دفاعا عن الشعر

(1)
غالبا ما يجد الشاعر نفسه وحيدا في مواجهة هذا الفراغ الذي يعمُّ الوجود، مدجّجا بذخيرة التجربة والخيال، راسما خططه الشعرية باللغة التي تشكل عَصَبَ الإبداع، ودعامة أساس في بنية التعبير، وهنا مكمن سِرِّ الكتابة الشعرية. هذا السّرُّ المحاط بكامل السرية بين الشاعر وذاته، بينه وبين التيه الذي يمارسه لحظة انبثاق حدسه اللانهائي محاولا شن هجوم على الواقع المتحوّل والمتغيّر، وبينه وبين سؤال الوجود المتشابك، وفي هذه البينية تتجلى المكابدة الإبداعية، التي تجعل الحيرة والقلق سبيلا لمعانقة الجليل؛ وإثارة الدهشة، فالشعر بترسانته اللغوية وخططه الخيالية، وطواقمه الأسلوبية قادر على استنبات البهيّ. بخلق شعر ينتصر للجمال ويناهض تسليع الإنسان وإشاعة القبح والخراب. كنصّ مفتوح على العدم كتعبير عن التيه/ الشتات/ الامّحاق/ النزوح القسري/ العذابات/ القهر العولماتي، هذه ملامح عصر يعرّي حقيقة العقلانية الأوروبية والغربية المتطرّفة. هذا الخراب يقاومه الشعر العربي والإنساني بإرادة الجمال المشرقة، شموسه على بِقَاعِ العالم، فحين يصدح شاعر ما في ركن من زوايا الكون؛ فهو يدين سيرة الخراب السّارية على لسان المشردين والنازحين والمعطوبين والثكالى والحيارى، ولعل الشعر العراقي والسوري يحتفي بهذا الخراب الناجم عن عجز اللغة أمام شراسة الرصاص، شعر يؤرخ للبشاعة البشرية. هذا الوضع الكارثي فرض على الشعر الاحتفاء بالخراب كتعبير عن رغبة الشعراء في الحياة.
(2)
إن الشعر ضرورة وجودية، بها تستطيع الإنسانية الخروج من وضع العابر إلى وضع المقيم، إذ لا يمكن للكائن البشري أن يعيش بعيدا عن العالم الذي يوجد فيه، إلا أن هذا التواجد ينبغي أن يكون مرتبطا بالجانب المعنوي المتمثل في العودة إلى الشعر كملاذ للحماية من المشاعر البلاستيكية السائدة في زمن مُعَوْلَم، قاتل لكل العواطف النبيلة والجيّاشة، زمن لا يؤمن إلا بالقيم الاستهلاكية المخرِّبة للأواصر العميقة بين الإنسان والإنسان، بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والكون. إن هذه العولمة تمكّنت من القضاء على جوهر الخيال والحلم، منتصرة للعابر والزائل، محاربة الجوهري والأصيل في الإنسان منذ آدم عليه السلام.

الشعر ضرورة وجودية، بها تستطيع الإنسانية الخروج من وضع العابر إلى وضع المقيم، إذ لا يمكن للكائن البشري أن يعيش بعيدا عن العالم الذي يوجد فيه.

إن الإنسان، في هذه اللحظة التاريخية، يمرّ من حالة استلابية بفعل ما يشهده العالم من ثورة تقنية هائلة أتت على كل ما يعزّز حضوره، فالغياب هو لسان الحال، فلا رغبة له في العودة إلى الذات حتى يستنير بنبضات الروح، ويفيض بِعَبَق الأقاصي الفوّارة بالعشق والحب، الفرح والترح، الأمل والألم، الصحو والغفوة، بتعبير آخر عليه أن ينصت لهذه المتناقضات والصراعات الخفية التي تحياها هذه الذات في علاقتها بنفسها، ثم بعد ذلك فتح كوّات لإضاءة المعتم في الوجود، عبر حوارية هادئة شعريا وإبداعيا لكي يسترجع الكائن دوره في هذه الحياة، وتلك لعمري مهمّة الشعر الذي يتعرّض لأشنع حرب منذ بداياته الأولى. لكونه صمّام الأمان للبشرية كلها. هذا الكلام ينبغي عدم اتخاذه مأخذ الهزْل والتّشفّي من الشعر الذي أصبح سيرة المجالس والملتقيات والندوات وبيوتات الثقافة والفكر، مُشيّعِينَهُ إلى مقبرة النسيان، بعد أداء صلاة الجنازة على أعظم فن في الوجود، بل إننا اليوم، في أمسّ الحاجة إلى الشعر لا لشيء إلا لأنه الفن التعبيري الذي لا محيد للإنسانية عنه، نظرا للدور المهم الذي أدّاه ومازال يؤدّيه في تاريخ الحضارات، لقد عكس حقيقة الموجود في الوجود، والأكثر من ذلك عرّى الشعور الرهيب الذي تواجهه الذات أمام جبروت العالم الذي يظل في خانة الالتباس، وأمام الأسئلة المستفزّة والحارقة، الملتبسة والغامضة، المحيّرة والمضنية المرتبطة بالفناء كمعضلة وجودية تجابه الإنسان بصفة عامة، وتدفع الشاعر، بصفة خاصّة، إلى مقاومتها بالكتابة الشعرية.
(3)
اللحظة الوجودية، اليوم، تفرض العودة إلى الينابيع الأولى للنّهل من زلال التجارب الشعرية ذات البعد الكوني، حيث عذوبة الروح التوّاقة للجميل والبهي والجليل، ولا عجب في ذلك، مادامت الإنسانية تعيش لحظات مربكة ومخيفة في مسيرة الوجود البشري على هذه البسيطة. فالموت المجاني عنوان الألفية الثالثة. إن الدعوة إلى عودة الإنسان إلى رشده حُجّة على ما وصلت إليه الحضارة المعاصرة من تراجع مخيف في القيم، لأن الرأسمالية المتوحشة حوّلت الإنسان إلى سلعة بدون روح، وعندما تطغى الماديات في حياة الناس إعلم أن ذلك بداية الانهيار القيمي، وإشاعة ثقافة التسطيح، والابتعاد عن جوهر الكائن. غالبا ما يجد الشاعر نفسه وحيدا في مواجهة هذا الفراغ الوجودي، مدجّجا بذخيرة التجربة والخيال، راسما خططه الشعرية باللغة التي تشكل عصب الإبداع، ودعامة أساس في بنية التعبير، وهنا مكمن سر الكتابة الشعرية. هذا السر المحاط بكامل السرية بين الشاعر وذاته، بينه وبين التيه الذي يمارسه لحظة انبثاق حدسه اللانهائي محاولا شن هجوم على الواقع المتحوّل واللابس لبوس الاستغراب، وبينه وبين سؤال الوجود المستعصي على الفهم والإدراك، وفي هذه البينية تتجلى المكابدة الإبداعية، التي تجعل الحيرة والقلق، السفر الداخلي صوب الأقاصي الدفينة ومطاردة الخارج بغية طمسه إبداعيا في معالم الكون الشعري، هذا الطمس ما هو إلا لعب ولهو مادامت الكتابة لعبة لا يفقه شروطها وقوانينها، مغالقها ومداخلها إلا من يمتلك القدرة على تحويل القبيح الذميم إلى جليل جميل؛ يثير الدهشة والجلال. فالشعر بترسانته اللغوية وخططه الخيالية، وطواقمه الأسلوبية قادر على استنبات الجلال وزرع الرغبة في الحياة. هذه الأخيرة التي لن ينالها إلا الراسخون في محنة الأرق، ووجع السؤال الحارق والخارق لمنظومة النسق الشعري الغارق في تهويمات بلاغية موغلة في الإبهام، بخلق شعر ينتصر لزمن وجودي مضطرب، مقلق، مرتبك ومربك، زمن مغرق في تسليع الخلْق، وتشويه حقيقة الخالق، ما انعكس على الفكر الإنساني الذي غدا رهين بؤس الثقافة، بتغييب العقل والانتصار للقبح والخراب.

الخراب، اليوم، نص مفتوح على الموت، أي اللاحياة، بعبارة دقيقة على العدم، بل يمكننا الذهاب بعيدا إلى التأكيد على أنّه الهوية الحضارية التي تعيشها البشرية التي فقدت إنسانيتها.

(4)
فالخراب، اليوم، نص مفتوح على الموت، أي اللاحياة، بعبارة دقيقة على العدم، بل يمكننا الذهاب بعيدا إلى التأكيد على أنّه الهوية الحضارية التي تعيشها البشرية التي فقدت إنسانيتها. إن الخراب كتاب الموتى الجديد المكتوب بلغة التيه/ الشتات/ الامّحاق/ النزوح القسري/ العذابات/ القهر العولماتي، هذه ملامح عصر يدّعي العقلانية المتطرفة، التي نقصد بها وصول العقلانية الأوروبية والغربية بصفة عامة إلى الباب المسدود، ما انعكس على كينونات بشرية حكم عليها بإعدام وجودها على البسيطة، هذا الخراب يقاومه الشعر العربي والإنساني بإرادة الجمال الذي يشرق شموسه شاعر في بقع من بقاع العالم، حين يصدح شاعر ما في زاوية من زوايا الكون بموسيقى الروح وهي تعزف إيقاع الحياة، رغم سيرة الخراب التي تسري على لسان المشردين والنازحين والمعطوبين والثكالى والحيارى، ولعل الشعر العراقي والسوري يحتفي بهذا الخراب الناجم عن انهيار اللغة أمام شراسة الرصاص، شعر يؤرخ للبشاعة البشرية، إذ يختفي بالجثث، والمقابر، والليل السادر بقوة على النصوص الشعرية، تعبيرا عن الظلام العالمي السائد، شعر ينزف بجرح أبدي لأوطان تؤمن بأحقيتها في الحياة.. هذا الوضع الكارثي فرض على الشعر الاحتفاء بالخراب والعدم.
(5)
الانتصار للشعر هو انتصار للحياة والجمال، انتصار للروح/ الباطن، ولإرادة الكائن الشعري في تحويل هذا السأم العولماتي المستشري في روح الإنسان المعاصر، الذي غيّب ما هو جوهري فيه؛ وانساق خلف ثقافة استهلاكية حوّلته إلى كائن مُفْرَغ من كل إحساس نبيل وسامٍ، فالعولمة التي جاءت بثقافة البطن وتغييب ثقافة العقل أسهمت في إشاعة الضحالة الفكرية والقضاء على العميق والأصيل في الإنسان. إنها عولمة الشّرّ التي تكرّس الذهنية الغابوية، حيث افتقد الإنسان فيها كل ملامحه وسماته وخصاله الإنسانية. هذا الانتصار المجّاني للظلام الفكري يحفّز الشاعر على أن يكون السراج المضيء للعتمات البشرية في ظل حضارة تأكل هذا الإنسان وتلتهم كل الأشياء الجميلة النابعة من الداخل، والنابضة بروح الحياة.
خارج النص:
«حَاضِناً فَرَاغَ الظَّهِيرَة
أُرَتِّبُ لِلْمَعَنَى حَيَاةً جَدِيدَة
أَطْرُدَ مِنْ سَمَاءِ الْعَشِيرَةِ أَبَدِيَةَ اللَّيْلِ
كَيْ أُعَانِقَ شَمْسَ الْحَيَاة»

٭ شاعر من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية