رؤوف مُسعد المولود في بورتسودان 1937، والمقيم في أمستردام الآن، كاتب استثنائي في كلِّ شيءٍ، بدءاً من انشغاله بالجسد وبإغوائه لأبعد حدٍّ، حتى أنه يراه «مركز العالم، ومحور حروبه، وملعب انتصاراته وهزائمه»، فَعدَّت كتاباته النموذج العربي للإيروتيكية، مروراً بأنه الشخص الوحيد الذي عاش في الغرب ردحاً من الزمن دون أن تأخذه نداهة الكتابة بلغته، على نحو ما فعل كُتَّاب الفرانكفونية، وغيرهم كأمين معلوف اللبناني وأهداف سويف المصرية، بل ظَلَّ وفياً لعربيته، أو لاختراقه ـ في كتاباته ـ لكافة التابوهات الأخلاقية والدينيّة والسياسيّة، مروراً بأرائه الصَّادمة في شتى مناحي الحياة، فالإباحية عنده «ليست فِعْلاً في الجسد، ولكنها فعل في العقل أيضاً»، وأن نشاط نواب الإخوان في البرلمان «هو نشاط جنسي»(1) والرَّبيع العَربي «ليس ربيعاً، وليس خريفاً» لكنه «شتاء سخطنا»، والثقافة في رأيه «تحجَّرت بعد إغلاق باب الاجتهاد»، وأن شتاء السخط الذي نعيشه، نِتَاجٌ طبيعي لوجود ثقافة شائهة ومريضة تأسَّست على قرون من القهر والمداهنة والتماهي مع السَّجان(2)، وصولاً إلى زيارته لإسرائيل والقدس بناءً على اقتراح التليفزيون الهولندي وتبعاتهما عليه باتهامه بالتطبيع والعمالة، إلى جانب اتهامه بمدافعته عن الشذوذ.
هذا الاستنثاء، جعله في فرادَةٍ بين كُتَّاب جيله، كما كَشَفَ عن صِفَةٍ أَصيلةٍ في تكوينه ومُطَّرِدَة في إبداعه، وهي الصِّفة البادية في المشهد الذي يَنفتحُ عليه نص«إيثاكا» الصّادر عن دار ميريت 2007، حيث ينفتح عن «تلميذ صغير يخرج عن السطر دائماً، ولا يمشي عليه رغم العقوبات المتتالية التي تنهال عليه من معلمته، قاسية القلب للخروج عن السطر». المشهد بكل دلالات الكاشفة عن عناد الطفل وإن صحَّ تمردُّه، وردّ فعل السلطة الباطشة (المعلمة هنا)، هو صورة مُعبرِّة ومُلخِّصَة لحالة ذات المؤلف المتماهية مع ذات الطفل، لنصبح بإزاء ذات ليست مخاتلة أو حتى أنها ذات متعدِّدة، تتواءم مع الأيديولوجيات السائدة، بل على النقيض تماماً فهي ذات متمردَّة ثائرة ورافضة لكل ما يتعارض مع الحرية، ووأد الذَّات أيّاً كانت سلطتها، وهو ما جعله في صدام دائم، ليس مع السلطة السياسية وفقط، بل يتجاوزها إلى صدام مع السُّلطة الدينية (الكنيسة والتيارات الإسلامية) وسلطة الأعراف والمواضعات الاجتماعية. ومن ثمَّ جاءت كتاباته/ حالاته مواجهة لها؛ متخذاً من الصَّراحة المُوْغلة والصدق العاري أداتين لهدم كافة التابوهات، وإزالة أوراق التوت التي ندَّعيها زوراً لموراة كافة أكاذيبنا وتناقضاتنا وأيضاً قهرنا للأخرين، لهذا فكتاباته دائماً تثير الجدل.
لا ينفي مُسعد التمرُّد عنه أو حتى ينكره، بل يؤكِّده «أنا متمرّدٌ بالسليقة على أسرتي، وطبقتي، وديانتي، وعلى مبدأ الكتابة التقليدي»(3)وهو ما قاده ذات مرَّة لأن يُعلن رغبته في الانضمام لحزب الله وهو المسيحي، كاتساق مع قناعته الرافضة لتقسيم الناس على أساس ديني، كما إن تمرده ليس متعلقاً بانغماسه في اليسار والتيارات المعارضة التي أدخلته السجن مبكراً، بقدر ما هو بنية متغلغلة في ذاته تكشف عنها حالاته الكتابية، والمتتبع لسيرته الموزَّعة على نصوصه يرى ملامح هذا التمرُّد بادية في هجراته المتعددة بحثاً عن الهوية المسيحية المصرية «المهاجرة» التي أشبه بـ«سنوحي» كما وصفها، بدءاً من هجرته الكنيسة كمؤسسة دينية عندما هاله الظلم واكتشافه عالم الفوارق الطبقيَّة وسط القساوسة، وهو ما دفعه إلى أن «يلتجئ إلى الماركسية باعتبارها ملاذ المظلومين، والمبشرة بأرض الميعاد التي يتساوى فيها البشر»(4) وإن كان تقبَّل الكنسية كتيار ثقافي مُتحرك، إلى هجرته من السودان إلى مصر، وهجرته من مصر إلى الغرب وإلى العالم؛ باحثاً عن «الهُويَّة» وعلاقتها بالمكان (أي الوطن) ثم علاقتها بالدين (اليهودية والمواطنة) ثم علاقتها بالصراع العرقي الذي قد يكون واضحاً بلا أقنعة مثلما كان في جنوب أفريقيا قبل تحرُّرها من سيطرة «العرق الأبيض»، أو متخفياً خلف أقنعة القومية وأقنعة الوطنية وأقنعة الدينيِّة (كذا) كما جاء على لسانه في أحد الحوارات(5)
وقد يأتي التمرُّد كنوعٍ من المغامرة أو الفرادة على نحو تمردُّه على الكتابة الروائية في أوَّل الأمر، واتّجاهه إلى المسرح ليكون مميَّزاً عن زملائه (صُنْع الله إبراهيم، وكمال القلش، وعبد الحكيم قاسم)، ثم تمرّد على القوالب والأنماط الشَّكْلية المألوفة، فهو أولاً رافض للمسميَّات الشكلية، كنصٍّ روائي أو سيرة، فقد تأتي جميعها في حالة واحدة، ومتضمِّنة لأشكالٍ جديدة كالريبورتاج الصحافي (عن العشوائيات في إمبابة بعد سعى الجماعات لتأسيس الجمهورية الإسلامية فيها، عمَّا حَدَثَ وكيف حَدَثَ؟) كما في بيضة النعامة، وأيضاً حاوية للتقارير والتحقيقات، والشهادات إضافة إلى المدونات الخاصة كما نجد في نص «إيثاكا». وبذلك تبدو كتاباته أو حالاته مزيجاً من السيرة ومزيجاً من تفاصيل الحياة، وتأثيرات السياسة على الواقع، ومزيج من الخطابات المضادة، وهو ما انعكس على شخصياته التي هي الأخرى مزيجٌ من الشّخصيات الحقيقية؛ كشخصيته (هو) ووالده، وخاله، وأصدقائه، وأخرى لها حضورها العام، كسعاد حسنى وناتاشا الروسية، أو ما يَطْلق عليهم الشهداء باختلافات انتماءاتهم الأيديولوجية (مثل: سليمان الحلبي، وعمر مكرم، وشهدي عطية، والشيخ ياسين، ومحمود محمد طه، وعبد الخالق محجوب، وفرج الله الحلو، وفهد العراقي، واميل حبيبي، وشبل الطنطاوي، وسيد قطب، وسمير قصير، وجورج حاوي) باعتبارهم ضحايا العنف، والشخصيات المتخيَّلة كشخصية المُرَمِّم على سبيل المثال في إيثاكا، أو حتى شخصية سعاد حسني فرغم واقعيتها، لكن استدعائها والحوار معها أضفى بُعْداً خيالياً عليها، وإنْ غلبت الشخصيات ذات المرجعية الواقعية على نصوصه. وثانياً في رفضه القطعي لمواصفات الكتابة الروائية التقليدية، منذ أنْ دَشَّنَ منفستو الكتابة الجديدة مع كمال القلش وصُنْع الله إبراهيم، في مقدمة رواية «تلك الرائحة»، ومن ثمّ غابتْ في مجمل نصوصه (باستثناء صانعة المطر) الحكاية الكلاسيكية القائمة على مراعاة التسلسل والترابط بين عناصرها، وإنما هي عبارة عن نثار حكايات قد تبدو متباينة في موضوعاتها. على نحو ما هو واضح في «بيضة النعامة» دار مدبولي 1993، ففيها ثمَّة حكايات متناثرة أو بمعنى أدق سيرة ذاتية شذرية، محدودة في الزمان والمكان، عن ذات المؤلف وعن رحلاته المتعدِّدة وعن سجنه، وعن علاقاته بأصدقائه، وفي أحد جوانبها سيرة للكتابة حيث يكتب عن أعماله مثل مسرحية «مقتل لوممبا» ومسرحية «يا ليل يا عين» التي كَتَبَها عقب الخروج من السّجن، وكذلك كتابه المشترك مع صديقيه عن «إنسان السَّد العالي».
