حروب الوكالة بين تركيا والسعودية فتحت الباب أمام الظاهرة الجهادية

حجم الخط
1

لندن ـ «القدس العربي»: جاء قرار الحكومة البريطانية لتزويد المقاتلين الأكراد «البيشمركة» بالسلاح بعد قرار الولايات المتحدة وفرنسا دعم القوات الكردية لوقف تقديم الجهاديين الذين يمثلهم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) لكن هذا الدعم لن يكون كافيا لمنع انهيار العراق أو استعادة المناطق التي سيطر عليها التنظيم في المناطق السنية خاصة أن القوات الكردية لن تقاتل خارج حدود حكومة إقليم كردستان.
ويرى جوليان بورغر المحرر الدبلوماسي في صحيفة «الغارديان» ان السؤال يظل قائما كيف سنهزم داعش؟ وحذر الكاتب من خطر تعزيز الطموحات الكردية بالاستقلال من خلال الدعم العسكري المباشر.
وعلى ما يبدو فدول الغرب تتعامل مع تسليح الأكراد كحل سريع وطارئ لمواجهة خطر يتفاقم كل يوم دون النظر لما ستتركه هذه السياسات من أثر مباشر على كل من تركيا وإيران اللتين تعيش فيهما أقليات كردية كبيرة.
فما يهم الآن هو منع تقدم داعش والحفاظ على استقرار كردستان كمنطقة آمنة يلجأ إليها مئات الألوف من المهاجرين العراقيين والسوريين. وستركز الدول الثلاث دعمها العسكري على تقديم السلاح الخفيف للأكراد حتى لا تخل بالتوازن العسكري بين بغداد واربيل إذ أن الحكومة المركزية يجب أن تقوم بتزويد البيشمركة بالسلاح.
ويرى بورغر إنه خلافا للحالتين الليبية والسورية فلن تحتاج الحكومة البريطانية لتقديم تبرير قانوني لقرارها ذلك أنها تتعامل مع حكومة معترف بها تدير منطقة معروفة.
وتشعر الولايات المتحدة أنها أصبحت في وضع جيد بداية الإسبوع فقد انتهت الازمة في جبل سنجار، وهناك تحرك باتجاه تشكيل حكومة جديدة في بغداد بعد تنحي المالكي وفتح الباب أمام رئيس الوزراء المكلف حيدر العبادي، وتوافق دولي على دعم الغارات الأمريكية في شمال العراق.

قوة ضاربة

وتظل أزمة داعش بدون حل فما بدا وكأنه مجموعة من المقاتلين الذي استفادوا من تراجع معنويات الجيش العراقي المتفكك تحولوا إلى تهديد إستراتيجي على قاعدة واسعة وعبروا عن جماعة عسكرية ذات فعالية أكثر من ما قدمته القاعدة وتتقزم أمامه جهود أتباع أسامة بن لادن بحسب ديفيد غاردنر في صحيفة «فايننشال تايمز».
ويضيف أن داعش يقوم بتعزيز سلطته على ثلث مساحة سوريا التي استخدمها كقاعدة انطلاق لتدفق مقاتليه نحو العراق في حزيران/يونيو والآن يقوم بتجذير قواعدة في ثلث مساحة العراق، ويوجه ضرباته شرقا ضد الأكراد وغربا في لبنان.
وتراجع الجيش العراقي واستسلم في مدن مثل الموصل وتكريت وعدد آخر من البلدات مخلفا وراءه ترسانة من الأسلحة ومعرضا بقية العراق لخطر الجهاديين.
ووجدت الاقليات المسيحية والإيزيدية نفسها وسط هذا الخطر حيث خيرها التنظيم بين اعتناق الإسلام أو الموت. وكان هذا التطور وراء التدخل الأمريكي في شمال العراق.
وإزاء ما جرى تقول الصحيفة إن داعش يقوم بإنشاء «أفغانستان» جديدة في قلب الشرق الأوسط ويفتح معابر باتجاه شرق البحر المتوسط. كيف حدث كل هذا؟ تجيب الصحيفة ان القوة الضاربة لداعش استفادت من فراغ متعدد الاتجاهات وطبع بغياب كامل للدولة للدولة والرؤية الوطنية الجامعة في كل من العراق وسوريا، وضعف تأثير القوى الكبرى على المنطقة.
فقد شهد كل من العراق وسوريا انهيارا كاملا بمؤسسات الدولة قرن بحرب طائفية سنية- شيعية، وهو ما أعاد سكان البلدين إلى الولاءات الطائفية والقبلية ودعم الجماعات المسلحة. ويتغذى تنظيم داعش على حس المظلومية التي تعرض لها السنة بسبب ممارسات الحكومة الطائفية في بغداد وضرواة الحملة القمعية التي مارسها النظام الطائفي في سوريا.
ويشعر السنة في سوريا بحس الهجران لتردد الغرب بدعمهم للإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد الذي استطاع تحقيق إنجازات ضد الفصائل المقاتلة بدعم من النظام الإيراني والميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية – حزب الله بالتحديد.
كما وتقوم الجماعات الجهادية في العراق بتقديم نفسها على أنها الحامي للسنة الذين يشعرون بالغضب بسبب ما تعرضوا له من تهميش بعد الغزو الأمريكي عام 2003. فالجهادية السنية ترى نفسها تقف على خط المواجهة ضد الهلال الشيعي الذي يبدأ من طهران ويمر عبر بغداد ودمشق إلى بيروت.
ومن هنا فالدعم الذي حصل عليه الجهاديون من السنة في وقت ينهار البلدان فيه- سوريا والعراق- كان خارج توقعات القاعدة. وساعد على تعزيز قوة داعش والجهاديين بشكل عام هو اعتمادهم على النفس فقد مولوا أنفسهم من ابتزاز الناس والاختطاف وتبرعات المتعاطفين معهم في دول الخليج والآن حقق التنظيم الإكتفاء الذاتي من حقول النفط شرق سوريا التي يسيطر عليها.
وتضيف «فايننشال تايمز» في تقريرها المفصل الذي شاركت في إعداده شبكة مراسليها أن داعش باعتماده على النفس قرن كل هذا بممارسات وحشية من القتل وقطع الرؤوس والصلب كاستراتيجية لزرع الخوف مثل جيش من الجيوش في العصور الوسطى الذي كان يقتل القرية التي تتصدى له ويحافظ على حياة التي تذعن له.
وفوق كل هذا عزز التنظيم من قواته من خلال الاعتماد على القاعدة السنية في العراق، ليس فقط القبائل المهمشة ولكن بقايا الجيش العراقي السابق، ولكن التنظيم حريص على التخلص ممن يشكلون تهديدا له داخل الصف السني.
ويشير التقرير إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق السابق لتنظيم داعش والذي مارس سياسة وحشية ضد العراقيين سنة وشيعة مما وحد الجميع ضده وتنادوا لهزيمته من خلال الصحوات.
وقد ينتهي داعش لنفس النهاية المنطقية هذه لكنه يتحرك أسرع من مداولات الساسة في بغداد بدرجة تسمح لهم الاصطفاف خلف حكومة وحدة وطنية تستطيع مواجهة التنظيم واستعادة ما سيطر عليه من مناطق واسعة. وتعترف الصحيفة بصعوبة إطفاءالحرائق التي اشعلها تنظيم الدولة الإسلامية.

حروب الوكالة

وكتب ديفيد غاردنرفي مقام متصل حول الدور الذي لعبه التنافس الإقليمي في صعود داعش. فقبل هذا الصيف كانت الدول اللاعبة في المنطقة، تركيا وإيران والسعودية تخوض حربا بالوكالة في كل من العراق وسوريا.
وبعد ما حققه التنظيم من نجاحات في كلا البلدين يقول المسؤولون في البلدان الثلاث أنهم غير مسؤولين عن صعوده ولكن الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003 هو الذي يتحمل المسؤولية فقد خلخل النظام في المنطقة مما دفع بالشيعة للسلطة وأشعل من جديد التنافس السني ـ الشيعي، وأدى بنفس الوقت فشل الغرب بدعم الثورة السورية للإطاحة بنظام الأسد الذي وصل أدنى حالاته من الضعف في الفترة ما بين 2012 -2013 إلى استغلال داعش الفرصة في سوريا وتقدم في عراق نوري المالكي الذي كان يضطهد السنة. ويرى الكاتب أن الدول الثلاث ساهمت في الفوضى كل بطريقتها، فقد سمحت تركيا أو أغمضت عينيها على تدفق المقاتلين الأجانب من أراضيها لسوريا، وتحولت لمركز نشاط للمعارضة السورية.
أما إيران فقد أصبحت متواطئة مثل الولايات المتحدة بدعم طائفية المالكي، ومع الفساد الذي سمح لداعش هزيمة الجيش العراقي بسهولة. وفي سوريا ركزت إيران على منع سقوط نظام الأسد حيث لعب «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الجمهوري بتحشيد الميليشيات الشيعية في العراق وسوريا للدفاع عن النظام السوري.
وتحت إشراف قاسم سليماني بنت قوة من الموالين في سوريا وتحاول فعل نفس الشيء في سوريا. وركزت السعودية جهودها على هزيمة إيران، ولم تقبل أبدأ النفوذ الإيراني في العراق ولهذا عملت كل جهدها على ضرب طهران بالإطاحة بنظام الأسد. ولا يعرف المدى الذي أسهمت فيه السعودية بدعم الجماعات الجهادية، لكن داعش وغيرها تلقت دعما من متعاطفين معها في السعودية والخليج وليس من الحكومات.
ورغم اتخاذ الحكومة السعودية خطوات لمنع هذه النشاطات وحظرت على المواطنين السعوديين السفر لسوريا واعتبرت داعش وغيره جماعات إرهابية إلا أن الضرر حدث.

بغداد

ومع أن الدول الثلاث رحبت برحيل المالكي وتعيين خلف له إلا أن تشكيل الحكومة في مناخ بغداد السياسي المسموم قد لا يكون الحل الكافي في الوقت الحالي. وبحسب مراسل الصحيفة بروزو درغاهي كان من الممكن أن يتحول العراق لشريك جيد في الحرب على الإرهاب، وكان بإمكان حكومته الاعتماد على مليارات الدولارات من عوائد النفط لتدريب القوات الأمنية، لكن قوة الحكومة العراقية جزء من ضعفها فاستخدام المالكي المال لخدمة أهدافة الطائفية وفساد حكومته أسهمت في مفاقمة حنق كل من السنة والشيعة وشعورهم بالإهمال والتهميش وزدات من حس الظلم وفتحت الباب أما داعش.
فإذا كان الصراع في سوريا الحاضنة التي ولد فيها داعش فعجز الحكومة العراقية وسياساتها الطائفية عجلت من بلوغه سن الرشد.
وأي محاولة تقوم بها واشنطن لتجنيد الحكومة العراقية وجيشها الكبير من الميليشيات سيعزز رؤية الحكومات السنية في الأردن ومصر والسعودية وهي أن أمريكا تدعم طرفا ضد طرف.
وحتى يتم حل المشكلة السياسية العراقية فستظل العلاقة مع بغداد مثيرة للمشاكل كما اعترف مسؤولون أمريكيون حتى بعد تهميش وتنحية المالكي وتعيين العبادي مكانه.

جبهة قتالية

في الوقت الحالي تحولت كردستان لجبهة حرب وخط أمامي لها، مع ان الزائر لاربيل يرى انشغال الناس بحفلات الزفاف ويرتادون المطاعم التي تفتح لساعات متأخرة من الليل، لكن مسافة 30 كيلومترا من عاصمة الإقليم يختفي الصخب ويحل محله هدوء في قرى أصبحت خاوية يحرسها مقاتلون بوجوه صارمة لا يزالون يتعافون من آخر هزيمة لهم.
فقد تحولت هذه القرى لخطوط أمامية في معركة يقول القادة إنها ستبدأ قريبا وربما تحت جنح الليل بحسب قائد القوات روجي شاويس المتمركزة قرب بلدة خازر، والذي أضاف أن البلدة هي «نقطة استراتيجية كل طرف يريدها لأنها تسيطر على المناطق السهلية ومفتاح لمدينة اربيل».
ورغم أن الحملة التي يقوم بها داعش في المناطق القريبة من كردستان مهمة لكنها لا تقارن بالتقدم الحاسم في الموصل وتكريت، وأهم ما نتج عن الحملة أنها كشفت عن ضعف وعدم جاهزية البيشمركة التي تركت الجبال ولم تخض معركة منذ 20 عاما.
وفي اربيل نفسها اختفى حس الذعر والخوف حيث ساعدت الغارات الأمريكية البيشمركة استعادة السيطرة على بلدتي مخمور وكوير اللتين تبعدان 50 كيلومترا عن اربيل. وتشير الصحيفة إلى ان المقاتلين الأكراد منقسمون حول أثر الضربات الجوية وفعاليتها لوقف تشكيلات داعش التي تتحرك سريعا وبشكل مفاجئ. فمن سيوقف تقدمها إذا؟

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية