الضميمة الشعرية (مُفْتَرَقُ الوجُود) هي الديوان الشعري الرابع للشاعر محسن أخريف الذي صدر عن بيت الشعر في المغرب، ويتكون من أربع وتسعين صفحة من القطع المتوسط. ويتشكل من عناوين كبرى تنتظم تحت كل واحد منها مجموعة من القصائد، وهي كالتالي:
1 ـ حياة أولى: ( 9 قصائد).
2 ـ أحوال: ( 15 قصيدة).
3 ـ الحياة ثانية: ( 5 قصائد).
4 ـ مفترق الوجود: ( 9 قصائد ).
وبهذا يكون جماع ما يشتمل عليه الديوان 38 قصيدة، اختار الشاعر عنوان القصيدة الأخيرة تسمية له.
وتعتـبر هذه التجربة بحثا متواصلا عن الضفاف المتجددة داخل الروح، ونزوعا فطريا من أجل تجديد الحياة، ومقاومة لانكسارات الروح المتتالية التي تفضي إلى الغياب عن مسرح الحياة.
وفي هذا الديوان نلفي الشاعر يتأمل الحياة والوجود مشيرا – بشكل جلي تارة، وخفي تارة أخرى – إلى الصراع من أجل الاستمرار، وتحدي عبثية الزمن. ونجده في مواضع أخرى يتوجه باللوم والعتب إلى ذواتنا التائهة، المصابة بالوهن والخمول والمحتفظة بصورها في ألبوم الخسارات. إلى جانب هذا نلفي نظرة الشاعر محسن أخريف في هذا الديوان تطفح بالتفاؤل، ومشاعر الحب والإخاء، وهو ينظر إلى الحياة والموجودات والأشياء. إنها نظرة تتلون بكينونته الحالمة وهي تحاول أن تشيد – شعريا- عوالم إنسانية تسودها السكينة والوئام والسلام. كما نجده ينشد العزلة، ويحاول الهروب من أسراب الضوء، ففي العزلة يمكنه استنشاق رائحة الأرض ورائحة الغائبين ورائحة أنفاسه وهي تعتلي شجرة القلب. كما نجد – أيضا- في الديوان اشتغالا جماليا على دورة الأزمنة الشعرية؛ انطلاقا من شهر يناير/كانون الثاني فاتحة البدايات، حيث صرخة ميلاد عملية الإبداع الشعري إلى شهر ديسمبر/كانون الأول، حيث يحس الشاعر بالتعب واقتراب النهايات، بعد مخاض طويل تتخلله الحيرة والتيه، والعزلة والتذكر والإحجام والإقبال والتنصل والتمنع والتوله. ومع انتهاء دورة السنة الشعرية التي يحياها المبدع بشكل مخصوص، والتي تماثل دورة الحياة كما نعيشها نحن جميعا، سيقرر الشاعر من جديد أن يبدأ سنة شعرية جديدة، لكن – هذه المرة- بأقل الخسارات.
وإذا كان الشاعر في قصيدة «تلويحات؛ تلويحة للريح» يرى أن الحياة حفلة تنكرية كبيرة وصاخبة يلعب كل واحد منا دوره، فإنه في قصيدة «دعاة جدد لحياة قديمة» يرى أن الحياة حلبة مصارعة كبرى مشبها البشر فيها بثيران تخر صرعى الواحدة تلو الأخرى. بعد ذلك يعدد الشاعر مجموعة من الخسارات التي يحصدها الإنسان، إذ لا يشعر بالمسرات إلا لماما، وهو لا يمتلك شيئا للذكرى، ومحكوم عليه بالسقوط الأبدي من على شجرة الحياة.
وفي هذا الديوان نلفي الشاعر يتأمل الحياة والوجود مشيرا – بشكل جلي تارة، وخفي تارة أخرى – إلى الصراع من أجل الاستمرار، وتحدي عبثية الزمن.
وموضوع الخسارات والخيبات يتردد بشكل لافت داخل هذه التجربة، وهي تخص الذات الجماعية تارة والفردية تارة أخرى، مثلما هو الأمر في «مفتتح الخيبات» و»خيبة» و»خريف» و»حداد». غير أننا نجد الشاعر في قصيدة «سيرة» يقدم ذاته في أوضاع مختلفة أخرى تدل كلها على الفرح، كما يقوم بتشبيهها بعدة تشبيهات، بينما في نص «على عجل» تحضر ذات المخاطبة من بداية القصيدة إلى نهايتها، من خلال فعل المضي على عجل. الذي يشبهه الشاعر كذلك بالعديد من التشبيهات.
وفي قصيدة «الصمت.. صمتك تحديدا» تتعدد بلاغة الصمت وتتمظهر من خلال صور تقوم على التشبيه كذلك، حيث سنلفي الشاعر يشبه الصمت بتسعة مشبهات بها وهي: لهيب عشق- وآية العارف – وامتشاق الداني- وبرهان ـ وأرق الروح- ورماد البين- ومسافة بين الآتي وما يمضي ولا يأتي. وهذا التعدد في التصوير سنجده أيضا في قصيدة «أنفاس»، بحيث سيشبه أنفاس تلك التي يخاطبها في هذا النص بالغيم المهاجر، والشميم المنبعث من الفؤاد، وبلهاث الحرائق، وباسترجاع ما ضاع، وبالنغمة الموحدة بين القلوب. وقد حقق تكرار كلمة «أنفاسك» في بداية كل مقطع داخل القصيدة إيقاعا خاصا، إلى جانب الأشكال الإيقاعية الأخرى مثل الجرس الموسيقىي الذي يحدثه تردد بعض الأصوات أو غير ذلك.
ونظير هذا الصنيع نجده في قصيدة «تلويحات.. تلويحة للريح» السالفة الذكر، بحيث سوف يكرر الشاعر فعل «ألوح» ثماني مرات، فبالإضافة إلى فعل التلويح الذي قام به للريح، كما ورد في نهاية القصيدة باعتبارها أصلا للوجود، إذ لم يكن ثمة أحد أو شيء سواها من قبل، مثلما سوف يدور كل شيء من بعد. نراه يلوح أيضا لمظاهر أخرى من الطبيعة مثل: المدى والشجر والوردة والسحاب والناي والفصل الواحد والحياة. وقد أضفى تردد كلمة «ألوح» في بدايات مجموعة من الأسطر الشعرية إيقاعا خاصا على النص. والشيء نفسه بالنسبة للمشير الإحالي «هي» الذي كان يفتتح به الشاعر مجموعة من الأسطر الشعرية، والذي عمد إلى تكراره خمس عشرة مرة، والذي سيكشف عنه في نهاية قصيدة «نفسها الأمارة بالحب»، مشيرا به إلى سيدته المستهواة بالحنين والرحيل والتعب والعتاب دونما أي سبب، وبالهجران دونما شعور بالغضب.
نلاحظ أن الشاعر محسن أخريف يحقق لنصوصه تنوعا إيقاعيا من خلال التناغم الحاصل في جرس الأصوات، وابتداعه لأشكال مختلفة من الموازنات، بدءا من تلك التي تخص أصغر وحدة جمالية كالصوت أو الكلمة، إلى أكبر وحدة كالتركيب أو الجملة الشعرية أو النظم بكامله. ويمتلك محسن أخريف قدرة فائقة على تطويع اللغة وفق تراكيب تحترم المعيار اللغوي، ما يدل على أنه متمكن من ناصية اللغة التي تعد المادة الأساس التي يشتغل بها كل شاعر، كما يتميز الديوان بلغة شعرية شفيفة ترتقي مدارج المجاز في أبهج صوره، بحيث يحاول الشاعر أن يختط لنفسه نهجا مخصوصا يبتعد فيه عن أي تقليد أو محاكاة لنموذج آخر. بالإضافة إلى هذا نجد الشاعر محسن أخريف على امتداد دواوينه الأربعة، يحاول أن يخلق رموزه الخاصة به، بحيث يعمد إلى توظيف بعض الدوال توظيفا جديدا وشحنها بدلالات ذهنية يمتاحها من بيئته ووسطه وعوالمه. كما أنه يعمد إلى توظيف التراث الصوفي، ولا سيما في تلك النصوص القصيرة جدا التي ينحو فيها منحى الشذرات.
ففي قصيدة «اكتناهات» يحضر هذا النفس الصوفي، حيث يستضمر الشاعر فيه المعنى القرآني، ويوظف فيه أسلوبه. نستشف ذلك من خلال قوله:
ما الذي يضيرك؟!
لك ما تشاء
من سماوات لا تدركها الأبصارُ
ترى ما لا نراه
ونرى غير ما تراهْ
ويلحظ قارئ التجربة الجديدة للشاعر محسن أخريف أن الشذرات أتت متفاوتة الطول، بحيث أن أقصر شذرة داخل الديوان لا تتعدى سبع كلمات كما في «حلم»
حلم الياسمين
هو أن يصير سقيفة بيت
هذا النزوع الشذري هو خيار جمالي وفني عمد إليه الشاعر لأجل تكثيف المعنى في أقصى حدوده الممكنة، وكان مدار هذه الشذرات يدور حول التأمل في الحياة، كما في الشذرة «طريق»، أو حول الذات والكينونة كما في القصيدة الشذرة «ما تفرق تجمع» و»مسامرة».
هي تأملات تدعونا إلى بناء الأمل وتجديد الحياة، وعشق الأرض، والتطلع إلى غد أفضل ننتصر فيه على ذواتنا، ونتجاوز فيه كل الخسائر والخيبات. وهذا الأمر تترجمه، أيضا، تلك الشذرات الحوارية الشعرية التي تعبر عن قلق الذات واضطراب النفس والروح في خضم معترك الحياة، بحثا عن كينونتها لبناء الأحلام والآمال.
يمكننا أن نقول إن ديوان (مُفْتَرَقُ الوجُود) لمحسن أخريف هو إضافة نوعية في المشهد الشعري المغربي، بحيث إن كافة القصائد المتضمنة فيه تكشف عن نضج شعري في كتابة القصيدة المغربية، سواء على مستوى الشكل الذي اختاره المبدع بوعي كبير ، من حيث لغته الشفيفة، ومعجمه ذو الدلالات المنفتحة ورموزه الشعرية المكثفة وجمله المتسقة، وإيقاعاته المتنوعة، وأساليبه البلاغية التي ينزع في تأليفها منزعا شعريا حداثيا، من خلال توهج استعاراتها وكثرة انزياحاتها، أو على مستوى المضامين التي عبر عنها في هذه التجربة بتفرد وتميز، والتي كان يرتاد فيها آفاقا إنسانية رحبة، سواء في تعبيرها عن القلق أو السعادة، أو تعبيرها عن حبها وعشقها، ونزواتها وغرائزها، أو في استثارتها للعواطف الإنسانية الصادقة. وعليه، يمكن القول إن لهذا الديوان الذي انضاف مؤخرا إلى المشهد الشعري المغربي المعاصر قيمة شعرية بارزة، نظرا لما ينماز به من وشائج عميقة بين الطاقة الشعرية المتمثلة فيه، والقدرة الشاعرية المتوهجة التي يمتلكها الشاعر، أضف إلى هذا تلكم الرؤى الشعرية العميقة التي ترتاد آفاقا إنسانية رحبة في معانيها الإنسانية السامية وبعدها الجمالي الشفيف داخل الديوان الذي يستحق أكثر من قراءة تبصرية وأكثر من متابعة نقدية.
٭ كاتب مغربي