ومثلما يبدو ـ في النَّص ـ متمرداً على أشكال التنميط والقولبة، نجده أيضاً مُخْتَرِقاً للمحظورات ومحطِّماً للتابوهات في المجتمع، فيكسرُ تابو الأقباط ويكتب لا عن حياتهم ومعيشتهم، وعلاقاتهم المتشابكة مع جيرانهم المسلمين، كما في نماذج إدوار الخراط ونعيم صبري، وإنما يكتب عن معاناتهم نتيجة للطائفية، وما تعرَّضوا له مِنْ حَرْقٍ لكنائسهم ومحلاتهم التجارية كما حدث في أسيوط، وفيه أيضاً يُعرِّج للانتهاكات الجنسية التي يتعرَّضُ لها المساجين. ومن ثمَّ نجدُ أنفسنا في سباقٍ محمومٍ مع المكان والزمان وتداخلاتهما، لكن في النهاية عبر تراكم مجموع الأحداث نقفُ مع نصٍّ يشاكسُ واقعه المُنْتَج فيه، وكأنه يعارضه على مستوى البناء، فإذا كان الواقع آخذاً (هو الآخر) في التحلُّل والتفكُّك في بنيته؛ فثمَّة طائفية، وثمة أصولية إسلامية بدأت تؤسِّس لجمهوريتها كما حدث في إمبابة، وثمَّة تحولات وإحلالات على مستوى البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع بسبب تغيير منطومة المجتمع بعد الانفتاح السَّاداتي وعودة العَمَالة بالمال من الخليج وتأثيرهما في تغيير نمط القيم، وانتشار موجة التأسُّلم. وأيضاً ثمة حضور باذخ للجسد، يتبعه وصف للعلاقات الجنسية بكافة أشكالها سوية ومثلية، وكأن النّص يريد أن يضعَ الجسدَ المقهور في مواجهةِ جَلَّاده ليكتشفَ «ذاته»، فصارت النساء ـ أجسادهن ـ بالنسبة له «بوابة الأمان وتحقيق الذات»(6)، فالذات كما يري فوكو «ليست في حقيقة الأمر سوى جسد متناهٍ يقيم علاقته بالوجود، بحيث تشتبك مع الواقع اشتباكاً ناشطاً يُمْسك بالذات في أوج حيويتها وانفعالها بالعالم»(7)
لا تبتعدُ حالة «إيثاكا» دار ميريت 2007، والتي يستعيرُ اسمها من الأساطير القديمة(8)، عن حالة «بيضة النعامة» التي اسمها أيضاً مستوحى من رمز الكنيسة القبطية(9)، في إظهار سمِّة التمرُّد، وإن كان يأتي هنا في شكل احتجاجٍ بالكتابة على كافة أشكال القهر (المادي والمعنوي) الذي تُمَارِسُه السُّلْطة، حتى أنَّها بحالاتها تتجاوز الجانب السياسي الذي يعكس ما مُورِسَ على المثقف، إلى ملف الحريات الشخصية المُسْتلَبة، وحقوق الإنسان المُجْهَضة، متَّخِذاً من حادثة «كوين بوت2001» الباخرة التي قيل إن روّادها مثليون، وقد اعتقلتهم الشرطة، بعد أن مارست عليهم نوعاً من القهر المعنوي من خلال الأوصاف التي وصفتهم بها كالشواذ والمثليين وعبدة الشيطان، إضافة إلى الانتهاكات البدنية التي مارستها الشرطة عليهم، والتي جاءت في اعترافات بعضهم في شكل مدونات بعدما تمَّ الإفراج عنهم، وهروب البعض الآخر إلى خارج البلاد. هنا يُمارِسُ رؤوف مُسعد نوعاً من تفكيك ودحض خطاب السلطة القمعي، بخطاب مضاد له، يبدأوه بالصدام الحادّ، بإهداء النَّصَّ لهم والأدهى أنه يعتبرهم «ضحايا» لا «مجرمين وشاذين» كنوعٍ من التنديد بالخطاب التحريضي الفجّ الملئ بالأكاذيب الذي أذاعته السلطة عبر قنواتها، وثانياً بنشره الانتهاكات التي سجّلتها منظمات حقوقية، كتقرير منظمة