أنا الديمقراطي أضحك الله سني

اقتضت الظروف أن أصبح حاكما بأمري.. أنا لا أعرف كيف وصلت إلى هنا ولكنني وصلت. لعن الله الحرمان من الرياسة فكرسيها من الفرو الفاره وسريرها يجلب السعادة، يكفي أن تضع رأسك على الوسادة حتى تنام.. لا يهمك ما يقوله الشعب الكريم من أنك لا تنام إلا إذا عدلت.. إنْ عدلتُ بينهم ناموا هم واستيقظتُ أنا.. العامة تريد أن تسهر عليها لتنام.. فراشُ الملوك ناعم ومملوء بالسحر كل السحر الفعال يجلبونه كي يريح الملك النائم.. اضطجع كما شئتَ، بل ولك أن تنام على أذنيك فسيأتيك الخبر اليقين كالبرق.. لا تنم بنصف عين فعيون الناس كلها لك وعليك.. لمَ قيل لنا إن ولاية الناس بلاء عظيم؟ وِلايَتُهم نعيم على نعيم.. المسألة في الشعب اختر لك شعبا طيبا تعش سعيدا آمنا.. سيصدقون كل شيء تقوله.. تظاهر بالقلق فسيحكون لك كل نِكَاتِ العالم، وسيمشي المهرجون بين يديك مشية المهرجين فتضحك حتى تستلقيَ، وحين تدمع عيناك سيمسحونها بالحرير وسيكتب مؤرخك بماء الذهب إنك ضحكت يومها أضحك الله سنك.
شعب عظيم في خدمة حاكمه فلمَ لا أكون معه ديمقراطيا؟ سألت كبير الحكماء أن ينظر في كيفية الانتقال السلس من نظام كلي أنا مركزه وأطرافه، إلى نظام ديمقراطي أنا أطرافه والمركز الشعب.. قال لي: هذا يتطلب الكثيرَ من الحكمة واستقراء النجوم ومشاورة الحكماء قلت له: توكل على الله واللازم لازم.
في الفترة التي كان يفكر فيها كبير الحكماء ويستخير ويستشير طال عليّ الوقت ولم يعد القنْصُ يشغلني كما كان؛ فالظباء صارت يسيرَة الصيد أشير له بيدي فيسقط؛ وبقر الوحش صار أليفا يرافق موكبي ويتحادث مع خيلنا ويسأل خيل حاشيتي متى سيقيض الله وأصطاده.. يزم بعيرٌ لبعض من يسقيني مشفره عجبا ويتظاهر بالقلق.. أصابني قلق الرؤساء فقررت أن أقرأ البلاغة، قالوا إنها مفيدة للرياسة فهي تهذب لسانَ الخطيب، وتذكي عقله وتجعله يفهم سر الكلام وما يخفى. قال من نصحني بها: تصور أنك في أوج الديمقراطية ويقول لك معارض – لا قدر الله، اللهم سامحني، عفوك يا مولاي- : أنتَ شمس والملوك كواكب.. فماذا ستقول له؟ هل ستهش في وجهه وتبش وتُغضب ملوك الأرض الذين تربطك بهم علاقات وطيدة وفروضٌ وقروض؟ أم أنك ستسجنه فترمى- لا قدر الله لا قدر الله؛ اللهم عفوك ويا مولاي رحمتك، ترمى بالديكتاتورية؟ صمت لكنني اهتممت.. البلاغة كما قال لي بعضهم هي مفتاح الديمقراطية والنباهة.. بالبلاغة نرفع عن شعبنا البلاهة.
فخامتي أنا قرأت في صباها البلاغة ودرسَت التشبيه.. كان المدرس يقول لنا دائما: (كأنها بدر) ويشير إلى أجمل فتاة في القسم.. أنا، أقصد فخامتي، كانت نبيهة جدا حتى قبل الإمارة.. كنت أنظر في وجه تلك الجميلة فلا أرى فيها استدارة للقمر، ولا بريقا.. أمي فقط كان لها ذاك البريق.. قلت للمؤرخ حين تكتب سيرتي أكتب إن أمي كان في وجهها بريق القمر.. قال لي المؤرخ لقد سجلنا ذلك يا صاحب الفخامة بماء الذهب هل تريد أن نريك الدفتر؟ قلت وهل فيه وجه أمي يا غبي؟

قلت للمؤرخ حين تكتب سيرتي أكتب إن أمي كان في وجهها بريق القمر.. قال لي المؤرخ لقد سجلنا ذلك يا صاحب الفخامة بماء الذهب هل تريد أن نريك الدفتر؟ قلت وهل فيه وجه أمي يا غبي؟

أصدرت أوامري للبلاغي: دعكم من تشابيه القدامى فهي لا تقنعني.. قال لي بعض عيوني إن بعض البلاغيين قال: مولانا معارضٌ للبلاغيين.. ابتسمت وقلت لهم شجعوه على حرية التعبير.. وقلت لن يحافظ القمر على جماله.. قالوا إذن نقلب التشبيه قلت لهم: أحسنوا تأسيسه وسوف نتكفل لكم بالانقلاب.. قال ذلك البلاغي: مولانا انقلابي.. فقلت لهم هذبوا بالبلاغة لسانه.. فهمها البلاغيون مجازا لكنهم حين نقلوا أمري إلى الجلاد فهمها حرفيا: صنع مكواة وسماها بلاغة وقيد يدي البلاغي المتجرئ علي أنا صاحب البلاغة وكواه في ذلق لسانه.. وحين أراد العودة إلى مهنته طبق عليه كبير البلاغيين في القصر شرطا من شروط الفصاحة وهو سلامة اللسان فأحاله على المعاش.. فما قيمة فصاحة بلا ذلق لسان؟ قال لي صاحب الحِسْبَة في المدينة إنه صار متسولا في السوق ولا أحد يجود عليه.. قلت له من أين يعيش إذن؟ قال من صناعة أخرى؛ وقال: أتأذن لي يا مولاي؟ أذنت له وأرسلت عينا إلى ذلك المتسول عاد لي بالخبر اليقين: قال إن الناس تعطيه لأنه عارضكم يا مولاي وقال كلاما آخر في الاعتذار.. ضحكتُ وقلت: هل صارت معارضتي تجارة رابحة؟ غير البلاغيون كثيرا من الأمثلة فأحيلت كثيرٌ من المشبهات بها على المعاش بقرار ملكي: أحلتُ البدر على المعاش فلم يعد مرجعا أصليا للجمَال، وأحلتُ البحر على المعاش فلم يعد مرجعا أصليا للكرَم، أما الأسد فمات بطبعه منذ سنين وارتحنا من مرجع أصلي للشجاعة.. مشى كبير البلاغيين في الأسواق وناقر الطبل ينقره وهو يقول: الشاهد ينبئ الغائب: قرر مولانا الحاكم الديمقراطي العظيم أن يمنع التشابيه القديمة.. فمن قال لحبيبته (أنتِ بدرٌ) دفع للدولة خمسينا دينارًا ومن خاطب ممدوحا – ولا ممدوحَ غير مولانا- وقال له (أنت بحرٌ) بيعت داره وألحقت كل أملاكه ببيت مال المسلمين.. انتَظِرُوا بلا مشَبهات بها حتى نختار لكم ما يناسبكم والله المستعان.
قال بعض عيوني إن الناس استبشرت بهذا الحدث الجلل وصاح صائح في الناس ليسقط القمر وليذهب الجمال إلى الجحيم ليسقط البحر ليذهب إلى الجحيم من تشبه به.. ضحكت حتى استلقيت فقال: أضحك الله سنك يا مولانا يا حبيب البلاغة.
قررت حين حال الحول أن أسخر منهم كما سخروا مني، أمرت أن يعوض البدر بالسحاب فيقال: ( هند سحاب) أو ( زينب كالسحاب).. ماتت أشعار كثيرة بهذا المرسوم.. ثار الناس لأنهم شعروا أن حبيباتهن فقدْن ألقَ البدر وصارت وجوههن كالسحاب.. تنكرت وخرجت أتسمع بنفسي كلام رعيتي قالت إحداهن وهي تحت زيتونة في الظلام الدامس لمن واعدها سرا وقد ذهبت وحشتها أنت الريح يا حبيبي وأنا السحاب في كل اتجاهاتك..
وحده وجه أمي ظل كالبدر مكتوبا بماء الذهب.. الشجاعة التي ماتت مع الأسد أحييتها بمشبه جديد يناسب شجعان رعيتي سميت لهم الذئب مشبها به: من اليوم كن بطلا شجاعا لكن كالذئب.. قالوا لي إن الذئب ماكرٌ خبيث قلت وما الشجاعة إن لم تكن كذلك؟ ألم تقتلوا أسودَكم عن بكرة أبيها، حتى كاد معنى الشجاعة أن يموت.. أحمدوا الله أنا أحيينا لكم معناها ورددناه في جلد الذئاب.. قلت لكبير البلاغيين: خيرهم بين الذئب والذي يحمل أسفارا.. قال مولانا قوي في الكناية وطأطأ رأسه ووضع ذيله بين ساقيه وخرج.
جاء صاحب الحكمة يشعرني بأن لديه كل الحلول لكي أمر في سلاسة من الاستبداد بأمري إلى الديمقراطية عرض عليّ جميع ما جادت به استشاراته ناديت أكبر البلاغيين قلت له تعالَ مكانه، ولكن هذب له لسانه بالبلاغة.. من الغد جاءني المهنئون وقام كبير الشعراء يمدحني فغمرني بالتشابيه المباحة.. ضحك الناس عليّ وضحكت عليهم أضحك الله سني وما أضحك سنهم.. كان ذلك أول يوم في الديمقراطية…وآخر يوم لقد منعتُ عنهم الاستعارة.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية