هل يستجيب اردوغان لدعوات الأتراك بفتح “آيا صوفيا” للصلاة رداً على تهديدات سفاح نيوزيلندا؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
3

إسطنبول-“القدس العربي”: أثارت الرسائل والتهديدات التي أطلقها منفذ الهجوم الإرهابي على مسجدين في نيوزيلندا ضد تركيا و”آيا صوفيا” بشكل خاص غضب الأتراك بشكل كبير وجددت دعواتهم ومطالبهم بإعادة فتح الكاتدرائية التاريخية للصلاة وهو ما قد يفجر خلافاً تاريخياً غير مسبوق بين أنقرة والغرب.

وكان الإرهابي الاسترالي برينتون تارانت 28 عاما الذي قتل 50 مصلياً في مسجدين، الجمعة، قد وجه رسائل عديدة لتركيا تتعلق بدرجة أساسية بتاريخ الدولة العثمانية وأطلق سلسلة تهديدات كان أبرزها يتعلق بـ”هدم مآذن مساجد إسطنبول وتحرير آيا صوفيا من المآذن”.

ووصف الرئيس التركي رجب طيب اردوغان سفاح نيوزيلندا بأنه “سافل ووضيع وبلا أخلاق” معتبراً أن دعوته إلى تحويل آيا صوفيا إلى كنيسة مجدداً لن يتم، قائلاً: “هذا الشعب (التركي) لا ولن يسمح بحدوث هذا أبدا ما دام فيه روح” مضيفاً: “المسلمين لن يرضخوا أبدا، وبنفس الوقت لن يهبطوا إلى مستوى هؤلاء السفلة”.

و”آيا صوفيا” التي تعتبر حالياً متحفاً تاريخياً، كانت في الأصل كاتدرائية أرثوذكسية طوال (916 عاماً) تحولت لاحقا إلى مسجد (482 عاماً) قبل أن تصبح متحفا عام 1935 في عهد كمال أتاتورك. ومنذ سنوات شهدت تركيا دعوات متصاعدة لإعادة فتح “آيا صوفيا” كمسجد للعبادة وإطلاق الأذان من مآذنه الأربع الشهيرة، لكن اردوغان رفض مراراً هذه الدعوات.

وشيدت كنيسة آيا صوفيا في القرن السادس في عهد الامبراطورية البيزنطية المسيحية وكانت مقرا لبطريركية القسطنطينية، الاسم السابق لإسطنبول، وعندما دخلت القوات العثمانية المدينة في 1453 أمر السلطان محمد الثاني بتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد، وبنيت المآذن الإسلامية حول قبتها البيزنطية، وفي منتصف الثلاثينات أمرت السلطات التركية الجديدة في عهد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك بتحويل المسجد إلى متحف مفتوح للجميع، والعام الماضي رفضت المحكمة التركية العليا طلبا بفتح آيا صوفيا للمسلمين للصلاة فيه.

وعقب انتشار الأنباء عن التهديدات التي أطلقها السفاح ضد تركيا ومآذن إسطنبول و”آيا صوفيا” بشكل خاص، بدأ عشرات آلاف الأتراك حملة ضخمة على مواقع التواصل الاجتماعي تدعوا لإعادة فتح متحف آيا صوفيا للصلاة بشكل منتظم، رداً على المجزرة التي ارتكبها السفاح ضد المصلين في نيوزيلندا.

وعلى الوسم المعتاد “ليفتح آيا صوفيا للعبادة” عبر عشرات آلاف الأتراك عن غضبهم العارم من تجرؤ الإرهابي على بلادهم ومساسه بمقدساتهم مطالبين بالرد على ذلك بفتح آيا صوفيا للعبادة وإقامة الصلوات الخمس يومياً.

كما أطلقت دعوات واسعة من أجل تنظيم تجمع تاريخي لإقامة صلاة الغائب على أرواح ضحايا مجزرة المسجدين على أن يتم إقامة هذه الصلاة من متحف آيا صوفيا بشكل مباشر، حيث شارك في هذه الحملة شخصيات دينية وسياسية واجتماعية وإعلامية.

وكتب مغردون “لقد حان الوقت، لتفتح آيا صوفيا للصلاة”، و”أفضل رد على هذا الإرهابي الصليبي أن يتم فتح آيا صوفيا للصلاة” و”أقل شيء ممكن أن نقدمه هو أن نقيم صلاة الغائب على أرواح شهداء المجزرة الإرهابية في مسجد آيا صوفيا”.

وعام 2016 عينت رئاسة الشؤون الدينية التركية، إماما لمسجد قصر هونكار الواقع ضمن “آيا صوفيا” لتتيح بذلك إعادة رفع الأذان عبر المآذن الأربع للصلوات الخمس يومياً، بعد إيقاف استمر لعشرات السنين، لكن دون السماح بالصلاة داخل مرافق الكنسية التاريخية “المتحف الحالي” الذي يزوره ملايين السياح لا سيما الأوروبيين سنوياً.

وعام 2015 قامت رئاسة الشؤون الدينية التركية، بافتتاح معرض كبير في “آيا صوفيا” تحت عنوان “النبي محمد في ذكرى مولده الـ1444″ ضمن فعاليات أسبوع المولد النبوي الشريف لعام2015 ولأول مرة منذ عشرات السنوات تمت تلاوة آيات من القرآن الكريم داخل الجزء الداخلي لـ”آيا صوفيا”.

وفي العام نفسه، وطول شهر رمضان، بثت قناة فضائية تركية برنامجاً دينياً من داخل آيا صوفيا، وهو الأمر الذي أثار غضب اليونان، وعبرت الخارجية اليونانية في بيان لها عن “استيائها” من الخطوة التركية، فيما رفضت نظيرتها التركية البيان وقالت إنه “أمر غير مقبول”.

وفي عام 1991 أعادت تركيا فتح أبواب مسجد قصر هونكار في آيا صوفيا أمام العبادة مجددا، وتقول تركيا إن “قصر هونكار ليس جزءا أساسيا من آيا صوفيا، إنما تم تشييده في العصر العثماني على يد السلطان محمود الأول، وهو القسم المفتوح للعبادة حاليا وليس كامل آيا صوفيا.”

وأثارت هذه الخطوة غضب الأوروبيين لا سيما اليونان التي حذرت مراراً من “خطورة” هذه الخطوة التي اعتبرتها تركيا شأناً داخلياً لا يحق لأي دولة التدخل فيه، لكنها تجنبت على مدى العقود الماضية “استفزاز الغرب” من هذه الخطوة التاريخية.

ومع الدعوات المتكررة لفتح “آيا صوفيا” أمام المصلين، قال اردوغان قبل سنوات إنه لن يفكر في تغيير وضع المتحف الحالي ما دام هناك “صرح عظيم آخر مخصص للعبادة في إسطنبول هو مسجد السلطان أحمد الذي يرجع إلى القرن الـ17 شبه خاو من المصلين” لافتا إلى أن إسطنبول بها أكثر من ثلاثة آلاف مسجد.

ويقول مقربون من اردوغان إنه يرغب بالقيام بهذه الخطوة التاريخية، لكنه يعي جيداً أن مثل هذه الخطوة سوف تسبب متاعب سياسية واقتصادية كبيرة لتركيا وسوف تولد غضباً أوروبياً غير مسبوق ربما يصل إلى تدهور تاريخي في العلاقات السياسية والاقتصادية بين تركيا والاتحاد الأوروبي، وبالتالي لن يدخل في هذه الدوامة بالوقت الحالي على الأقل.

وقبل أيام افتتح اردوغان “مسجد تشامليجا” على أعلى قمة تشامليجا على مضيق البوسفور في الجانب الآسيوي من إسطنبول، الذي يتسع لـ63  ألف، ويعتبر أضخم وأكبر مسجد في تاريخ تركيا.

وكان مسؤول تركي رفيع أكد، الجمعة، أن منفذ هجوم نيوزيلندا أجرى رحلات عدة إلى تركيا حيث فتحت السلطات تحقيقا لتتبع أنشطته واتصالاته. وأوضح المسؤول أن المنفذ “سافر إلى تركيا مرارا وقضى وقتا طويلا في البلاد” من دون أن يقدم تفاصيل عن تواتر تلك الزيارات أو مدتها أو تاريخها، في حين قالت وسائل إعلام تركية إن الإرهابي زار متحف آيا صوفيا خلال زيارته لتركيا.

واعتبر اردوغان أن الهجوم على المسجدين مؤشر إلى “تصاعد العنصرية والعداء للإسلام” داعيا الدول الغربية إلى اتخاذ إجراءات “طارئة” لتفادي وقوع “كوارث” أخرى.

وقال اردوغان: “من الواضح أن رؤية القاتل التي تستهدف أيضاً بلدنا وشعبنا وشخصي بدأت تحظى بمزيد من التأييد في الغرب كالسرطان”.

وأعلن اردوغان أنه سيرسل نائبه فؤاد اوكتاي ووزير خارجيته مولود تشاوش اوغلو إلى نيوزيلندا، وذلك عقب اتصال مع حاكمها باتسي ريدي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية