للفلسطينيين، وخاصة الغزيين الذين يعيشون تحت حكم حماس، أسباب جيدة للتمرد، وهم لا يحتاجون إلى نماذج للتقليد. ولكن دائماً من الجيد أنه في المحيط القريب أو البعيد هناك تمرد آخر للمجموعات السكانية المقصاة. تمرد الجمهور في الجزائر في الأسابيع الأخيرة أنعشت لدى عدد منهم الذكريات المنسية من ايديولوجيا فرانس كانون وكتابه «المعذبون في الأرض»، الذي كان مصدر الهام لمحاربي الحرية في الجزائر ومقاتلي التحرر الفلسطيني في بداية طريقهم. المظاهرات في القطاع وفي الضفة بين الفينة والأخرى هي نقاط غضب متراكمة على محور الزمن، وهي تذكر بما حدث في السنوات السابقة من ثورات «الربيع العربي».
هنا في القطاع أيضاً، مشاعر الخوف والغضب واليأس التي تسكت من الداخل بالتدريج مشاعر الخجل والغضب على تجربة طويلة من الظلم والإهانة والقسوة والقمع من قبل السلطة. شبيهاً بما حدث في تونس ومصر فإن منظمي المظاهرات في غزة أعلنوا أنهم لا ينوون إسقاط حكم حماس بالعنف، وكل ما يريدونه هو الحرية والعدالة والعيش بكرامة، بدلاً من القمع والاستعباد والفساد والإقصاء. مثل أخوتهم في الدول العربية المجاورة هم يريدون أن يكونوا بشراً ومواطنين وليسوا عبيداً. هم يريدون العيش مثل أبناء الحاكم ويطلبون من جميع الفصائل الفلسطينية ـ حماس والجهاد وفتح والجبهة الشعبية ـ التوقف عن سرقة الصندوق العام.
شبيهاً بالتمردين في مصر وتونس، فإن الغزيين يتحررون بالتدريج من الوعي الكاذب الذي يقول إن الحكام سيحدثون التغيير بإرادتهم في بنية السلطة. إطلاق النار الحية من قبل شرطة حماس في غزة شبيه بإطلاق النار الحية في مصر وتونس ويدل على اللحظة التي فيها يبدأ المواطنون بفهم أن السلطة لا تعتبرهم بشراً أو أبناء عائلة، بل أشياء يمكن قتلها أو استغلالها مثل لحم للمدافع على جدار الفصل مع إسرائيل. هذه لحظة حاسمة من ناحية عاطفية، التي يفقد فيها سلاح المقاومة قدسيته في نظر الجمهور. في هذه الأثناء يتحول الغضب إلى كراهية، تكسر حاجز الخوف وتزيد الاستعداد للمخاطرة والانتقام.
عندما تفقد السلطة السلاح الأساسي الذي لديها أمام السكان ـ الخوف والخجل ـ يحدث انقلاب في معايير الخضوع. السلطة التي أخافت وضربت الجمهور، يجب عليها أن تخاف منه. السلطة التي جعلت الجمهور يخجل يجب عليها تحمل المسؤولية وأن تخجل من أفعالها ضده. المتظاهرون ينشرون صوراً لموظفين في أجهزة أمن حماس ويشاركون في العنف ويحذرون: «نحن مجتمع قبلي وحينا صغير، الجميع يعرفون بعضهم». حماس أنشأت وحدة للملاحقة الليلية لجنود الجيش الإسرائيلي قرب الجدار. الآن المتظاهرون يدعون لتشكيل وحدات للملاحقة الليلية ضد حماس، ويقولون إنهم لن يكونوا وقوداً لحماس في حربها ضد إسرائيل.
في ظل تخوف سكان القطاع وسأمهم من حكم حماس
وشبيهاً بالانتفاضات في مصر وتونس، المتظاهرون في غزة يميزون بين رجال الشرطة والجيش. الشرطة التي هي فرع لوزارة الداخلية لحكومة حماس، لا يخافون من عرضهم كـ «مافيا مسلحة وخائنة للشعب»، «خنازير وكلاب سمينة، «مصاصو دماء» و«تتار جدد»، يعيشون في القصور ويثيرون الذعر ضد أبناء شعبهم. في المقابل، رجال الذراع العسكري لحماس، كتائب عز الدين القسام، ما زالوا يعتبرون أنه يجب عليهم الوقوف إلى جانبهم والدفاع عنهم والانتقام لهم على مشاركتهم في كل الجولات العسكرية مع إسرائيل، بما في ذلك مسيرات العودة التي بدأت في آذار 2018.
المتمردون أصبحوا غير مستعدين للقبول بخضوع المعادلة: «شرطي جائع يطلق النار على مواطن جائع من أجل الدفاع عن قائد شبعان يعيش أولاده برفاه ويمكنهم السفر إلى أي مكان». هم لم يعودوا مستعدين لقبول الممارسات السيئة لحماس عندما تعتبر الشباب ثوريين في الوقت الذي يخدمون فيه الأجندة السياسية لحماس واعتبارهم خونة وعملاء مع أجندة لجهات أجنبية عندما يطلبون العيش بكرامة.
إذاً يبدو أن الوضع الاقتصادي ليس هو الذي يحرك الانتفاضة في غزة، بل أيضاً وبالأساس الشعور بالإهانة المرافق للوعي بأن الثراء وفرص التقدم واحتكار اتخاذ القرارات السياسية هي في أيدي مجموعة صغيرة وفاسدة. هذه ثورة جياع لم يعودوا مستعدين للاكتفاء بالفتات والطرق المهذب على باب الحاكم.
الآن يتم طرح سؤال: هل كتائب عز الدين القسام ستقف إلى جانب الجمهور مثلما وقف الجيش في تونس ومصر، ويشيرون إلى المستوى السياسي في حماس إلى الطريق نحو الخارج، أم سيفضلون الوقوف إلى جانب القيادة الحالية لحماس، الفاسدة والمترددة، ويجرون القطاع إلى حرب أهلية دموية وقاسية.
رونيت مارزن
هآرتس 20/3/2019