أهي نهاية عصر منظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني؟

حجم الخط
0

رغم الجهود المتواصلة للتقريب بين فتح وحماس، فإن الإحساس السائد هو أنه الأمل تبدد في المصالحة بينهما في المستقبل المنظور. على هذه الخلفية تبرز محاولات حماس وغيرها من منظمات المعارضة للتشكيك في مكانة م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني ومكانة فتح العليا في م.ت.ف. أما فتح من جانبها فتخشى جداً هذا التطور، تجد صعوبة في أن تصدق أن هناك من يفكر بالتشكيك بالمكانة التقليدية «المقدسة» لـ م.ت.ف، وترى في مجرد التفكير في هذا الاتجاه خطراً وجودياً على «المشروع العظيم» الذي بنته. أما ما أدخلته إدارة ترامب إلى هذا البحث فهي أمور حرجة، بسبب التشجيع الكبير الذي فيها لخصوم أبو مازن. وبلا إسناد من إسرائيل ودعم من أمريكا، يسحب من تحت أقدام أبو مازن وقيادة م.ت.ف الأساس الذي بني عليه طريقهم على مدى سنوات عديدة.
أما الجمود السياسي فسيتعمق على ما يبدو، وفي غياب إنجاز حقيقي للفلسطينيين في إطار خطة القرن التي تنوي إدارة ترامب وضعها على الطاولة سيتعمق أيضاً إحساس الفشل في رام الله. في هذه الظروف ستجد م.ت.ف صعوبة في أن تشكل «الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني» والسلطة الفلسطينية. إن تضعضع الاستقرار في الساحة الفلسطينية وتصعيد التوتر بين المعسكرين يضع إسرائيل أمام تحد أمني لم تواجهه في السنوات الأخيرة.
منذ فشل المحاولة المصرية الأخيرة لحمل الفصيلين الفلسطينيين الكبيرين على المصالحة، تعاظم الصراع بينهما. فقد أعلن أبو مازن في 22 كانون الأول 2018 عن حل المجلس التشريعي، الذي لحماس فيه أغلبية منذ انتخابات 2006. بعد ذلك في 6 كانون الثاني 2019 أمر مراقبي السلطة الفلسطينية بترك معبر رفح. وهكذا أجبر أبو مازن مصر على إغلاق المعبر وإعادة الحركة فيه إلى صيغتها التي كانت عملياً قبل عودة موظفي السلطة إلى هناك (في تشرين الأول 2017). أي فتح المعبر لفترات زمنية قصيرة وبتواتر متدن. والخطاب الذي نشأ منذئذ بين السلطة وحماس بات شديداً، مفعماً بالاتهامات المتبادلة وبالعدوانية، ويتميز بعدم الاستعداد لاستئناف الحوار.
لقد تلقى هذا التوتر تعبيراً حقيقياً في اجتماع الفصائل الفلسطينية الذي انعقد في موسكو في 12 و 13 شباط بدعوة من وزارة الخارجية الروسية. فقد عارض الجهاد الإسلامي إصدار بيان مشترك في ختام الاجتماع، نجح في أن يجر حماس أيضاً إلى الموافقة على ذلك ومنع، لاستياء المضيفين، نشره. ضمن أمور أخرى، رفض الجهاد الإسلامي وحماس الإشارة في البيان إلى أن «م.ت.ف هي الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني». أما التعليل الذي ذكره الجهاد الإسلامي فكان أن م.ت.ف غيرت طريقها وأنه سيكون ممكناً الانضمام إليها واعتبارها ممثلاً وطنياً وحيداً إذا ما أجرت إعادة تنظيم وعادت إلى «الطريق القويم»، أي: أن تلغي إعلان الاستقلال الفلسطيني، واتفاقات أوسلو، وتتخلى عن كل الإنجازات السياسية التي حققتها حتى الآن. وبالمقابل، فإن عزام الأحمد، رئيس وفد فتح إلى هذه المحادثات وعضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف، ادعى بأن الاعتراف بـ م.ت.ف لا يمكن أن يكون مشروطاً، وأن م.ت.ف هي المنظمة ولا أحد غيرها، بكل التزاماتها والاتفاقات التي وقعت عليها، وإضافة إلى ذلك وصف رجال الجهاد الإسلامي بالجهلة. أما انجرار حماس وراء الجهاد الإسلامي ـ التنظيم الذي مكانه في المراتبية التنظيمية أدنى منها ـ فكانت مفاجأة، لأنه بين المنظمتين توجد خصومة وصلت غير مرة إلى المواجهة. وتدور الخصومة بينهما، ضمن أمور أخرى، حول التحولات التي طرأت في السنوات الأخيرة في نهج حماس من مسألة الموقف من م.ت.ف والتي وجدت تعبيرها في برنامجها السياسي الأخير الذي نشر في 17 أيار 2018، وتقرر فيه أن «م.ت.ف هو الإطار الوطني لعموم الفلسطينيين».
