“حي السماوات” مجموعة الشاعر العراقي حسام السراي: “توأمَة” الرماد بين نيويورك وبغداد

باسم المرعبي
حجم الخط
0

يمكن قراءة قصيدة حسام السراي “حي السماوات السبع” في بعدها الانتمائي العراقي، وهو بعدٌ حاضر بقوة، إن لم يكن طاغياً، حتى ليكاد يشطر القصيدة، على الرغم من أنّها مكرّسة في المقام الأول لنيويورك، المدينة التي عرفها الشاعر في زيارة لها. وهذه فضيلة تُحسب للشاعر الذي لا ينفك يؤكد انتماءه وشغفه، خطاباً وواقعاً.

والانتماء هنا يتجسد عبر اعتناق بغداد، على وجه الخصوص، وهي فضلاً عن ما تحتمله من رمزية فائقة، فإنها مدينة الشاعر الأم. وبغداد التي انتهت مشظّاةً باتجاه أكثر من راية وادّعاء، تحضر في القصيدة، مجرّدة من إرثها، حيث حاضر متجهّم ينسخ ماضياً بعيداً، بكلّ تجلياته الذهبية المشعّة، ماضٍ لا يدلّ عليه أو يذكّر به في القصيدة سوى الاسم “المدينة المدوّرة”، إذ: “لا عمران الآنَ نباهي به العهد القديم، والمعماريون، رفاق الوديعة الغائبة، عاطلون عن العمل، وواحدهم صار لاجئا، أو مهاجراً، وطن “صناديق الاقتراع” انتقم منهم شرّ انتقام وشرّدهم أشنع تشريد، والبِناء المنكفئ، صامت ومزركش برصاص الطوائف”.

وفي التوأمة ـ وهي هنا بمعنى القاسم المشترك بين المدينتين (بغداد ونيويورك)، كما يذهب إلى ذلك المقال ويستخلصه، هذا المشترك هو بعض من تعريفات وتوصيفات عديدة يمثلها ويختصرها ما يُعرف بـ”توأمة المدن” ــ وهو مصطلح يخصّ أساساً مجالات أُخرى كالعمراني والسياسي والاجتماعي وسوى ذلك ـ التي سعى إليها الشاعر بالجمع بين مدينتين بكل ما بينهما من فوارق وما فيهما من مفارقات. وعلى الرغم مما ينتج عن ذلك من إيحاء بمقارنة ما، إلّا أنّ مثل هذه المقارنة، لو صحّت، لم تكن بقصد تضئيل بغداد إزاء نيويورك، حتى لو كان كلّ شيء في هذه الأخيرة (يُصاغ بانتظام)، إذ هما على قدم المساواة، لكنها مساواة الرماد، وهو على أية حال، رماد آني لمدينة مثل نيويورك كما في “برهة” تدمير البرجين، وقد أهالته (طائرتان متقدتان بين السحب). وذلك على العكس من حالة بغداد المقيمة، دائماً، على الجراح والرماد منذ سقوطها، بدءاً، في العام 1258، مروراً بسقطاتها وعثراتها وحرائقها المتتالية، وصولاً إلى لحظتها الراهنة، لتُنجز بذلك تاريخاً تاماً من الرماد. هذا ما يمكن أن تؤول إليه مضاهاة كهذه أو استحضار لا تُحسنه سوى (ذاكرة هاربة من مصحة نفسية)، حيث من مرمدة احتراق وانهدام البرجين في نيويورك “تبزغ” مرمدة مجمع الليث في الكرادة، ببغداد، لتتعانق المصائر، على ما بينهما من مسافات وأزمنة، بقوة النار والهلع:

 “… بأسوَده الوافد مثلك تهبط على رماد مركز التجارة العالمي، في ساعة كان فيها مجمع الليث البعيد حيّاً، المكان البغدادي الكرّادي، بعد آلاف الساعات، في الـ 3 من تموز 2016، موديلاته الجديدة تفحّمت، الباعة فيه تحرّقوا، ومَن اشتريت منهم الـ Coat، الأخوة الثلاثة مسعود وحسن ومصطفى، ماتوا ألف مرّةٍ وما استراح منهم الموت”.

وإذا كان هجاء نيويورك قد أضحى نوعاً من تقليد لدى الشعراء، فإن حسام السراي اختار مُواءَمة المدينة، عدا إشارات ملتبسة، وهو لا يُخفي دهشته إزاءها. وما عنوان قصيدته سوى عنوان دهشة وانبهار: “حي السماوات السبع”، حيث السكن في فندق من ثمانية وثلاثين طابقاُ:

“ومن نافذة الفندق الشاهق

في ثانية واحدة..

هي زلزال يضرب ذاكرة هاربة من مصحة نفسية،

تدقق في كمائن العالم وظرائفه،

فتدرك الآن أنك تقيم

في حي السماوات السبع”.

ليعقد في الوقت ذاته، صلة شخصية بين ما التقطته عيناه من مشاهد المدينة لروايتها، سواء في حزنها أو مسراتها، وبين لحظات سيرذاتية تتجه على الدوام إلى الاشتباك بما هو عام. فرؤية بيت الممثل روبرت دي نيرو ـ على سبيل المثال ـ الذي تشير إليه دليلة أربعينية، في مبنى هناك، كما تسرد القصيدة، تستدعي لدي الشاعر لحظات تتصل بلحظات صيرورته، بل حتى ما قبل صيرورته، لكنها غير منفصلة، بأيّ حال، عن مصير البلاد:

“………

الإيطالي الذي في الأعالي،

شرفته فارغة إلّا من مائدة المجد المستحيل

لا ينتظر بهاء الشمس،

فأطيافها حطت عند رأسه قبل أربعين عاما

يوم لم تكن أنت حتى نطفة مؤجلة،

يوم لم تُحسب بعد نبضة تتحرك في الأحشاء

………

يوم لم تُهدهدك هذه المرأة،

لأنّ الأُمّ مشغولة بوحشة الأبيض والأسود في التلفاز،

وبالمذيع يلهج بقافية الفَناء: “جاءنا البيان التالي”.

والجملة الأخيرة تشير إلى واقع الحرب العراقية الإيرانية، كما خبِره العراقيون وكما يؤكد سياق القصيدة، المخترَقة بالشخصيّ وقد اتخذت مسارين رئيسين، هما نيويورك: المشهد الأُم الذي يحيل بدوره إلى بقية المشاهد والتداعيات، والمسار الثاني هو بغداد، وقد بدا كأنّه المسار الأصل في القصيدة لكثافة حضور هذه المدينة ودرامية وقائعها، مضافاً إليهما، كما تمّ التلميح إلى ذلك، السيري المشتبك بالمسارين السالفين معاً.

والفتى الشرقي، البغدادي (آثر الشاعر استخدام المشرقي)، الذي تتنازعه الهواجس في فضاء غريب، جديد وفاغر هو الفضاء النيويوركي لا يكتم شعوره بالعري، (يكاد يقول: العار) حيث تُفرده النظرات هناك، بأثر من سحنة موروثة تستجلب العيون كما تستجلب الأسئلة في المطارات عن الهويات الفرعية، التي صار ينوء بها العربي ـ الشرقي، عموماً، حتى بين أبناء جلدته، وكأنه يحمل “أوزار” أمته كاملةً أو انتماءاته الصغيرة الأُخرى:

“فجأة، عجوز يجتاز فزَعاً فيك

يقرأ من تحت معطفٍ يسترك

عُري أُمّة”.

ومثلما كانت الذات في القصيدة صوت نفسها فإنها في الوقت عينه كانت صوت المجموع، من هنا تأخذ القصيدة، بنيةً ومعنى، طابع النشيد. لكنه نشيد انكسار، بامتياز، انكسار تام سَرى في كل شيء وعلى كل شيء، بدءاً من الذات ـ الذوات التي شغلت القصيدة، حاضراً أو استرجاعاً كذكرى، وانتهاءً بالمكان بفجائعه “الوطنية” بشكل خاص.

وقد سارت تخطيطات الرسام كريم رسن التي صاحبت القصيدة، بالتوازي مع ثيمتها، مُبرزَةً هشاشة الشخوص والأشياء، حدّ التشويه، حتى لكأنّ هذه الهشاشة سرت إلى الخطوط ذاتها وقد كان الأبيض والأسود الذي بدت عليه، مستلاً من عروق القصيدة أو هو يصبّ فيها، وفي توظيف الأسود، وقد أضفى مرأى سخامياً ودخانياً على العناصر المكوّنة لأغلب الرسوم، تأكيد على ملمح قد يكون الأهم من ملامح القصيدة وخصيصة عضوية فيها، متمثلاً بوقائعية الحرق أو ما دعاه الشاعر (أمثولة حرائق).

وعلى الرغم من المقاطع الخمسة التي عنونَها الشاعر، باستدراكات والتي تخلّلت نسيج القصيدة، فقد بدت “حي السماوات السبع” قصيدة متراصّة في مجملها، وكانت هذه الاستدراكات بمثابة الصوت أو الحوار الداخلي فيها، الذي راوح الشاعر بينه وبين المتن الأساس، الذي يمكن تسميته بالصوت الجهير (العالي)، مراعياً أن يكون ذلك وفق نسق صلد، متكامل.

حسام السراي: “حي السماوات”

دار الرافدين، بيروت 2017

51  صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية