إطلاق الصواريخ على تل أبيب مساء 14 آذار نفذ في ذروة جهود وساطة مصرية بين حماس وإسرائيل حول تنفيذ المرحلة القادمة من التفاهمات بينهما. وداهم الجهات الأمنية في إسرائيل وكذلك المستوى السياسي بمفاجأة مقلقة. سواء نفذت العملية بصورة متعمدة أو نتيجة خطأ (مثلما نشر) فإن إطلاق الصواريخ ورد إسرائيل عليها دلالة على أن حماس تواصل سياسة التحدي والاستفزاز، في الوقت الذي تسيطر فيه على التصعيد وتملي قواعد اللعب مع إسرائيل. بناء على ذلك، فإن استراتيجية ردع إسرائيل لحماس والتنظيمات الأخرى التي تعمل في القطاع تم استنفادها. سياسة إسرائيل الحالية التي تسعى إلى ضبط النفس والتهدئة بواسطة التسهيلات في الحصار على القطاع وتعزيز الردع أمام حماس لا تواجه المشكلات الأساسية في هذه المنطقة. قطاع غزة تسوده أزمة إنسانية متواصلة بدون إصلاح، الخاضع لسيطرة حماس ـ وهي جسم متطرف يؤيد استخدام الإرهاب ضد إسرائيل، واحتمال عودة السلطة الفلسطينية للحكم في القطاع آخذ في التضاؤل. من أجل مواجهة هذه المشكلات ثمة خياران. الأول، الاعتراف الرسمي بحكم حماس في القطاع، وفصل المنطقة عن الضفة الغربية وإسرائيل. والثاني، مواجهة عسكرية لنزع سلاح حماس والتنظيمات الأخرى في القطاع.
إطلاق الصواريخ من نوع «فجر ام 75» على تل أبيب مساء 14 آذار كان مفاجئاً للأوساط الأمنية الإسرائيلية والسياسية. صحيح أن التقدير بشأن احتمال التصعيد أمام حماس في الفترة قبل الانتخابات للكنيست التي ستجري في 9 نيسان، كان على جدول الأعمال، وأيضاً على خلفية مرور سنة على بداية مسيرات العودة والأحداث التي جرت خلالها على طول جدار الحدود بين غزة وإسرائيل، ولكن الإطلاق نفذ في ذروة جهود وساطة مصرية بين إسرائيل وحماس حول تنفيذ المرحلة التالية من التفاهمات بين الطرفين: تهدئة أمنية مقابل توسيع التسهيلات على دخول وخروج البضائع من القطاع وكذلك الدفع بمشاريع بنية تحتية لتحسين نسيج الحياة في المنطقة.
من هنا ليس واضحاً من قرر ولماذا اختار المقامرة بهذا التوقيت وإطلاق سلاح استراتيجي على منطقة دان.
كل مراكز القوة في القطاع تنكرت على الفور من المسؤولية عن الإطلاق. أما حماس والجهاد الإسلامي فهما من لهما قدرة على إطلاق صواريخ بمدى 75كم من (نوع فجر ام 75). الجهاد الإسلامي يعمل على الأغلب بصورة مستقلة وأحياناً يكون موجهاً من قبل قوة القدس في حرس الثورة الإيراني. ولكن يمكن إعطاء الثقة لنفيه الإطلاق، لأن تحمل المسؤولية كان يمكن أن يخدم الصورة القتالية التي يتفاخر بها. أيضاً حماس كانت حذرة وخشيت في البداية من تحمل المسؤولية عن الإطلاق. ولكن بعد أن كشف الجيش الإسرائيلي بأن الأمر يتعلق بإطلاق من قبل حماس، تغيرت الرواية الرسمية وبدلاً منها تم الحديث عن خلل في الأوامر أو خلل فني أدى إلى الإطلاق (قائد حماس في غزة، يحيى السنوار، أرسل للوفد المصري رسالة بأن الإطلاق نفذ بالخطأ في إطار صيانة الصواريخ). قيادة حماس من ناحيتها تفهم أن إسرائيل ترغب في الامتناع عن التصعيد على الأقل حتى موعد الانتخابات. لذلك هي مستعدة لرفع نسبة المخاطرة. وحتى الآن إطلاق الصواريخ على تل ابيب هو انحراف خطير عن قواعد اللعب، كما هي مقبولة على الطرفين في الظروف الحالية.
يمكن طرح تفسيرين لخلفية الإطلاق. الأول، يتعلق الأمر بخطأ حدث في أعقاب خلل في سلسلة القيادة والحكم في حماس. أو في الحالة الأقل معقولية، فشل في صيانة الصواريخ. الإطلاق حدث عندما كان قادة حماس يتناقشون مع الوفد المصري لتوسيع التهدئة. خلافاً لمنحى التهدئة الذي ميز الأسبوع الذي سبق عملية الإطلاق (في أعقاب ضغط مصري تم وقف المظاهرات الليلية على طول الجدار وتم إطلاق عدد أقل من البالونات الحارقة على إسرائيل). إسرائيل وافقت على التعاون مع الجهود للتوصل إلى هدوء طويل المدى، إلى ما بعد فترة الانتخابات، فعدم رغبة الحكومة في حرب في غزة واضحة للجميع. طموح إسرائيل ووجه بمنطق استراتيجي لحماس يقول إنه يجب السعي إلى استقرار الوضع في القطاع، وإعادة الإعمار وتوسيع النشاطات الاقتصادية فيه، في نفس الوقت تعمل حماس حسب منطق عملياتي للتصعيد المسيطر عليه وأخذ مخاطرات أمام إسرائيل. الازدواجية الظاهرية قد تعبر عن توتر في صفوف حماس بين القيادة السياسية التي تسعى إلى تسوية والذراع العسكري الذي يقول إنه حماس لن تحقق أهدافها بإلا القوة.
حسب التفسير الثاني، فإنه رغم بيانات حماس والجيش الإسرائيلي، فإن الأمر يتعلق بإطلاق متعمد. يصعب تصديق أنه حدث إطلاق صواريخ استراتيجية دون معرفة قيادة حماس، وبدون مبادرتها أو على الأقل سيطرتها. من هنا يثور الشك بأن حماس أعدت مسبقاً صواريخ في وضع «جاهز للإطلاق». حماس يميزها استخدام النار كوسيلة لإدارة المفاوضات مع إسرائيل بوساطة مصر.
حادثة مشابهة في تشرين الأول 2018، حينها أطلق نشطاء حماس صاروخين، الأول على بئر السبع والثاني على غوش دان قريباً من موعد الإنذار النهائي الذي وضعه السنوار لرفع الحصار عن قطاع غزة. أحد المحفزات المحتملة الأخرى للإطلاق هو المظاهرات الكبيرة لسكان مخيمات اللاجئين في القطاع ضد غلاء المعيشة والفقر، التي اندلعت بشكل مفاجئ وقمعتها حماس بالقوة. ربما اختارت حماس حرف الغضب العام والاحتجاج ضد إسرائيل.
بعد أن استنفدت إسرائيل سياستها في الردع
رغم أنهم في الجيش وفي جهاز الأمن نشروا التقدير بأن الإطلاق على منطقة دان كان بالخطأ (هل ارتكزوا على تقرير السنوار للمصريين) فقد أوضح الرد العسكري أن إسرائيل تعتبر حماس هي المسؤولة عما يحدث في القطاع ومنه. حسب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، هاجم سلاح الجو مئة هدف لحماس في أرجاء القطاع، حتى في نفس تلك الليلة. من بين الأهداف كانت منشأة مكاتب لهيئة الضفة الغربية في حماس، في حي الرمال وسط مدينة غزة؛ موقع تحت الأرض للإنتاج الرئيسي للوسائل القتالية الصاروخية؛ موقع لقوة حماس البحرية؛ منشأة تدريب عسكري تستخدم كمركز للوسائل الجوية غير المأهولة من قبل حماس في جنوب القطاع وكذلك مواقع بنى تحتية تحت الأرض. في اليوم التالي، في أعقاب هجمات الجيش الإسرائيلي وجهود التهدئة المصرية، قررت السلطة الوطنية العليا التي تنسق نشاطات القوى في القطاع، وقف الهجمات ضد إسرائيل وتأجيل مسيرات يوم الجمعة على الجدار. المتحدث بلسان الجهاد الإسلامي، داود شهاب، أوضح أن اتصالات جرت بين الفصائل الفلسطينية والمصريين ليلاً، والفصائل ردت بالإيجاب على جهود مصر من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار، وأنهم ملتزمون به طالما أن إسرائيل توقف «عدوانها».
أظهرت مصر في السنة الأخيرة مشاركة عميقة في الوساطة بين إسرائيل وحماس وبين التنظيمات الفلسطينية نفسها، وقد نجحت هذه المرة أيضاً في وقف التصعيد.
القاهرة تعمل بتنسيق مع نيكولاي ميلادينوف، مبعوث الأمم المتحدة، وجيسون غرينبلات، المبعوث الأمريكي في الشرق الأوسط، من أجل أن ترفع مكانتها وتصميمها أمام الإدارة الأمريكية، وكذلك في المحيط الإقليمي. يبدو أن القاهرة وعدت الإدارة الأمريكية (ربما أيضاً إسرائيل) بمنع الاشتعال على الحدود بين إسرائيل وغزة قبل موعد الانتخابات الإسرائيلية.
تقدير
إطلاق الصواريخ ورد إسرائيل عليها دلالة أخرى على أن حماس تواصل سياسة التحدي والاستفزاز في الوقت الذي تسيطر فيه على التصعيد وتملي قواعد اللعب مع إسرائيل. بناء على ذلك فإن استراتيجية الردع الإسرائيلية إزاء حماس والتنظيمات الأخرى التي تعمل في القطاع، استنفدت. الأحداث الأخيرة ترسخ التقدير بأنه طالما أن قيادة حماس تشعر بأنها مهددة وتحت الضغط، حتى عندما يكون مصدر هذا داخلياً ـ شعبياً، فهي تختار الاستفزاز العنيف لإسرائيل من خلال التقدير بأن إسرائيل لا تسعى إلى تفكيك حكمها وإلى نزع سلاحها وتجريدها من قدرتها العسكرية. لعمليات الجيش الإسرائيلي في القطاع تأثير قصير المدى، إذا وجد أن الأمر يحتاج إلى فحص عميق من ناحية إسرائيل لنماذج العمل من أجل تغييرها.
سياسة إسرائيل الحالية التي تسعى إلى ضبط النفس والتهدئة بواسطة تسهيلات في الحصار على القطاع وتعزيز الردع أمام حماس لا تقوم بمواجهة المشكلات الأساسية في القطاع. فهو في أزمة إنسانية متواصلة بدون إصلاحات (في الظروف الحالية)، وتحت سيطرة حماس، ذلك الجسم المتطرف الذي يؤيد عمليات الإرهاب ضد إسرائيل، واحتمال عودة السلطة للسيطرة على القطاع يتضاءل. من أجل مواجهة هذه المشكلات يقف أمام إسرائيل بديلان. الأول، الاعتراف الرسمي بحكم حماس في القطاع وفصله عن الضفة وإسرائيل، ومن هذا سينبثق رفع الحصار البحري المفروض على المنطقة وفتحه على العالم الخارجي. وليس عبر إسرائيل. المسار المفضل للدخول إلى القطاع والخروج منه هو عن طريق مصر، ومن أجل ذلك مطلوب تليين معارضة القاهرة بواسطة عرض مساعدة دولية اقتصادية كبيرة والمبادرة إلى مشاريع اقتصادية في شمال شبه جزيرة سيناء تخدم مصر وكذلك سكان القطاع. إذا بقي هذا المسار المصري مغلقاً مع كل ذلك، فسيطلب من إسرائيل السماح بإقامة ميناء بحري في غزة، الذي سيتم تشغيله من قبل جهاز دولي مع عبور للبضائع عبر ميناء ترانزيت في قبرص أو في العريش، وهناك يتم إجراء الجزء الأساسي من الفحص الأمني من أجل تقليص المخاطرة بتهريب وسائل قتالية إلى القطاع.
مواجهة عسكرية
الثاني، مواجهة عسكرية لتجريد الذراع العسكري لحماس والتنظيمات الأخرى في القطاع من سلاحها. من أجل ذلك الأمر سيحتاج إلى عملية عسكرية كبيرة وطويلة، تشمل أيضاً هجوماً برياً في عمق القطاع والأضرار الشديد بالبنى التحتية القتالية في المنطقة ـ نشطاء، وسائل قتالية، أنفاق، مواقع إنتاج وتخزين، مواقع قيادة وسيطرة.
هدف هذه المعركة سيكون ثلاثياً: نزع سلاح الابتزاز والإضرار إلى درجة تفكيك سلطة المنظمة في القطاع؛ وتجسيد وترسيخ المطلب الإسرائيلي لنزع السلاح من المناطق الفلسطينية من قدرتها الإرهابية والعسكرية التي تهدد إسرائيل والتي تسري في الوقت الحالي فقط على مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية؛ وخلق ظروف لإعادة القطاع إلى سيطرة السلطة الفلسطينية والدفع قدماً بعملية سياسية (بروح خطة ترامب)، التي تشمل تجنيد موارد كبيرة لإعادة إعمار القطاع. إذا خشيت السلطة الفلسطينية في المرحلة الأولى من تحمل المسؤولية عن القطاع فمن الضروري تشكيل جهاز دولي ـ عربي ـ على نمط نظام الوصاية ـ لتهيئة الظروف لعودة السلطة إلى القطاع أو تشكيل جهاز للإدارة الذاتية للسكان. عملية عسكرية ستكون بالضرورة يكتنفها مصابون كثر في الطرف الفلسطيني وكذلك الإسرائيلي (جنود ومدنيون). لذلك فإن تطبيقها سيحتاج إلى موافقة واسعة في إسرائيل. مع ذلك، في كل سيناريو في هذا السياق يمنع على الجيش الإسرائيلي البقاء في مناطق القطاع ـ حتى لو لم يوجد جسم مسؤول يحكم في المنطقة.
معركة عسكرية لنزع سلاح الذراع العسكري لحماس ستخلق بنية تحتية لمعركة التفافية بعد خروج القوات الإسرائيلية من القطاع. تنفيذ اقتحامات طبقاً للحاجة، وتفكيك بنى إرهابية مثلما هي الحال في الضفة الغربية وتغيير نظرية العمل ضد الإرهاب.
من الموصى به لحكومة إسرائيل التخلي عن نظرية الردع ضد حماس، بسبب التآكل في صلاحيتها، والسعي إلى تغيير السياسات إزاء القطاع من أجل تغيير الوضع في المنطقة من أساسه. من أجل تنفيذ هذين البديلين يحتاج الأمر إلى استعداد إسرائيل لعملية عسكرية واسعة ضد القدرات العسكرية لحماس وإلى تغيير قواعد اللعب التي ترسخت في السنوات الاخيرة. الاستعدادات لعملية عسكرية يجب أن تشمل أيضاً بلورة أجهزة، بأفضلية دولية لإدارة القطاع في اليوم الذي سيعقب تجريد حماس من قدراتها وربما أيضاً انهيار حكمها. استعدادات حقيقية قبل العملية العسكرية ضد قدرات حماس وسلطتها ستغير معادلتها لـ «ثمن الخسارة»، التي تواصل حماس في إطارها تحديها العنيف لإسرائيل على أساس تقديرها بأن غياب بديل لحكمها وخشية إسرائيل من عملية عسكرية واسعة في القطاع، تمنحها بوليصة تأمين.
اودي ديكل
نظرة عليا 20/3/2019