من هنا فإن الإحساس السائد هو أنه، رغم الجهود المتواصلة للتقرب بين فتح وحماس، تبدد الأمل في المصالحة بينهما في المستقبل المنظور. على هذه الخلفية تبرز محاولات حماس ومنظمات المعارضة الأخرى التشكيك بمكانة م.ت.ف كممثل وحيد للشعب الفلسطيني ومكانة فتح العليا في م.ت.ف. أما فتح من جانبها فتخشى جداً هذا التطور، تجد صعوبة في أن تصدق بأن هناك من يتصور التشكيك بمكانة م.ت.ف التقليدية «المقدسة»، ترى بمجرد التفكير في هذا الاتجاه خطراً وجودياً على «المشروع العظيم» الذي بنته وترد باستخفاف هذه الأصوات، التي تطلق على حد تعريف الناطقين بلسان المنظمة على ألسنة عديمي التجربة.
غير أنه جرى مؤخراً اجتياز لخط لم يسبق أن اجتيز ـ حتى في سنوات الهزة الشديدة «للربيع العربي». فالمتظاهرون في قطاع غزة، بتشجيع وبتنظيم من حماس، يجرون مظاهرات تطلق في أثنائها هتافات لرحيل أبو مازن. فدعوة «ارحل»، التي تطلق في المظاهرات في ميدان التحرير في القاهرة ضد نظام حسني مبارك تطلق في شوارع القطاع أيضاً. ومع أن هذه الدعوة تنبع من الإحباط والغضب الشديدين المتراكمين ضد أبو مازن على دفع عدم الرواتب للموظفين في القطاع وتقليص ميزانيات المنطقة إلا أن هذا في نظر فتح، السلطة وم.ت.ف، هو سابقة خطيرة. وحتى لو لم يكن نداء كهذا بعد لخلق زخم يجذب وراءه كتلة متظاهرين كبرى، إلا أنه يخلق آلية خطيرة من شأنها أن تقوض الاعتراف بـ م.ت.ف كممثل وحيد «للقضية الفلسطينية»، وقدرتها على أن تترجم هذا الاعتراف إلى خطوات سياسية. كما أن حماس تدير سياسة خارجية مستقلة خاصة بها، تذكر في كل محفل يظهر فيه أبو مازن أو مندوب م.ت.ف أو مندوب السلطة أنهم لا يمثلون الشعب الفلسطيني، وهكذا تصعد التوتر بين المنظمتين في الساحة الفلسطينية.
وفي خلفية الخصومة أيضاً ـ السياسة التي تتبعها في السنتين الأخيرتين إدارة ترامب ومنذ زمن ما إسرائيل أيضاً، والتي تضعف جداً السلطة الفلسطينية، تفرغها من محتواها وتعزز حماس وباقي خصوم السلطة من الداخل. لقد تبنت إدارة ترامب عملياً موقف إسرائيل في مسألة النزاع مع الفلسطينيين، قلصت تقريباً كل أموال المساعدة للفلسطينيين التي حولتها الولايات المتحدة حتى تأسيسها، وألغت الميزانية التي درجت الإدارات السابقة على ضخها إلى وكالة الغوث، وبذلك تكون قد حددت عملياً بأن مشكلة اللاجئين لم تعد موجودة إلا بحدود طفيفة. كما حددت إدارة ترامب موقفاً في موضوع القدس، هو أقرب إلى موقف إسرائيل منه إلى موقف الفلسطينيين، في أنها نقلت السفارة الأمريكية إلى المدينة. وتشوشت منظومة العلاقات بين أبو مازن وإدارة ترامب جداً منذئذ. خطاب الإدارة تجاهه نقدي للغاية ويعكس رؤيتها له كمصدر مانع ومعيق، وليس بالذات كزعيم محب للسلام ـ مثلما تراه محافل أخرى في الأسرة الدولية. أما أبو مازن من جهته فقد أعرب عدة مرات عن عدم ثقته بإدارة ترامب وقضى بأن هذه لا يمكنها أن تكون وسيطة أو راعية وحيدة لكل مفاوضات تنشأ بين إسرائيل والفلسطينيين. كما يرفض أبو مازن اللقاء بمبعوثي الإدارة إلى الشرق الأوسط، يكافحهم من خلال الدول العربية وعملياً أخرج نفسه من دائرة النفوذ الأمريكي.
وبالفعل فإن باقي الفصائل الفلسطينية تحترم أبو مازن لمعارضته الأفكار التي تصدر عن محافل في إدارة ترامب. خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحماس سابقاً، قال مؤخراً إنه جدير بالتقدير على تصديه للسياسة الأمريكية. ومع ذلك، فضلاً عن كل هذا يتبلور الاستنتاج بأن ليس لـ م.ت.ف أي قوة دون إسناد أمريكي ـ إسرائيلي، وهي ببساطة تفقد حضورها. ودعا هاني المصري، كاتب رأي شائع النشر والأهمية، والذي لا يعد من مقربي أبو مازن أو من التيار الإسلامي، في 26 شباط، إلى الامتناع عن الدعوات الخطيرة «ارحل» تجاه أبو مازن، ولكنه بالمقابل دعا فتح، المنظمة المركزية في م.ت.ف، إلى الاستيعاب بأنها لم تعد حركة بين متساوين وأن المساواة بين الفصيلين الكبيرين في الحركة الفلسطينية يستوجب الكف عن العمل بشكل مستقل.
غير أن فتح تجد صعوبة في أن تسلم بهذا الواقع، من التعادل الذي يمس بمكانتها ويؤدي إلى شلل الساحة الفلسطينية. ويواصل أبو مازن المطالبة بالتبعية المطلقة من جانب حماس للسلطة الفلسطينية: «سلطة واحدة، سلاح وأحد وقانون واحد». وهو يعتقد أن الوحدة الفلسطينية فقط يمكنها أن تتصدى لـ «صفقة القرن» لترامب.
ورغم وعيه لذلك في أن إسناداً إسرائيلياً أمريكياً وعربياً فقط يمكنه أن يعزز مطالبته بوحدة السلاح والحكم، فإنه يتمسك بالتعهدات الدولية التي اخذتها على عاتقها م.ت.ف ويخشى من لبننة الساحة الفلسطينية، مما لا يسمح بالايفاء بهذه التعهدات. في السنة الأخيرة تعاظم خوف أبو مازن مما يراه كمحاولة أمريكية، مسنودة بدعم إسرائيلي، لإقامة كيان فلسطيني مستقل في قطاع غزة فقط، بدلا ًمن السعي إلى استئناف المفاوضات على كل مناطق ب و ج، مثلما تفترض اتفاقات اوسلو. أما حماس من جهتها فتتمسك بالتمييز بين «سلاح المقاومة»، الذي هي غير مستعدة لأن تسلمه «طالما استمر الاحتلال»، وبين السلاح الآخر ـ حفظ النظام العام)، الذي ليست معنية به. وتؤمن قيادتها بأن لها تأييداً شعبياً لهذا الموقف، ولكنها تخشى من الضغط الاقتصادي الذي يمارسه أبو مازن عليها والذي لم يوجد له في هذه الأثناء حل بديل.
هذا هو إذن واقع لم تشهد م.ت.ف مثيلاً له. فالجمهور الفلسطيني، كمن رأى في هذه المنظمة ممثله الوحيد، يفهم أنه لم يعد ممكناً تجاهل سيطرة حماس، التي تتنافس منذ 1987 مع فتح على قلبه. يبدو أنه بعد كل الخطوات التاريخية التي اتخذتها م.ت.ف، وبعد كل المحاولات وكذا بعد كل الإخفاقات التي شهدتها الساحة الفلسطينية، ثمة اعتراف آخذ في النضوج جماهيرياً واسعاً بأنه لا مفر من اندماج متفق عليه بين استراتيجيتي الكفاح لفتح وحماس. ومسألة «اليوم التالي لأبو مازن» تتركز أساساً في مسألة أي طريق يأخذ به الشعب الفلسطيني وليس في مسألة من يخلفه في مناصبه المختلفة.
إن ما أدخلته إدارة ترامب إلى هذا البحث هو نقاط حرجة، بسبب التشجيع الكبير الذي فيه لخصوم أبو مازن. فبدون إسناد إسرائيلي ودعم أمريكي، يسحب من تحت أقدام أبو مازن وقيادة م.ت.ف الأساس الذي بنوا عليه طريقهم على مدى سنوات طويلة. الجمود السياسي سيتعمق على ما يبدو، وفي غياب إنجاز حقيقي للفلسطينيين في إطارة خطة القرنن التي تنوي إدارة ترامب وضعها على الطاولة سيتعمق أيضاً إحساس الفشل في رام الله. في هذه الظروف ستجد م.ت.ف صعوبة في أن تواصل كونها تشكل «الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية، كحكم فلسطيني داخلي، ستضعف أكثر فأكثر. إن ضعضعة الاستقرار في الساحة الفلسطينية وتعاظم التوتر في المعسكرين فيها سيطرح على إسرائيل تحدياً أمنياً لم يسبق لها أن واجهته في السنوات الأخيرة. صحيح أن هناك احتمالاً عالياً في أن تكون إسرائيل هي التي تحسم الصراع الفلسطيني الداخلي في الضفة الغربية لصالح المعسكر الوطني/ فتح / م.ت.ف، ولكن الخطوة ستنطوي على مس شديد بشرعية هذا المعسكر وإضعافه. مشكوك جداً أفي ن تتمكن عندها من مواصلة التنسيق الأمني مع إسرائيل، في صيغته المعروفة اليوم.

يوحنان تسوريف
نظرية عليا 21/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية