وائل عبد العالكان إدوارد سعيد في، أطروحته ‘الاستشراق’، أبرز من فكك النظرة الفوقية للأكاديميين الغربيين الدارسين للشرق، والمصطلح على تسميتهم بـ’المستشرقين’. هؤلاء المستشرقون المنتشرون في جامعات غربية مرموقة، أو في مراكز أبحاث واستشارات سياسية، استراتيجية وأمنية، انطلقوا في دراستهم للعرب والمسلمين من المنطق التصنيفي الاستعلائي (نحن) و(الآخر)، ونحن ـ في منطقهم – تعني التقدم، والرقي والحضارة، أما الآخر فهو رجعي، متخلف ومتوحش.
فمن نظرية صاموئيل هنتينغتون لصراع الحضارات، إلى طروحات دانيال بايب العنصرية ضد العرب والمسلمين، إلى برنارد لويس الذي يلقب بـ’ملك الإسلاموفوبيا’، إلى هؤلاء الذين نصحوا بالحرب على العراق، وآخرين أشاروا الى تقسيمه إلى ثلاث دول، واحدة للأكراد، والاخرى للسنة، والثالثة للشيعة (وبعض هذا موجود في نشريات أكاديمية بالمناسبة)، شوّهوا صورة حركات المقاومة في فلسطين ولبنان، (هذا لمن اعتبر أصلا حماس وحزب الله حركتي تحرر وطني)، فالأغلبية منهم يصنفون هذه الحركات على الدوام، على أنها حركات إرهابية. وبما أننا نعيش اليوم زخم الثورة العربية، خرج علينا أحد أبرز الأكاديميبن المتخصصين في مجال الدمقرطة بشمال افريقيا لاري دايموند، ليقول إن الثورة التونسية هي حدث لمرة، لن يتكرر مرة أخرى في أي من الدول العربية.
لكن رياح التغيير، التي هبّت من سيدي بوزيد، أتت بما لا تشتهي سفن دايموند وأصدقائه، ولا حكامهم ولا مؤسساتهم السياسية والأمنية. جاءت هذه الثورات، هكذا، بغتة ومن دون سابق إنذار، حتى أنه لا أجهزة الاستخبارات، ولا مراكز الأبحاث تلك لم تكن تتوقع ما جرى حتى في أسوأ الكوابيس، ما جعل الإدارة الأمريكية تلوم أجهزتها لفشلها في التنبــــؤ بهذه الثورات. لقد صوروا الشعوب العربية على أنها قطيع من البهائم، بلا إرادة، يتم اقتيادها وفق رغبات الحكام، يفعلون بها ما يشاؤون، وأن هذه الشعوب لا يمكن أن تثور من أجل الحرية والاستقلال والعيش الكريم. إن ما يجري من حراك وتحول في العالم العربي يضع هذه الفئة من الأكاديميين، ومؤسساتهم في أزمة، ويضع مصداقيتهم على المحك، ويطرح أسئلة كثيرة حول المنهجية التي يتعاطون بها في دراستهم للعرب والمسلمين، كما يضع علامة استفهام أكبر على مؤسساتنا العربية الرسمية وغير الرسمية، وقياداتنا، التي تفتح لهم الأبواب، وتغدق عليهم بكرمها العربي، من مال ومعلومات، وهنا، مفارقة مؤلمة، إذ أن كثيرا من هؤلاء المستشرقين، ومؤسساتهم، يحصلون على مبالغ طائلة من ملوك وأمراء عرب، لتمويل مشاريعهم البحثية، التي هي بالقطع لا تخدم القضية العربية. يحصل هذا فيما جامعات عربية تعاني الفقر وقلة الإمكانيات. لا يظنن أحد أن الحكومات الغربية، وأجهزة مخابراتها، تنفق مئات الملايين على هذه الأفواج من الباحثين الآتية إلى بلادنا، من أجل سواد عيوننا نحن العرب. كلا، إنهم يأتون إلى هنا من أجل أجندات تخدم مصالحهم، يريدون ‘تفكيك الآخر’ حتى يحسنوا التعامل معه. ومن يظن أن هذا العالم حريص على حريتنا وكرامتنا وحقوق إنساننا، فهو واهم. ولا داعي للتذكير بحقبة جورج بوش وتوني بلير، وما حوت من فظائع ضد الإنسان العربي.
وفي هذا الصدد، قد يقول البعض إن الغرب أنشأ الكثير من برامج الديمقراطية وحقوق الإنسان والحكم الرشيد. هذا صحيح، لكن كل هذه البرامج ليست حقيقية. ما الذي فعلته هذه البرامج مع الأنظمة المستبدة، التي تحكم منذ عشرات السنين؟ لاشيء، بل ان بعض القوى الغربية هي التي رعت تلك الأنظمة، ووفرت لها الغطاء، بل وفي بعض الاحيان شاركتها الفساد والظلم. ألم ترسل تلك القوى بعض المعتقلين الى الدول العربية ليتم التحقيق معهم وتعذيبهم هناك؟ هم لا يمارسون التعذيب في بلادهم لكنهم يرسلون أبناءنا ليتم تعذيبهم، في بلادنا، إنه ‘الانفصام القِيَمي’ بحق. اليوم إذ تثبت هذه الديناميكية التي عاشتها، وتعيشها منطقتنا العربية من المحيط إلى الخليج، فشل نظريات هؤلاء الباحثين، يتعين عليهم إعادة قراءة المشهد، بموضوعية وبتجرد، وان يقدموا لمؤسساتهم الأمنية، والسياسية، ولطلبتهم صورة حقيقية لما يجري. كما يتعين عليهم أن يعوا أن النصائح التي قدموها لقادتهم ومؤسساتهم لم تعد صالحة. النموذج الدموي، الذي نصحوا به للتغيير في العراق قد فشل، كما ان اقتراحات تقسيم البلاد العربية، وفقا لنظرياتهم، لن تكون. العالم العربي الذي يعيش مرحلة تحول حقيقي، من الحكم السلطوي الديكتاتوري، إلى الحكم المدني الديمقراطي، سيكون أقرب الى الوحدة والتماسك منه إلى التفتت والتقسيم. هنا تذوب النعرات القبلية، والعرقية والطائفية، والسلطة تكون للشعوب… للشعوب فقط.’ باحث فلسطيني جامعة إكسيتر