما على إضعاف منافسيه السياسيين أكثر من مقاومة إسرائيل. وعليه فبدون جبهة موحدة ومقاومة واضحة سيظل عباس والسلطة الوطنية عرضة للتلاعب والضغوط الأمريكية. وفي كل مرة يحاول عباس القيام بتحركات رمزية لتعزيز شرعيته. وسيجد عباس نفسه إن استمر في الحكم أو من يخلفه بدون أرض أو مساحة قليلة لبناء دولته، بل وعلى العكس يتراجع حلم الدولتين مقابل حل الدولة الواحدة والذي يعني عند نتنياهو واليمين المتطرف في إسرائيل مواطنة من الدرجة الثانية في الدولة القومية اليهودية. وهو ما بدا في تقرير أعده مراسل صحيفة “الغارديان” أوليفر هولمز (13/3/2019) وفي التقرير لاحظ الكاتب أن هناك فجوة بين ما يقوله ساسة العالم عن حل الدولتين وما يجري على الواقع الذي تحولت فيه السلطة الوطنية لمتعهد، وزاد فيه عدد المستوطنين عن 600.000 مستوطن ويواجه فيه سكان الضفة المعوقات وقتل الأحلام والقمع. وحتى دعاة المقاومة الشعبية باتوا، على الأقل حسب التقرير، يدعون لدولة علمانية تسع الجميع.