هل جاء البخيت لمحاربة الفساد أم لإغلاق الملفات؟

حجم الخط
0

د. يوسف ربابعة هناك مقولة تنتشر بين الأردنيين على اختلاف مستوياتهم، ترى أن الفساد من أكبر المؤسسات المحترمة في الوطن، وهي محمية (من فوق)، ولا يثق أي مواطن أردني بكل الذين يتحدثون عن محاربة الفساد، وهم جزء منه، وقد تساءلتُ وتساءل الكثيرون مثلي عن سبب اختيار معروف البخيت، في الوقت الذي تزايدت فيه الأصوات الشعبية من المدنيين والعسكريين تطالب بمحاسبة الفاسدين مهما كانت مواقعهم، وقد تجاوزت المطالبات الخطوط الحمراء في ذكر الأشخاص وأسمائهم، وأنا أظن ـ وبعض الظن إثم – أن اختيار البخيت في مثل هذا الوقت كان الهدف الأول منه هو محاولة إغلاق بعض ملفات الفساد التي يتداولها الناس ويكثرون الحديث حولها، وهناك أدلة بدأت تظهر منذ أول يوم تولى فيه البخيت مسؤولياته، فقد سارع إلى إحالة ملف الكازينو إلى دائرة مكافحة الفساد، وهذا الملف هو أصلا من صنع البخيت نفسه.

وقد ظهرت أخبار صحافية عندما تولى نادر الذهبي رئاسة الوزراء، تشير إلى أن البخيت قاب قوسين أو أدنى من المحاكمة، إلا أن الملف ترك معلقا، وقامت حكومة الذهبي بتسوية الموضوع مع المستثمر الوهمي، كما أظهرت ذلك بعض التسريبات، ولا أحد يعرف الحقيقة بالفعل.

وانتهت حكومة الذهبي ورحلت من دون أن نرى ملفا واحدا من ملفات الفساد التي يتحدث عنها الناس، وجاءت حكومة التغيير برئاسة الرفاعي الابن، هكذا أطلق عليها، واستل الرفاعي سيفه وأزبد وأربد وتوعد المفسدين من دون أن يذكر نفسه معهم- ثم تمخض الجمل فولد فأرا، ووجدنا أن الفساد لم يحدث إلا في المصفاة ومشروع توسعتها فقط، وأحيلت الشخصيات المسؤولة إلى القضاء، ودخلت السجن، ولا أحد يصدق ما يحدث لأن الذي حصل ما هو إلا كلمة حق أريد بها باطل، فالمعلن هو قضية فساد، والمخفي هو تصفية شخصية وانتقام لدبي كابيتال التي دخلت عطاء المصفاة ولم يتحقق لها الحصول عليه.

وأنا أتساءل ببراءة – كما غيري – عن المنجزات التي قامت بها حكومة الرفاعي في الإصلاح ومحاربة الفساد، إننا لم نر شيئا سوى مزيد من الأزمات والتعيينات للأصدقاء والمقربين، ومزيد من البيع، ونتساءل أيضا ببراءة عن السبب وراء اختيار الرفاعي في تلك المرحلة، وما علاقة ذلك بقضية المصفاة؟ وعلاقة دبي كابيتال وعطاء المصفاة؟ ومن شركاء الرفاعي الذين مكنوه من الوصول إلى رئاسة الوزراء؟ وتلك قصة مثيرة ستكشفها الأيام القادمة حتى وإن طالت، لكن ما يعنينا اليوم هو التساؤل الأكبر عن مهمة البخيت المطلوبة منه، فقد جاء البخيت كسلفه الرفاعي يزبد ويبرق على الفاسدين، وأنه سيلاحقهم في جحورهم وقصورهم، ولن يكون هناك من هو فوق القانون مهما كانت صفته، ولا ندري إن كان البخيت يعني ما يقول أم أنه يقول ذلك في لحظة نشوة، كتلك التي جعلته يوقّع فيها على اتفاقية الكازينو من دون أن يقرأها، والتي حولها مؤخرا إلى دائرة مكافحة الفساد، وشكل كذلك لجنة للنظر في قضايا الفساد، ولا ندري لماذا جاءت هذه اللجنة؟ مع أن دائرة مكافحة الفساد موجودة، لكنها للأسف لا تملك القدرة على مكافحة الفساد أصلا، خاصة في قضية مثل الكازينو، لأنه من المفترض أن يتم التحقيق فيها مع دولة الرئيس، فكيف سيتجرأ عطوفة مدير دائرة المكافحة التحقيق مع دولته، وهو الذي يعينه ويوجهه؟ كما أن تلك الدائرة ليس فيها مختصون للتحقيق في قضايا كبرى تتعلق باتفاقيات بالملايين بل المليارات، حتى إن سميح بينو اشار اليها قبل أيام، حيث قال: ‘لا توجد ضبابية في الملفات التي توجد بحوزة الهيئة وعندما تكتمل ستحول الى المدعي العام، ولكــــن الناس تبحث عن الملفات الكبيرة مثل (الكازينو وموارد)، وهنا إذا أردنا التحدث عن موارد فهنالك من (30 – 40) ألف صفحة باللغة الإنكلــــيزية، وقال ساخرا: ‘سبحان الله ولا ورقة بالعربي..’، بالإضافة الى 15 ألف إيميل’، ثم أشار إلى أن الدائرة مكبلة بقرارات رئاسة الوزراء، حتى تعيين الموظفين، فقال: ‘طلبت من رئيس الوزراء وأبلغته أنه بدون الدعم للهيئة فسنبقى مكبلي الأيدي، ولقد وعد الرئيس خيراً’، وأنا قلبي مع سميح بينو بأن يفي الرئيس بما وعد.

إن الواضح من كل الإجراءات التي تمت والتي سوف تتم، أن قضية مكافحة الفساد ما هي إلا نوع من ذر الرماد في العيون، وتشتيت الناس عن الهدف الحقيقي، وإخفاء الأسماء الحقيقية التي تقف وراء مثل هذه الصفقات، فقد كشف البخيت عن نفسه مبكرا، فمهمته ستكون فقط في إغلاق بعض الملفات التي باتت تزعج المتورطين، ولن يكون أمامه إلا تلك الطريقة لأن الملفات إن فتحت فربما ستطاله، وربما تشير التعاملات التي جرت مؤخرا مع المتهمين بقضية المصفاة، وتسفير أحدهم للعلاج في أمريكا، والمعانقة الحارة التي جرت بين أحدهم ودولة الرئيس، كل تلك الأحداث تشير إلى أن دولته يعرف جيدا أن هؤلاء المتهمين ما هم إلا ضحايا تصفيات شخصية قام بها سمير الرفاعي لمصلحة شركائه في رأس المال، وليست هناك قضية حقيقية، أو ربما يدرك دولة الرئيس أنهم مساكين ومظلومون مقارنة بالمبالغ التي ذهبت، وهو يعرفها بالفعل. ‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية