أدت موجة الاحتجاجات التي اندلعت في 2011 بكل واحدة من دول شمال غرب إفريقيا إلى اتجاه آخر، وبناء على ذلك تغير مصير كل دولة في السنوات التالية. تونس، التي بدأت فيها الاضطرابات، توجهت إلى مسيرة تحول ديمقراطي بدت واعدة، وإن كانت كثيرة العراقيل. ليبيا تدهورت إلى التفكك والمواجهات بين المواطنين، وهي لا تزال حتى اليوم دولة فاشلة. في الجزائر قلصت ذكريات الحرب الأهلية التي وقعت قبل عشرين سنة من ذلك، الحماسة من الاحتجاج واسع النطاق، وفي 2011 أطلقت الدولة يدها نحو جيوبها العميقة المليئة بأموال النفط ووزعت العطايا لتهدئة كل اضطراب محتمل. في المغرب، التي خرج سكانها إلى الشوارع مطالبين بالكرامة والعمل ووقف الفساد، أطلقت الأسرة المالكة عملية إصلاح أدت إلى وضع دستور جديد، ولكن بالتوازي حرصت على إبطاء الأساسات السياسية والاقتصادية للمملكة.
حتى اندلاع موجة الاحتجاجات الواسعة في الجزائر قبل نحو ثلاثة أسابيع، كان يخيل أن منطقة المغرب تستقر في جمود نسبي، رغم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والحكومية التي بقيت بقدر كبير بلا حل في المنطقة. كان يبدو أن الجمهور غرق في «حالة طبيعية جديدة»، إذ امتنع عن التجند ضدها في ضوء الفوضى والعنف اللذين اندلعا في أجزاء أخرى من العالم العربي. ولكن اندلاع المظاهرات في شوارع الجزائر، التي هي الدولة الأكبر في إفريقيا، يدل على أن الردع يحتمل أن يكون قد تآكل. بالنسبة لإسرائيل، فإن احتمال عدم الاستقرار في شمال إفريقيا يضع أمامها تحديات أمنية، وكذلك فرصاً محتملة. لواضعي السياسة في القدس يجب أن يكرسوا اهتماماً خاصاً لخمسة ميول في الأشهر القريبة القادمة.
نقل السلطة في الجزائر
موجة الاحتجاجات الأكبر في الجزائر منذ نهاية الثمانينيات أشعلها بيان الحزب الحاكم بأن الرئيس المريض ابن الـ 82، عبد العزيز بوتفليقة، سيتنافس على ولاية خامسة في الانتخابات القريبة. أما بوتفليقة نفسه فظهر في أوقات نادرة فقط على الملأ منذ أصيب بجلطة دماغية في 2013، وترشيحه يدل على أن منظومة القيادة الحاكمة وانعدام الشفافية للقادة العسكريين، رجال المخابرات ورجال الأعمال والنخب السياسية المسيطرة في الدولة، لم تتوصل إلى توافقات حول الخليفة. لقد تطورت الجزائر في السنوات الأخيرة لتصبح مركز استقرار إقليمي. قوات الأمن فيها، التي تعد 460 ألف رجل في الخدمة العسكرية، الاحتياط والشرطة، تنكب على ضبط الآثار التي تتسلل إليها من الحرب في ليبيا ومنع تقدم منظمات الإرهاب المنتشرة في كل المنطقة شمالاً نحو أوروبا. ومن شأن الاضطرابات كنتيجة للأزمة السياسية في الجزائر أن تهز المنطقة بقدر كبير، ويدل رد الفعل المعتدل حتى الآن من جانب النظام على الاحتجاجات بأن الزعامة لم تبلور بعد خريطة طريق ناجعة للخروج من الطريق المسدود.
ضعف اقتصادي
إن الاحتجاجات في الجزائر تذكير بأنه رغم التقلبات السياسية التي اجتاحت المنطقة فإن البنية الاقتصادية لشمال إفريقيا بقيت تشبه جداً وضعها في نهاية 2010 وبالتالي من المتوقع أن تبقى مصدراً للاضطراب. فعدم القدرة أو عدم الرغبة في تنويع الاقتصاد أبقت دول النفط والغاز ـ الجزائر وليبيا -تحت رحمة حراكات أسعار النفط التي لم تنتعش تماماً بعد من هبوط 2014. في الجزائر، كانت النتيجة انخفاضاً بمعدل 50 في المئة في أرصدة العملة الصعبة والتوجه إلى إجراءات تقشفية غير شعبية، حتى قبل اندلاع الأحداث الأخيرة كانت تشعل كل سنة آلاف المظاهرات المحلية. أما في ليبيا، فالتنافس على السيطرة على منشآت النفط ومداخيل الدولة أصبح الدافع الرئيس للمواجهة المسلحة، التي هي على شفا الغليان ولا تبدي أي مؤشرات بالهدوء.
في المغرب وفي تونس، الدولتان اللتان لا تعتمدان على أرباح النفط، فإن معدل البطالة العالي وخيبة الأمل عقب عدم تحقق التوقع بتغيير اقتصادي عميق في أعقاب 2011، يشعلان نار الاستياء المتعاظم. فمعدل البطالة في أوساط الشباب في المغرب يصل إلى 18 في المئة، وإحساس الظلم كنتيجة للفساد وانعدام القدرة على الوصول إلى الخدمات الاجتماعية الأساسية بعث حركة احتجاج في منطقة الشاطئ في شمال الدولة، ومؤخراً أيضاً مقاطعة عامة للشركات الثلاثة المسيطرة على اقتصاد الدولة. في تونس لا ينجح التفاؤل من التحول الليبرالي السياسي في التغطية على البطالة المستشرية (التي تقدر بنحو 36 في المئة في أوساط الشباب)، وانعدام المساواة بين المناطق والاحتجاجات على إجراءات التقشف غير الشعبية. أما الجواب على سؤال إذا كانت هذه الظروف ستنضج لتصبح موجة ثانية من الثورة فمنوط بقدر كبير بقدرة هذه الدول على الاحتمال وتنفيس الاستياء الشعبي.
الإسلام السياسي
رغم فشل حركة الإخوان المسلمين في مصر في 2013 والقمع المستمر للحركات المتماثلة معها في بعض من الدول في المنطقة، تدل التطورات في شمال إفريقيا إلى أنه من السابق لأوانه تأبين الإسلام السياسي. فالأحزاب المتماثلة مع الإخوان المسلمين تعمل كهيئات مؤطرة في المغرب وتونس. في تونس ستجرى في الخريف القريب القادم انتخابات للبرلمان وللرئاسة، والتقدير هو أن الحزب الإسلامي المتصدر، النهضة، سيحقق نجاحاً. زعيم المنظمة، راشد الغنوشي، يفكر حتى في إمكانية التنافس على الرئاسة. ورغم إعادة تصنيف النهضة كحزب «الديمقراطيين المسلمين» فإن النجاح في الانتخابات القادمة سيؤشر إلى مؤيدي ومعارضي الإسلام السياسي في المنطقة لأن مواصلي طريق «الإخوان» لا يزالون يجندون دعماً هاماً.
درءاً لخطر قادم… على إسرائيل أن تحسن فرص التعاون الأمني مع دول المنطقة
في هذه الأثناء، في الأماكن الأقل تسامحاً تجاه صيغ الإخوان المسلمين، تراكم الحركات السلفية المحافظة جداً زخماً وتحظى بالتأييد من جانب محافل رسمية متحمسة لتوازن قوة «الإخوان». في الجزائر شجعت الدولة السلفية (غير السياسية)، في محاولة لمنع الارتباطات بين الجهات الكفاحية. في ليبيا تسللت ألوية سلفية مسلحة ارتبطت بالزعيم العسكري العلماني ظاهراً، خليفة حفتر، إلى المجالات السياسية الأمنية والاجتماعية في الدولة. فصعود السلفيين في ليبيا يدل على أن الإسلام السياسي سيبقى عاملاً مؤثراً في النظام الإقليمي الناشئ.
نشاط جهادي
ما بدا في 2018 كهزيمة عسكرية (ليست مطلقة بعد) للمنظمة التي كانت تسمي نفسها «الدولة الإسلامية» (داعش) قد تكون حررت الشرق الأوسط من حلم الخلافة، ولكن الحركات الجهادية تبقى تهديداً في كل شمال إفريقيا. في ليبيا نجحت معركة عسكرية بإسناد أمريكي في تراجع مقاتلي الدولة الإسلامية من لواء سيطرت عليه في نهاية 2016، ولكن عدد العمليات بإلهام المنظمة أكثر من أن تضاعفت في السنة الأخيرة، وجيوب المنظمة تعمل في الجنوب الذي لا تسيطر عليه الحكومة. كما أن مسلحين يتماثلون مع القاعدة في المغرب الإسلامي وجدوا هم أيضاً ملجأ في جنوب ليبيا وهم يواصلون تنفيذ العمليات ضد قوات الجيش التونسي في جبال غرب هذه الدولة، التي تكافح في سبيل استقرار الديمقراطية. في المغرب، حيث تعلن محافل رسمية صبح مساء عن كشف وإحباط مؤامرات الإرهاب، في كانون الأول 2018 قتل مسلحون موالون للدولة الإسلامية سائحتين من اسكندنافيا.
اتساع النفوذ الروسي
إذا كانت السنوات الأخيرة تشير إلى ميل ما، فإن روسيا ستواصل توسيع تواجدها في أرجاء شمال إفريقيا فيما أنه تحركها جملة من المصالح الجغرافية ـ الاستراتيجية، الاقتصادية والسياسية. فمنطقة المغرب تعرض على موسكو موطئ قدم متعاظم في البحر المتوسط، عقود ربحية في فروع الطاقة والبنى التحتية وفرصة لتثبيت نفسها كوسيط في النزاعات السياسية في المنطقة. الجزائر لا تزال الزبون الثالث في حجمه لروسيا من حيث العتاد العسكري، بما في ذلك السفن ذات الأداء المثبت في الساحة السورية. من تقرير يقول إن قوات حفتر في ليبيا تتمتع بالمساعدة الروسية، والأعمال التجارية الروسية تواصل تثبيت نفوذ على كل الأحزاب لضمان أن تحظى هذه في نهاية المطاف بالسيطرة. في المغرب وفي تونس، سلسلة طويلة من الاتفاقات الاقتصادية التي وقعت في السنوات الأخيرة تدل على أن موسكو تستغل إمكانية التخفيض في التواجد الأمريكي في المنطقة وترى فيها بوابة للأسواق في إفريقيا.
مصادر التخوف الأكثر فورية بالنسبة لإسرائيل هو الاحتمال في أن تتعاظم الاحتجاجات الأخيرة في الجزائر لتصل إلى وضع يتضعضع فيه الاستقرار على مستوى أوسع، الفوضى المستمرة في ليبيا وكذا بقاء أماكن اللجوء في المغرب للجهاديين وغيرها من الأجنحة الإسلامية، المعادية لإسرائيل. عدم الاستقرار في شمال إفريقيا كان منذ الآن خلفية لانتقال المسلحين والسلاح إلى شبه جزيرة سيناء، وحسب التقارير ـ إلى قطاع غزة أيضاً. على إسرائيل أن تفحص الفرص لتحسين التعاون الأمني مع دول المنطقة، التي هي المتضرر الأكبر من عدم الاستقرار هذا، وتكتشف الجاهزية الأكبر بالتعاون مع القدس. فالتعاون الإسرائيلي ـ المصري مثلاً يمكنه أن يتسع ويضم تعاوناً في جمع المعلومات الاستخبارية لضمان الحدود الغربية لمصر. وإذا كنا سنصدق التقارير الأخيرة، فإن الاختراق السياسي الذي تحقق مؤخراً بين إسرائيل وتشاد نبع ضمن أمور أخرى من رغبة تشاد في مساعدة إسرائيل في منع تسلل العنف من ليبيا. وستفعل إسرائيل الصواب إذا ما استغلت ـ بهدوء ـ فرصاً مشابهة في أماكن أخرى في المنطقة.
في قول أخير، يشار إلى أنه مع أن الميول التي وصفت في ما يجري في شمال إفريقيا، إلا أنها ليست خاصة بالمغرب. فأساسات اقتصادية هشة، وزعامة شائخة وسيناريوهات نقل غير مستقرة للحكم، والصراع بين المعسكرات الإسلامية وغير الإسلامية، والتهديد المتواصل من جانب الجهاد والتدخل المتعاظم لروسيا ـ كلها شروط يتميز بها اليوم معظم الشرق الأوسط الغربي. في ضوء ذلك، فإن لإسرائيل مصلحة في تنمية تفاهم أشمل لانعكاس التطورات الإقليمية في الأحداث في شمال إفريقيا وتأثيرها على الدول المختلفة بما فيها تلك القريبة منها. إذا كانت السنوات الثماني الأخيرة هي مؤشر على ما سيأتي، سيبدو أن مفهومي «مركز» و«محيط» أكثر غموضاً من أن يوضحا الدينامية الإقليمية التي يتعين على إسرائيل أن تستعد لها، وهي نفسها من المتوقع أن تصبح في إطارها لاعبة أكثر فاعلية بكثير.
سارة بوير
نظرة عليا 19/3/2019