دمشق – «القدس العربي»: تقلصت المساحة الجغرافية المتبقية تحت سيطرة تنظيم «الدولة» في سوريا، في أعقاب تقدم بري أحرزته قوات سوريا الديمقراطية أمس الثلاثاء بدعم من التحالف الدولي نحو مخيم الباغوز في ريف محافظة دير الزور شرقي سوريا، بعدما طوقت القوات المهاجمة عناصر التنظيم من ثلاث جهات، تاركة له منفذاً واحداً يطل على نهر الفرات الذي تسيطر قوات النظام السوري على ضفته المقابلة.
ومع اقتراب كل المؤشرات إلى انتهاء السيطرة الجغرافية للتنظيم في سوريا، تسلط «القدس العربي» الضوء على ما بعد تقهقر التنظيم ومن سيدير المنطقة، على اعتبارها منطقة نفوذ للأمريكيين والقوى التي تتوعد تركيا بمحاربتها، والمتمثلة في العناصر الكردية المسلحة، المدعومة من واشنطن، في ظل تركيز الحديث عن قوات النخبة بقيادة رئيس الائتلاف الأسبق أحمد الجربا بعدما على خلفية طرحه مشروعاً سياسياً، قد لا يكون انفصالياً بالمعنى المباشر، إلا أن بحثه عن نفوذ – بنشر نحو 10 آلاف جندي عربي كردي في المنطقة الامنية – قد يفتح الباب لشرعنة مطالب أخرى بتوزيع وتقاسم السيطرة وتهشيم المنطقة، وابقاء حالة عدم الاستقرار هناك، حسب مراقبين.
خبراء يرصدون لـ «القدس العربي» سيناريوهات ما بعد «الباغوز» شرقي الفرات
ورغم التضييق الكبير الذي ضربت أوتاده قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي، إلا أن مدير المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية «مصطفى بالي» قال على «تويتر»: «هذا ليس إعلان نصر بل إحراز تقدم كبير في قتال داعش».
قوات سوريا الديمقراطية قالت الثلاثاء إنها اقتربت من انتزاع السيطرة على آخر بقعة من قبضة تنظيم «الدولة»، شرق سوريا بعد أن سيطرت على مخيم الباغوز وسط اشتباكات ما زالت مستمرة مع «فلول المتشددين». وأضاف «بالي» حسب – رويترز – أن المعارك لم تنته بعد قائلاً إنه لا تزال هناك بعض الجيوب على ضفة نهر الفرات. وقال إن بعض المقاتلين اتخذوا من أطفالهم دروعاً بشرية وإن الاشتباكات متقطعة.
بعين كردية
ويعد مخيم «الباغوز» الذي سيطرت تقريباً عليه قوات «قسد» أمس، آخر المناطق المأهولة والخاضعة لسيطرة تنظيم «الدولة» في سوريا. وأُجبر التنظيم على التقهقر لهذه المنطقة بعد سنوات من التراجع في مواجهة حملات عسكرية شنتها قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، وقوات النظام السوري المدعوم من روسيا والجيش العراقي وقوات متحالفة معه مدعومة من إيران.
إدارة المنطقة من وجهة نظر القيادي السابق لدى قوات سوريا الديمقراطية «إدريس نعسان» ستبقى بيد ممثليها في مجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا، وبحماية قوات سوريا الديمقراطية، مبررا ذلك بـ «كونها المكونات الحقيقية والأصيلة لهذه المنطقة». وقال «نعسان» لـ»القدس العربي»: لم تتشكل هذه الأطر لمحاربة وإنهاء داعش والمجموعات المتطرفة الأخرى التي سعت إلى السيطرة على شمال وشرق سوريا بل تتمتع بمشروع مختلف عن المشروعات والقناعات الأخرى السائدة في الواقع السوري كونها تطرح فكرة بناء مجتمع قائم على ديمقراطية واقعية وحقيقية مبنية على التعبير الحر والصريح لكل الألون والتشارك في المسؤوليات والمكاسب». واعرب عن اعتقاده في «أن نهاية هزيمة داعش وإن كانت على يد أبناء قوات هذه المنطقة، لا تعني بالضرورة نهاية مهمتهم وكأنهم قوات تشكلت تحت الطلب».
«قسد».. واللامركزية
وتجري مناقشات بين قوات «قسد» والنظام السوري لتحديد مستقبل شمال شرقي سوريا، ولكن تلك المشاورات حسب القيادي السابق في «القوات الديمقراطية» لم تثمر إلى الآن عن نتائج فعلية نظراً لعدم قدرة النظام على تفهم الواقع الذي فرضته الأزمة السورية والتغييرات الدولية والإقليمية وحتى الميدانية السورية طيلة الأعوام المنصرمة من عمر هذه الأزمة. وأضاف المتحدث «قد تنجح المناقشات وتتبلور إلى مفاوضات حقيقية وقد تتمخض عنها تفاهمات حول إدارة المنطقة ولكنها لن تكون مفروضة على إرادة الشعب، ولن تكون كذلك فيما يصوره البعض شكلاً من أشكال عودة سيطرة النظام بل ستكون تفاهماً حول صيغة إدارية تحفظ مكتسبات إدارة شمال شرقي سوريا وتفضي إلى لامركزية سياسية لسوريا عموماً».
ومنذ إعلان ترامب نهاية العام الماضي عزمه سحب قوات بلاده من سوريا وثمة سباق دبلوماسي يجري بين الأطراف المعنية بالملف السوري وشمال سوريا تحديداً، والهدف منه: ملء الفراغ العسكري في المنطقة الاستراتيجية البالغة الأهمية.
حيث رأى الباحث السياسي عبد الرحمن عبارة أن العديد من الأطراف المحلية والإقليمية لا تُخفي رغبتها في إدارة المنطقة، وقال عبارة لـ»القدس العربي»، انه على المستوى المحلي «لدينا جهتان رئيسيتان، وهما ميليشيات «قسد» و»قوات النخبة» التابعة لرئيس الائتلاف الأسبق أحمد الجربا».
وأضاف، بعد إسدال الستارة على تنظيم «الدولة» في آخر معاقله في منطقة الباغوز شرق الفرات، فإن ميليشيات الحماية الكردية (قسد) لديها فرصة ورغبة لتكوّن تحالفاً سياسياً واسعاً يجمعها مع قوات النخبة بقيادة الجربا، لإدارة مناطق شرق الفرات، الأمر الذي سترحب به واشنطن، وفي الوقت نفسه لن يصطدم باعتراض روسي، ومن المسلّم به أن يلقى هذا التحالف – فيما لو حصل – رفضا تركيّاً.
الجربا مجدداً
الباحث عبارة أشار خلال حديثه، إلى أن الجربا لا يخفي رغبته في أن يكون له ولـ»قوات النخبة» التابعة له، دور ميداني وعسكري وربما إداري مشترك مع «قسد» في مناطق شرق الفرات، ويبدو أن هذه الرغبة تتقاطع مع مصالح ميليشيات الحماية الكردية في إبعاد شبح التدخل العسكري التركي نهائياً عن شرق الفرات، وفي الوقت نفسه يتيح لـ «قسد» الحفاظ على مكاسبها دون الحاجة إلى تقديم تنازلات للنظام السوري، وإنه من المبكر الحديث عن توافقات دولية وإقليمية حول أي جهة ستتمكن من شغل الفراغ الذي سيخلفه سحب القوات الأمريكية من شرق الفرات، بما في ذلك قوات النخبة (الجربا).
اما القيادي الكردي إدريس نعسان، فلم يستبعد حدوث تفاهم حول انضمام قوات النخبة إلى «قسد» في مرحلة ما «إذا ما استطاع «الجربا» الابتعاد عن المحور التركي، وابدى استعداداً فعلياً في حماية وإدارة هذه المناطق، على اعتبار هذه القوات سورية ومن مصلحتها التشارك مع السوريين وليس القوى الإقليمية التي تتصيد مصالحها على حساب الدم والبلاد السورية» حسب قوله.
ستؤول مناطق شرق سوريا بعد طّي صفحة تنظيم «الدولة» الجغرافية، وفق رأي الباحث في العلاقات الدولية جلال سلمي إلى سيناريو أمريكي سيتم من خلاله تأهيل سكان المناطق ذات النفوذ الكردي والعربي وغيرهم ضمن إطار مجالس حكم محلية.
علاوة على ذلك، فتنظيم «الدولة» لا زال يمتلك جيشاً من الخلايا النائمة المنتشرة في المنطقة بين المدنيين، لذلك فالتطورات قد تحتاج لبعض الوقت، وأن هذه المنطقة قد تتحول إلى منطقة حكم انتشار تشاركي تشترك في إدارته جميع القوى المحلية والإقليمية والدولية الموالية لواشنطن. في حين أن «سوريا المفيدة» ستبقى على أوضاعها الحالية، ولكن بصلاحيات ونفوذ أكبر لروسيا مقارنةً بالقوات الإيرانية المساندة لها في الميدان.