■ «سقراط هو أكثر اليونانيين حكمة»، هذا ما قالته كاهنة معبد أبوللو في اليونان في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد. وكانت تلك الكاهنة آنذاك أقوى امرأة في اليونان القديمة، حيث كان اليونانيون القدماء (الإغريق) يعتبرونها واسطة بين الإله أبوللو والشعب اليوناني. ولم يكن الإله أبوللو إلها عاديا، بل زعيم الآلهة وكان مصدر ما تتفوه به تلك الكاهنة، التي كانت تعلن عن تنبؤات اعتبرها اليونانيون ذات أهمـــية بالغة. فمن كان سقراط هذا؟
سقراط (470 ق.م ـ 399 ق.م) الاسم الأول الذي اقترن بالفلسفة وبقي خالدا إلى يومنا هذا كمرجع للفلسفة العالمية.
عندما سمع سقراط ما قالته كاهنة معبد أبوللو لم يصدقها في البداية، إلا أنه بعد فترة أيدها وقال إن ما قالته الكاهنة صحيح، لأنه الوحيد الذي يعترف بحقيقة عدم معرفته في أمور كثيرة، عكس الآخرين الذين يدعون معرفة ما لا يعرفونه. ولم يكن سقراط متواضعا، بل مغرورا ومعتدا بنفسه، حتى أنه اعتقد أنه هبة الآلهة لليونانيين القدماء. وقد عُرِفَ هذا الفيلسوف الكبير في دعوته لكسب المعرفة والحقيقة بكل الوسائل، فكلمة فلسفة هي كلمة يونانية قديمة تعني عشق الحكمة.
ساد اعتقاد داخل الطبقة الحاكمة الجديدة أن سقراط كان مقربا من النظام السابق، أي نظام الثلاثين طاغية، فقد كان أحد هؤلاء الطغاة من تلاميذه في الماضي، رغم الخلافات بين الطرفين.
كانت «أثينا» آنذاك، حيث ولد وعاش سقراط، قد خرجت لتوها من اضطرابات سياسية نتيجة حرب قاسية خاضتها مع مدينة «سبرطة» واشترك فيها سقراط كجندي في الجيش الأثيني. وانتهت هذه الحرب عام 404 ق. م بعد سبعة وعشرين سنة من القتال الشديد بهزيمة منكرة لأثينا وقيام «سبرطة» المنتصرة بتعيين لجنة تكونت من ثلاثين شخصا لحكم «أثينا»، وأطلق المؤرخون عليهم اسم «الثلاثين طاغية». ولكن حكم هؤلاء الطغاة الثلاثين لم يدم سوى ثمانية أشهر، حيث تغيرت الطبقة الحاكمة إثر مواجهات مسلحة، وحلت محلها طبقة جديدة محلية، بعد أن تم الاتفاق على العفو عن كل من كانت له علاقة بالثلاثين طاغية، باستثناء الطغاة أنفسهم.
ساد اعتقاد داخل الطبقة الحاكمة الجديدة أن سقراط كان مقربا من النظام السابق، أي نظام الثلاثين طاغية، فقد كان أحد هؤلاء الطغاة من تلاميذه في الماضي، رغم الخلافات بين الطرفين. ومما زاد من اللغط ضده علاقته القوية بأحد مشاهير القادة الأثينيين العسكريين الذي كان قد قُتل في نهاية الحرب مع «سبرطة»، ويتهمه الأثينيون بأنه كان أحد أهم أسباب خسارتهم تلك الحرب، ونسي الأثينيون أنهم أقاموا احتفالا كبيرا في المدينة عندما تولى ذلك القائد قيادة جيشهم.
استمر سقراط في نشاطه الفلسفي، حيث كان يدعو في محاضراته التي كان يلقيها على الجمهور الأثيني إلى تقصي الحقائق والمعرفة والأمور الفلسفية. وسمح لنفسه بأن ينسى حذره، حيث اعتقد أنه مصون من أي عواقب، بدون أن يلاحظ أنه كان يثير حفيظة السياسيين من الطبقة الحاكمة الجديدة بانتقاداته المستمرة لنظام الحكم والمجتمع الأثينيين. وكان بإمكانه بعد نهاية حكم الطغاة الثلاثين الانتقال إلى مدينة أخرى مثل «سبرطة» أو «كورنيثيا» حيث كانت آراؤه متوافقة مع سياسة حكومات تلك المدن، ليقضي بقية أيامه مكرما كفيلسوف اليونان الأول، ولكنه آثر البقاء في مدينة أثينا التي ولد وترعرع فيها، واعتبره منتقدوه في حكومة أثينا تحديا لمفاهيمهم وسلطتهم الفكرية، فأخذ البعض المس بسمعته واتهامه بأنه ليس فيلسوفا، بل إنه سفسطائي، وكان هذا لقب يطلق آنذاك على مدرسين ينالون أجرا من التلاميذ، بدون أن يعيروا اهتماما لمستوى دروسهم.
وبعد أربع سنوات، أي عام 399 ق. م ضاق النظام الحاكم في أثينا ذرعا به وقرر وضع حد لهذا الفيلسوف العنيد والمتعب. ولحبك مؤامرة التخلص منه، فإنهم لم يتهموه بمعارضتهم سياسيا، بل اختلقوا تهمة غير سياسية ضده، وكان سلاحهم الدين. وكان قد صدر قانون في أثينا إبان حربها مع «سبرطة» ينص على معاقبة كل من يعارض الآلهة التي تعترف بها حكومة أثينا. واستعمل ذلك القانون بخبث لقمع المعارضة السياسية للحكومة الأثينية على الرغم من عدم توضيح القانون تعريف إهانة الآلهة، ولذلك فإن الحكومة الأثينية كانت حرة في تفسير ذلك القانون كما تشاء. وكان قد استعمل هذا القانون ضد الفيلسوف اليوناني «أناكزاغوراس» الذي رفض الاعتراف بأن الشمس والقمر آلهتان، حيث قال إنهما ليسا سوى كتل من الصخور، وقد اضطر «أناكزاغوراس» لهذا السبب أن يغادر أثينا إلى المنفى.
بدأ تنفيذ المؤامرة بقيام شاعر صغير يدعى ملتس باتهام سقراط بإهانة الآلهة في أثينا ونشر الفساد بين الشباب الأثيني. وكان معروفا أن ذلك الشاعر الصغير لم يكن سوى ألعوبة بيد اثنين من كبار السياسيين في أثينا. وبدأت المحاكمة بتشكيل هيئة من المحلفين تألفت من خمسمئة وواحد من المواطنين الأثينيين. وبعد أن ذكر الشاعر الاتهامين الموجهين إلى سقراط، طالبا أن يكون عقابه الموت. وعندما حان دور سقراط لتقديم دفاعه لم يتوسل طالبا الرحمة، أو أن يحاول تكذيب الاتهامات، بل قال إن حياته بأكملها كانت دليلا على براءته، وأن هدفه كان دائما تعليم المواطنين الأثينيين الحكمة والعدالة، بدون أن يأخذ أجرا مقابل ذلك. وقال إنه لن يتدخل في شؤون الدولة، كما ذَكّر المحلفين بأنه سبق أن خدم في الجيش الأثيني في معارك شهيرة، واستشهد بما قالته كاهنة معبد «أبوللو» عن كونه أكثر اليونانيين حكمة. ولكن ذلك الدفاع لم يفلح، لأن هيئة المحلفين أدانته بأغلبية بسيطة.
من الآراء التي كان يعلن عنها سقراط والتي أثارت غضب حكام أثينا كان ميله المحتمل للدعوة لحكم النخبة، ما ناقض الاتجاه الفكري للحكومة القائمة.
وبعد ذلك أتت مرحلة تحديد العقاب، حيث كان لسقراط الحق في اقتراح عقاب بديل، وكانت الغرامة المالية العقاب الذي اقترحه، وقال إنه ليس عدوا للمجتمع، بل هو رجل خير إلى درجة أنه يستحق أن يكون عضوا في الحكومة الأثينية، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أنه لن يغير تصرفاته فلم يكن يهاب الموت واعتبر فترة ما بعد الموت فرصة مثيرة له كفيلسوف، حيث أنه سيلتقي عندئذ بالكثيرين ويكتشف من منهم هو الحكيم الحقيقي، ومن هو من يدعي الحكمة، وأن طرح الأسئلة عليهم ستكون متعة له لا تضاهى. ومع كل ذلك فإن قرار المحلفين في نهاية المطاف كان الإعدام. والغريب في الأمر أن النسبة المؤيدة لإعدامه كانت أكبر من النسبة المؤيدة لإدانته.
لم يتم إعدام سقراط على الفور، كما نص عليه القانون الأثيني، فقد كانت المدينة تحتفل بأعياد الإله «أبوللو». ولذلك تقرر إعدام الفيلسوف الكبير بعد شهر من المحاكمة. وفي تلك الأثناء عرض أصدقاءه عليه تهريبه من السجن، ولكنه رفض هذا العرض مفضلا طاعة قوانين المدينة التي عاش فيها. وفي ساعاته الأخيرة اجتمع بأصدقائه وأخبرهم أن الروح خالدة وعفى عن أعضاء المحلفين، الذين حكموا بإعدامه ثم تناول السم، وتوفي الفيلسوف الذي اعتبر نقطة تحول في مسيرة الفلسفة العالمية وهو في سن السبعين.
أثارت محاكمة سقراط جدلا بين المؤرخين وكبار الأكاديميين في العلوم السياسية والفلسفة، وتناقضت التفسيرات والآراء. ويجب الأخذ بنظر الاعتبار أن كل ما نعرفه عن المحاكمة وسقراط نفسه وأفكاره أتى فقط من اثنين من تلاميذه وهما أفلاطون وزينوفون، ولا يمكن البت في صدق ما نقلاه، على الرغم من أن الاثنين أصبحا في ما بعد من كبار فلاسفة اليونان والعالم القديم، خاصة أفلاطون. ولا نعرف إن كان ما قاله سقراط، سواء في محاكمته أو خلال حياته كان فعلا منه، أم في الحقيقة من أفلاطون، الذي ربما نسب ذلك الكلام زورا إلى أستاذه، فلم يكتب سقراط نفسه شيئا أو على الأقل لم يصلنا من كتاباته (إن وجدت أصلا) شيئا، ومن المعروف أن تلاميذه كانوا من أشد المعجبين به، ولذلك فإن حقيقة تفاصيل المحاكمة معرضة للشك وتحتاج إلى معلومات كثيرة، كي تكون أوضح للباحث الجدي. ومن الممكن القول إن لأفلاطون وزينوفون أسبابهما الخاصة للتعاطف مع حكومة الطغاة الثلاثين، أي النظام السابق، حيث أن أفلاطون كان ابن عم أحد هؤلاء الطغاة الذي كان تلميذا لسقراط، وأما زينوفون فقد كان قائدا لفرقة خيالة عسكرية لتلك الحكومة.
تذكر بعض المصادر أن من الآراء التي كان يعلن عنها سقراط والتي أثارت غضب حكام أثينا كان ميله المحتمل للدعوة لحكم النخبة، ما ناقض الاتجاه الفكري للحكومة القائمة. ولم يأخذ أحد بنظر الاعتبار احتمال تدخل شخصيات سياسية نافذة في مسار المحكمة أثناء انعقادها، وغرابة كون نسبة المحلفين الذين حكموا على سقراط بالإعدام كانت أكبر من نسبة من أدانوه أصلا. لم تغب شخصية سقراط عن عالم السينما حيث أنتجت بعض الأفلام عنه وقد يكون الممثل الإنكليزي جَيمس مَيسن (1909 – 1984) أشهر من مثل دور الفيلسوف البارز عام 1982.
٭ باحث ومؤرخ من العراق