هيومان رايتس ووتش، في تعامل الشرطة مع المتهمين، وأيضاً شهادات استقاها من المدوّنات المصرية وأهمها مدوَّنة «منال وعلاء» وكذلك من الاعترافات الخاصة التي أدلى بها بعض الضحايا الذين تمكنوا من الوصول إلى هولندا، وكشفوا عن الأساليب الوحشية المروّعة التي استعملتها أجهزة الأمن أثناء التحقيق معهم، يضع هذا كله في مواجهة كلمة رئيس البرلمان المصري أمام البرلمان الأوروبي بأن القانون الجنائي المصري لا يتضمن أي عقاب للمثليين، كدليل على كذب النظام وممارسته التضليل. كما يتخذُ من حالة سعاد حسني، التي طيَّرتها السُّلْطَة، وألقت بجسدها من نافذة بناية على الأسفلت البارد في لندن، حيلةً فنيَّةً يستعيدُ بها حالات القهر المتعدِّدة على المثقفين بصفة عامة، ثم يعود إلى موضوعه الأثير نقد الرجعية الدينية سواء أكانت إسلامية أو مسيحية، فينتقد مدرسة الأحد وتعاليمها التي من وجهة نظره غير مفهومة، ويهاجم المسيحية التي أسلمت، ويُعنف المسيحيين الذين اعترضوا على إسلامها. كما ينتقد التدين بشكل عام، و يتعجَّب من انتشار التدين بهذا الشكل في مصر.
ومع كُلِّ ما قِيلَ عنه أو ما وصفت به نصوصه من مروق، إلا أنه ظلَّ المنتَّصِر الوحيد، فها هي نبوءاته تصدق، وها هي السلطة التي طيّرت سعاد حسني وبطشت بالمثقفين على مدار التاريخ، تلتف على الثوَّرة، بعدما خَرَجَ الثوَّار ضدَّ اِنْتِهَكاتها. وها هم المثقفون الذين تربوا في بيئة مشوَّهة «التماهي مع السّجان» على حدِّ وصفه، يُسَاهِمون في صناعة ديكتاتور، حتى أنَّ صرخات الأقباط التي تبناها ـ من قبل ـ في كتاباته دون أن يأبَه بها أحد، ها هي تطلُّ الآن، لكن يبتلعها سديم العشوائية والبَلَه السياسي.
هوامش:
عن موقع الجزيرة نت، بتاريخ الأربعاء 23 ربيع الأول 1428هـ – 11 أبريل 2007م
حوار.أسامة حبشي بعنوان «رؤوف مسعد: الثقافة العربية تحجّرت وهذا يفسر شتاء السخط الذي نعيشه» جريدة الحياة، الثلاثاء13 مارس2013.
عدنان حسين أحمد: «رؤوف مُسعد للشرق الأوسط، كتبت ما لن يستطيع أحد من العرب أن يكتب ما يماثله» بتاريخ الأربعـاء 10 رجـب 1428 هـ 25 يوليو 2007 العدد 10466، وقد وردت العبارة نفسها في حواره مع وائل عبد الفتاح. في جريدة الأخبار اللبنانية، بعنوان «على شفير الهاوية» العدد 171، الأربعاء 7 آذار 2007
بيضة النعامة، دار مدبولي الصغير، القاهرة 1994، ص ص،53-54
في نفس حواره مع أسامة حبشي.
بيضة التعامة: ص 312 ]، ومرة أخرى يقول إن النساء «يرجعون إلى الواحد ثقته والعالم من حوله ينهار» [ ص 312 ].
ميشيل فوكو ميشيل فوكو: « إرادة المعرفة «، ت/ مطاع صفدي، وجورج أبي صالح، مركز الإنماء القومي، 1990 ص 30.
(8) إيثاكا مكان أسطوري لحرب أسطورية، لشخصيات أسطورية هي أنصاف بشر وأنصاف آلهة، كما جاء على لسان رؤوف نفسه.
(9) بيض النعام رمز في الكنيسة القبطية واليونانية، ويشير الى أن عين الرب تظل دائما شاخصة نحو المؤمنين، فيكون ذلك وازعا ورادعا لهم، حتى لا يخطئوا إليه.
ممدوح فرَّاج النَّـابي