أحدثت طفرة ثورة المعلومات في العصر الحديث خللاً جسيماً في جميع مناحي الحياة، وأفضى ذلك إلى حدوث ارتباك في منظومة القيم والأخلاق، وبالتأكيد، كانت بداية هذا التغيير تزايد التطور التكنولوجي على نحو متسارع، إلى أن بات من الصعب أن يستوعبها الفرد العادي؛ لأن مفتاح استيعات هذه الطفرات المتلاحقة في يد شريحة من ولاة الأمور، تكاد تكون متوارية عن الأنظار.
وبالنظر إلى الفرد العادي، نجد أنه لا يلقي بالاً لمثل هذه الجدليات، فهو لا ينظر إلى المستقبل البعيد للأشياء، ولا يحاول التخطيط له؛ حيث أنه ترك زمام الأمور لمن دبروا تزاوجه مع تكنولوجيات العصر الحديث المتلاحقة، والمتزامنة مع ظهور تكنولوجيات ومفاهيم معلوماتية أخرى أصبح من الصعب سبر إمكاناتها، أو تحديد الهدف من وجودها. ومما لا شك فيه، يعاني الفرد العادي من تخمة من هذه المفاهيم، ولتحقيق الراحة الشخصية ترك التفكير في الأسباب، وانخرط طواعية في عالم من اللذة والاستمتاع. فانحدر الإنسان بمكانته العظمى إلى منزلة فأر تجارب يستقبل جميع ما يجرى عليه من تجارب، ولا يحاول أن يسأل عن سبب إجرائها عليه.
فالفرد العادي لا يجد جدوى لشغل نفسه بالإمكانيات الهائلة لنظم إدارة المعلومات، والتي يتم استخدامها في حروب معلوماتية الغرض منها تقويض، وتحييد نظم القيادة المنافسة، والسيطرة على الأطراف المعادية، أو المنافسة بهدف حماية، والتنسيق ما بين أنشطة أنظمة القيادة، والتحكم مع القوات الصديقة. ومن ثم، نبذ الفرد العادي التفكير في التنقيب عن البنية التحتية للمعلومات، التي اتخذت من وسائل التواصل القائم على الكمبيوتر وسيلة لتنظيم أنشطة القيادة والتحكم مع القوات الصديقة، أو مع الأصدقاء. فأصبحت الساحة الجديدة لحرب المعلومات في الفضاء السيبراني Cyberspace أشبه بفيلم قصير يعج بالمعلومات التثقيفية، فأفضى ذلك إلى تعزيزالبنية التحتية لنظم المعلومات التي صارت شديدة القوة، خاصة تلك التي تتعلق بالفضاء السيبراني، الذي تحولت فيه ساحات القتال التقليدية إلى فضاء الكون الواسع الذي يتنافس عليه الأطراف المتنافسة، مع ملاحظة، اختلاق ساحة لتشهد الحروب التكنولوجية، التي تظهر وكأنها فيلم دعائي قصير يتم بثه لإثبات وجهة نظر ما، أو لبسط المزيد من المعلومات، وكأنه يتم تسويقها لأغراض تجارية Infomercial.
انحدر الإنسان بمكانته العظمى إلى منزلة فأر تجارب يستقبل جميع ما يجرى عليه من تجارب، ولا يحاول أن يسأل عن سبب إجرائها عليه.
ومن ثم، أضحى كل فرد منا هدفا محتملا، إما لإجراء المزيد من التجارب عليه، أو لخضوعه لويلات حرب معلوماتية. وإن تبدى هذا الكلام غريباً ولا يمكن تصديقه، لسوف أطرح إشكالية حاول القليل التفكر فيها، ألا وهي: مصير وسائل التواصل الاجتماعي. فلقد انغمس كل منا في لذات وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك ، وتويتر وغوغل بلاس بدون أن يتساءل ما مصير حسابه الشخصي على جميع وسائل التواصل الاجتماعي تلك. ففي كل يوم يمر على الإنسان، يبدأ الفرد في مشاركة المزيد من الأخبار والاجتهادات، والصور الفوتوغرافية الشخصية التي هي بمثابة ذاكرة بديلة للفرد. فعند استحداث خيار مشاركة منشور شخصي قديم قد مرّ على مشاركته نحو العام أو عدة أعوام ماضية، يبدأ الفرد في التمعن بالمنشور، وكأنه يرى شخصه القديم يتبدى أمامه مرة أخرى، فيدرك مدى تطور أفكاره ووعيه على مرّ السنين.
ولكن ألم تتساءل يوماً ما مصير حسابك الشخصي على وسائل التواصل هذه بعد الموت؟ وهذه قضية بالفعل تؤرق من يتفكر في الأمر، خاصة ونحن نتحدث عن ذكريات ورسائل قد تكون شديدة الخصوصية، وصور شخصية لا نهاية لها، بجانب كم هائل من المعلومات، قد يتم تفريغه في مجلدات. فاستحدثت إدارة وسائل التواصل الاجتماعي خيارات ثلاثة. الأول: يقضي بتحويل هذا الحساب إلى «حساب تذكاري»، بحيث يتم تجميده من قبل إدارة وسيلة التواصل الاجتماعي، وهذه الإمكانية يطلبها صاحب الحساب نفسه بعد إضافة هذا الخيار لوسيلة التواصل الاجتماعي، وأخص بالذكر هنا الفيسبوك، والثاني: أن يعطي صاحب الحساب كلمة السر لشخص يأتمنه؛ للاستمرار في استخدام حسابه، أما الخيار الثالث، فهو ترك الحساب ساريا ليرسل ويستقبل إشعارات ومنشورات، وكأن صاحب الحساب متواجد على قيد الحياة. ولكن هل تم حل هذه الإشكالية بتلك الأجوبة؟ على ما أعتقد أن أي فرد يتبصر في حقيقة هذا الأمر، يجد أن الأمر قد ازداد تعقيداً. فعلى جميع الأصعدة، الإشكالية قائمة، لمن ستؤؤل هذه الذاكرة البديلة لكل فرد من أفراد المجتمع في نهاية المآل؟ خاصة أن مالكي وسائل التواصل الاجتماعي لديهم القدرة على التجول بكل حرية في تلك الحسابات الشخصية، وقراءة محتواها، ومعرفة ما في داخلها، بل وتحليل شخصية مالكها.
فإذا أردت إجابة وافية على هذا التساؤل، أتعشم أن تتمعن في مشاهدة الفيلم الأمريكي «أيون فلوكس» Aeon Flux. فكما قد يعلم البعض، محتوى الكثير من الأفلام الأجنبية، خاصة الأمريكية منها، التي تتحدث عن المستقبل، لم يأت من فراغ، بل على العكس، جاء الكثير منها تحذيرية؛ لتناولها حقائق عن المستقبل. فكما قد يعلم البعض، تعمل الشريحة الصغيرة التي تهيمن على زمام الأمور وفق خطط تمتد لمئات السنوات، فمن الطبيعي وجود شخص فضولي يثير قبسا منها وفق مبدأ الشفافية العالمية. ولسوف أتناول يوماً بالشرح المسهب أحد هذه الأفلام التحذيرية التي تحققت جميع نبوءاتها في غضون عشرين عاماً فقط.
نسأل أنفسنا ما إذا كان من الأفضل اختزان كل هذه المعلومات في ذاكرتنا أو على محيط العائلة؛ بدلاً من استخدامها بعد موتنا رغماً عنا لتغذية ذاكرة أحدهم.
أما عن فيلم «أيون فلوكس» الذي تم إنتاجه عام 2005، أي قبل ازدهار استخدام الفيسبوك عالمياً، فهو يتناول توابع انتشار فيروس مميت ضرب الأرض عام 2011 ، وأودى بحياة 99٪ من سكان الأرض؛ ما أرغم الناجين أن يتفرقوا في شكل جماعات في جميع أنحاء البسيطة. وبعد مرور 404 أعوام، أي في عام 2415، صار يعاني سكان أفضل المدن النموذجية في المستقبل «بريجنا» Bregna من الأرق الدائم، والكوابيس، والاختفاء المتوالي للأفراد، لكن يتوهم البعض ظهورهم مرة أخرى، في مناطق أخرى، لكنهم تكون عندئذ لديهم هويات أشخاص آخرين. من أهم ما يجب أن نوليه الاهتمام في هذا الفيلم، إشكالية أن داء العقم قد ضرب أهل الأرض، ما أجبر ولاة الأمور على أن يستنسخوا سكان هذه المدينة، ثم يخطفونهم عند بلوغهم عمرا محددا. ويلاحظ أن تتم تغذية ذاكرتهم من خلال منطاد دائم الحركة في كل مكان، وظيفته أنه يحفظ الحمض النووي لجميع السكان. وبالولوج إلى داخل المنطاد، نشاهد أنه يحتوي على ملفات جميع الأشخاص المستنسخة في شكل يضاهي ملفات الفيسبوك. ما يعني، أنه لربما قد تم استحداث وسائل التواصل الاجتماعي لتكون بمثابة ذاكرة جماعية، يتم استخدامها في المستقبل، خاصة أن العقم التام بدأ ينتشر بالفعل بين سكان الأرض على الرغم من التقدم التكنولوجي في معالجة العقم وتأخر الحمل. فهل سيكون مصير أجيال المستقبل القريب أن يصيروا مجرد مستنسخين تتم تغذية عقولهم بذاكرة فرد ما، مع ملاحظة أن تلك الذاكرة قد تم اختزانها واختزان جميع الصور والذكريات الخاصة بها على وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن ثم، قبل أن نشرع في أن نجعل وسائل التواصل الاجتماعي مكتظة بأخبار وصور عن حياتنا الشخصية، وكذلك تدل على شخصيتنا، وميولنا الفكرية والأدبية والاجتماعية، أن نتفكر قليلاً في جدوى نشر تلك الأخبار، وأن نسأل أنفسنا ما إذا كان من الأفضل اختزان كل هذه المعلومات في ذاكرتنا أو على محيط العائلة؛ بدلاً من استخدامها بعد موتنا رغماً عنا لتغذية ذاكرة أحدهم.
٭ أكاديمية مصرية