لندن – “القدس العربي”: لم يحقق ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، محمد بن سلمان، الأهداف والنتائج المرجوة من الخطط السياسية التي وضعها، لتمهيد الظروف الداخلية والخارجية حتى يسيطر على العرش في بلاده، لأسباب عديدة منها ملف اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، وحرب اليمن، وسياسته الإقليمية، فضلاً عن معارضة واسعة لسياساته في مختلف الدول الغربية ومنها الحليفة للرياض. ودفع ذلك بن لإعطاء امتيازات اقتصادية وتجارية للأطراف المؤثرة على ملف تعيين الملك، من بين الدول الكبرى والشركات الدولية، آخرها عقد صفقات كبيرة تاريخية مع الصين والهند.
وفي الداخل، واصل ولي العهد تصعيده ضد الإمبراطوريات المالية والاقتصادية للأمراء وباقي أثرياء السعودية، لإخضاع هذه الإمبراطورية وتخييرها بين خسارة مصالحها ومنافعها أو القبول بالأمر الواقع وتعلية العرش. وبالتوازي، واصل الأمير محاولاته لتدشين المشاريع الاقتصادية العملاقة لينشئ من خلالها طبقة من رجال الأعمال والأثرياء الذين يوالونه، فضلاً عن الاغراءات والامتيازات التي أعطاها للشركات الكبرى تحت غطاء هذه المشاريع. وآخر محاولاته فيما يتعلق بوضع يده على إمبراطوريات الأثرياء، كانت خطته للسيطرة على إمبراطورية بن لادن الاقتصادية.
وفي تقرير مفصل حول ذلك، أوضحت وكالة “رويترز” البريطانية للأنباء أن “لم يكد الأمير محمد بن سلمان يصبح وليا لولي العهد في السعودية حتى حول أنظاره إلى امبراطورية مجموعة بن لادن السعودية العملاقة. ففي العام 2015 اتصل الأمير، وكان حينها في التاسعة والعشرين من عمره، ببكر بن لادن رئيس مجلس إدارة المجموعة التي تملكها عائلة بن لادن وقال له إنه يريد أن يصبح شريكا في المجموعة وذلك وفق ما أكده ستة أشخاص تم اطلاعهم على ما دار بينهما” ووعد بن سلمان أيضا بأن ذلك سيخفف الأعباء المالية على الشركة في وقت تحد فيه الحكومة من الإنفاق على البنية الأساسية لمجاراة انخفاض أسعار النفط.
لكنه في تشرين الثاني/نوفمبر 2017 وفي حملة على الفساد أمر بها الأمير محمد، فقد كان 3 من الأخوة بن لادن يشغلون مناصب تنفيذية عليا في المجموعة بين أكثر من 200 شخصية من رجال الأعمال وأفراد الأسرة الحاكمة والمسؤولين الذين تم احتجازهم. وفي نهاية المطاف تنازل بكر بن لادن وشقيقاه صالح وسعد عن حصصهم التي تمثل 36.2 في المئة من شركة العائلة لصالح الدولة في نيسان/أبريل 2018. غير أن بكر، وهو في أواخر الـ60 من العمر، لا يزال محتجزا رغم أنه لم تعلن على الملأ أي اتهامات موجهة له. وبينت “رويترز” أن مسار التحول الذي شهدته عائلة بن لادن بدءا بالحوار الذي دار في 2015 بين بكر والأمير محمد، انتهى بتولي الدولة إدارة المجموعة. وقال رجل أعمال سعودي إن قصة عائلة بن لادن أصبحت رمزا لما يحدث بين الحكومة والقطاع الخاص أي انهيار الثقة. وردا على طلب “رويترز” للتعليق قال مسؤول سعودي رفيع المستوى إن الأمير محمد لم يسع للحصول على حصة في مجموعة بن لادن عام 2015 مضيفا أن الحكومة السعودية أنقذت الشركة من الانهيار بعد أن مرت بصعوبات مالية اقترنت بضعف كبير في الإشراف والحوكمة.
وعلى صعيد العلاقات مع القوى العظمى، وقعت السعودية والصين 35 اتفاقية تعاون اقتصادي مشترك تقدر بأكثر من 28 مليار دولار، في ختام المنتدى السعودي الصيني للاستثمار الذي عقد خلال زيارة بن سلمان إلى العاصمة الصينية بكين الشهر الماضي. وشملت اتفاقيات التعاون الموقعة إبرام عدد من الشراكات الاستراتيجية في صناعة التكرير والبتروكيميائيات، إضافة إلى تطبيقات ومشاريع الطاقة المتجددة وتقنية المعلومات والبنية التحتية. ووقعت شركة أرامكو السعودية اتفاقية مع شركة نورينكو الصينية لتأسيس مشروع مشترك لتطوير مجمع للتكرير والبتروكيميائيات في مدينة بانجين، شمال شرق الصين، وقالت إن استثمارات المشروع تصل إلى أكثر من 10 مليارات دولار. وقالت إن الشركتين إلى جانب بانجين سينين، سيؤسسان شركة جديدة باسم “أرامكو هواجين للبتروكيميائيات” في إطار مشروع سيضم مصفاة بطاقة إنتاجية تبلغ 300 ألف برميل يوميا، ووحدة تكسير إثيلين بطاقة إنتاجية تبلغ 1.5 مليون طن متري سنويا. وأدرجت الرياض اللغة الصينية في مناهج المدارس والجامعات السعودية، وقالت إنها تهدف لفتح آفاق دراسية جديدة باعتبار أن تعلم اللغة الصينية يعد جسرا بين الشعبين سيسهم في زيادة الروابط التجارية والثقافية.
وقبل ذلك وخلال زيارته إلى الهند، وعد ولي العهد السعودي تخطي حجم استثمارات بلاده في هذا البلد عتبة 100 مليار دولار، وقال “حققنا نجاحا خلال السنوات الأخيرة وقد استثمرنا حوالي 44 مليار دولار في الهند” مضيفاً أن السعودية تولي أهمية كبيرة لعلاقاتها مع الهند، وأنها ترى فيها فرصة كبيرة باعتبارها مستهلكا ضخما للنفط.
وعلى صعيد الترويج الداخلي لولي العهد، وجّه العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، أثناء اطلاعه على أحد مشاريع مدينة الرياض الـ4 الكبرى التي أعلن عن إطلاقها الأسبوع الماضي، بتسمية “طريق الأمير محمد بن سلمان” للطريق الرابط بين “طريق الملك خالد” غرباً و”طريق الجنادرية” شرقاً. ويعد “طريق الأمير محمد بن سلمان” أحد أهم طرق مدينة الرياض الحيوية ويمتد بطول 30 كيلومتراً، ويقام على امتداده مشروع يسمى “المسار الرياضي” الذي يضم مسارات للمشاة والدراجات الهوائية وركوب الخيل ومجموعة متنوعة من المنشآت الرياضية والفنية والثقافية والترفيهية والبيئية، والمواقع الاستثمارية.
وفيما يتعلق بمحاولات بن سلمان للحصول على مزيد من دعم الشركات الغربية الكبرى من خلال عرض 5 في المئة من أسهم شركة أرامكو للبيع، قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية، إن خطط الإصلاح الاقتصادي التي أطلقها ولي العهد السعودي تلقى مقاومة من البيروقراطيين، الذين يرون أنها غير ناجعة في مساعدة الاقتصاد السعودي. وفي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، رضخ بن سلمان للضغوط وأجل الاكتتاب العام على الشركة إلى عام 2021 على الأقل، ومع ذلك، يحاول التكنوقراطيون السعوديون منع حدوث ذلك، حسب مسؤولين ومستشارين في مجال الطاقة. وحسب أحد المسؤولين التنفيذيين، الذي نقلت عنه الصحيفة الأمريكية، فإن هناك مقاومة سلبية داخل الحكومة السعودية لخطط بن سلمان، فبالإضافة إلى تأخير الاكتتاب العام، قلَّص مسؤولون حكوميون خططاً تهدف إلى بناء أكبر مركز لتوليد الطاقة الشمسية في العالم.