الدوحة-“القدس العربي”:يواجه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مزيدا من الضغوط والمتاعب، جعلت أوراقه جميعها خاسرة، بسبب متاهات سياساته المتخبطة التي أدخلته في دوامة يعجز حتى الآن تلمس درب الخلاص منها، تحديدا جنوب حدود بلاده.
قرار شن الحرب العبثية على اليمن، تحول بمرور الوقت لكابوس يقلق حاكم السعودية الفعلي، الذي يجد نفسه عاجزا عن لملمة شظايا القنابل التي تنفجر في وجهه، بسبب الركض خلف سراب مجد يتبدد أمامه مع مرور الوقت.
تتهاوى صورة البلاد ومن خلفها مخططات ولي عهدها الذي أخلف كل وعوده بإعادة الأمل لجارته الجنوبية، وتحولت العناوين العريضة التي أعلنها للسيطرة على الوضع وبالا يمحق ما تبقى له من أحلام تتداعى تدريجيا.
كلفة الحرب التي تناهز وفق تقديرات دولية 900 مليار دولار أمريكي، أحد الكوابيس التي تؤرق ليالي حليف بن زايد مع ثقل تلك الموازنات الضخمة على اقتصاد بلد يواجه متاعب اقتصادية متزايدة.
وحسب تقديرات المراكز العسكرية المتخصصة، فإن السعودية تضطر لتجديد ترسانتها من الصواريخ الاعتراضية أو تغييرها بمبالغ طائلة، وقد اتفقت مؤخرا على شراء صواريخ “أس 400” من روسيا ومنظومة “ثاد” من الولايات المتحدة. كما أن صواريخ الباتريوت المنشورة على نطاق واسع بمواقع عدة من البلاد تكلف عمليات صيانتها مئات الملايين من الدولارات. وكل هذا لمواجهة الصواريخ التقليدية للحوثيين وطائراتهم المسيرة التي تخترق بشكل مستمر أجواء المملكة.
وتشير تقارير سعودية إلى أن تكلفة الطائرات المشاركة بالحرب تصل إلى نحو 230 مليون دولار شهريا، تشمل التشغيل والذخائر والصيانة أي أكثر من ثمانية مليارات دولار في ثلاث سنوات.
وفي آذار/مارس الماضي، أعلنت قوات التحالف بقيادة السعودية أن عدد الطلعات الجوية التي نفذها طيرانه في اليمن بلغت أكثر من 90 ألفا، وبالتالي تكون تكاليف الضربات الجوية قد بلغت خلال عامين ما بين سبعة وتسعة مليارات، إذ تتراوح تكلفة الطلعة بين 84 ألفا و104 آلاف، وهي تكلفة الطلعة بمقاييس القوات الجوية الأمريكية.
وتشير “فورين بوليسي” إلى أن نفقات قمرين اصطناعيين للأغراض العسكرية بلغت 1.8 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى للحرب، بينما تبلغ تكلفة طائرة الإنذار المبكر “أواكس” 250 ألف دولار في الساعة، أي 1.08 مليار دولار سنويا.
وفي حين ذهبت مجلة “التايمز” البريطانية إلى تقدير تكلفة الحرب بنحو 200 مليون دولار يوميا، أي 72 مليار دولار سنويا و216 مليار دولار في ثلاث سنوات، تشير مصادر أخرى إلى أن المبلغ أكبر بكثير، وتقدره “فورين بوليسي” بنحو 725 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى فقط منها الصفقات العسكرية للمملكة.
الرابحون من الحرب
تعتبر سارة ليا ويتسن المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال افريقيا في “هيومن رايتس ووتش” أن “حرب اليمن شكلت نعمة مالية ضخمة بالنسبة إلى المقاولين الأمريكيين والبريطانيين في قطاع الدفاع (وحاملي الأسهم في شركاتهم). فقد فاضت خزائن شركات مثل ريثيون، وجنرال دايناميكس، وبي إيه إي سيستمز بعشرات مليارات الدولارات، بفضل مبيعات الأسلحة إلى عملائها الأغنياء، كالسعودية والإمارات”.
كلفة الحرب المرتفعة جعلت المحللين يعتبرون اليمن هو فيتنام الشرق الأوسط مثلما اعتبر روجر بويز في مقال بصحيفة “التايمز” البريطانية أن إيران عن طريق الحوثيين نصبت فخا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بأن جعلت اليمن فيتنام السعودية؛ لتستنزف مواردها وتحيلها إلى حطام، على حد قوله.
ويرى أن اليمن أضحى “مسألة وجود” لآل سعود وولي العهد نفسه الغارق في مستنقع الحرب، وكان له تأثير مدمر لصورته ولمستقبل السعودية نفسها، وفق تقديره.
مقاربة الكاتب البريطاني هذه تشير إلى أن هذه الحرب تنهك السعودية وتستنزف من هيبتها كدولة، ومن رصيدها على الصعيد الاقتصادي والسياسي، وهو ما قد يجعلها أحرص من الحوثيين على ألا يستمر نزفها حتى أواخر عام رابع.
تكلفة الحرب وفاتورتها العالية لم تنعكس على الاقتصاد السعودي فحسب، وهي تتجاوزها لتحيل الجارة الجنوبية لدولة فاشلة أكثر مما كانت عليه قبل شن عاصفة الحزم مثلما وصفها بن سلمان ذات يوم.
عام 2016 قامت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض بنقل عمليات البنك المركزي من العاصمة صنعاء، التي كان يسيطر عليها الحوثيون، إلى مدينة عدن الجنوبية. وشرع البنك الذي تملي السعودية السياسات عليه، في طبع كميات هائلة من النقود الجديدة، على الأقل 600 بليون ريال. وقد تسببت النقود الجديدة في دوامة من التضخم أدت إلى تآكل قيمة مدخرات الناس.
لاحقا توقف البنك عن دفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، حيث يعيش 80 في المئة من اليمنيين. ولما كانت الحكومة أكبر مصدر للوظائف وفرص العمل، فإن مئات الآلاف من العائلات في الشمال وجدت نفسها فجأة بدون دخل.
ضاعفت هذه الوضعية المتأزمة من حال الفقر الشديد مع غياب أي دعم من دول التحالف الذي تقوده المملكة وترك المواطنين يتجرعون ثمن قرار لم يشاركوه.
تردي الحالة الاقتصادية في معظم المحافظات اليمنية لم يكن الصعوبة الوحيدة التي يواجهها السكان، لتنضم لسلسلة من المتاعب المستعصية.
وكشفت منظمة الصحة العالمية، عن وفاة 166 مواطنا يمنيا جراء إصابتهم بمرض الكوليرا في مختلف مناطق البلاد منذ بداية عام 2019 وأشارت احصائية لمكتب المنظمة في اليمن، أنه تم تسجيل 97 ألف و101 حالة إصابة بالإسهال المائي الحاد المسبب للمرض من بداية العام وحتى 14 اذار/مارس الجاري. وتصدرت محافظة إب وسط اليمن عدد الوفيات بالجائحة الجديدة لوباء الكوليرا مسجلة 33 وفاة.
يضاف لهذا الوباء مواجهة ملايين اليمنيين شبح المجاعة، وأكثر من 17 ألف شخص سقطوا بين قتيل وجريح؛ والبنى التحتية تحوّلت إلى ركام، فالمستشفيات والعيادات والمدارس والمصانع والمنازل وحتى الجامعات تعرّضت كلّها إلى القصف والهجمات الجوية العشوائية؛ والقصف المدفعي طال المدنيين، ما عرّض قادة الأطراف المتحاربة إلى المساءلة الجنائية؛ كما باتت سمعة السعودية العالمية أشلاء، على الرغم من وجود جيش من شركات العلاقات العامة التي تعمل بلا هوادة نيابة عنها.
الفوضى
يشدد أحمد ناجي الباحث غير المقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط والمُتخصّص في الشؤون اليمنية، أن ثمة فائز واحد فقط في هذه الحرب وهو الفوضى. ويؤكد أنه منذ بداية النزاع في أيلول/سبتمبر 2014 دفعت الأطراف المتحاربة المحلية كلها ضريبة باهظة للغاية، على الصعيدين البشري والمادي، من دون تحقيق فوز ملموس. بل على العكس، أقل ما يمكن أن يُقال عن الوضع في اليمن اليوم هو أنه أزمة مروّعة من صنع الإنسان، أزمة عاثت في البلاد دماراً وخراباً، وقذفت ملايين الناس إلى أشداق المجاعة والأمراض والظروف الاقتصادية الكارثية.
ويدفع اليمنيون بسبب الحرب التي شنها حاكم الرياض فاتورة الوهم الذي سيطر عليه باعتقاده بإمكانية تأديب غريمته طهران على أرض اليمن.
وتؤكد رئيسة مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، إن قتل وإصابة الأطفال في اليمن مستمر بوتيرة مقلقة رغم هدنة مدتها ثلاثة أشهر في مدينة الحديدة الساحلية.
وقالت ميشيل باشليه “منذ اتفاق ستوكهولم في 13 كانون الأول/ديسمبر يقدر أن ثمانية أطفال يقتلون أو يصابون في اليمن يوميا”.
وتؤكد المنظمات الأممية أن من غير الواضح كم عدد الأطفال الذين قضوا جوعا في اليمن، لكن عددا من المدنيين ومن بينهم أطفال أصبحوا أكثر ضعفا وجوعا من أي وقت مضى منذ آذار/مارس 2015.
وتضيف تقارير أممية أن أكثر من مليوني طفل يعانون من سوء التغذية الحاد من بينهم 360 ألفا ما يعني أنهم يعانون من الهزال الشديد ويواجهون المجاعة.
الأمم المتحدة لم تعلن رسميا سوى مجاعتين خلال العشرين سنة الماضية: في الصومال وجنوب السودان. ثمة تقرير تقييمي تعده الأمم المتحدة سيصدر قريبا سيحدد ما إذا كان اليمن سيعتبر عما قريب موطن المجاعة الثالثة.
وقالت ليز غرانديه، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن: “هذه مجاعة دخل وإن مفتاح إيقافها هو ضمان حصول الناس على دخل يكفي لشراء ما يحتاجونه للبقاء على قيد الحياة.”
وأضافت إن الأولوية يجب أن تُعطَى لتحقيق استقرار العملة الهابطة وضمان أن يتمكن التجار وشركات الشحن من استيراد الغذاء الذي يحتاجه اليمنيون.
وتشير القراءات أن السعودية انطلقت أساسا في حربها من استراتيجية لتطويق المد الإيراني، وشنت حربا بالوكالة ضد الحوثيين.
وحتى الآن، لدى كل من التحالف الذي تقوده السعودية، من جهة، وإيران، من جهة أخرى، أجندته الإقليمية الخاصة، مع الإشارة إلى أن أياً منها لا يشمل إرساء الاستقرار في اليمن. فهذه الأطراف تستثمر في الحرب، وإذا ما توقفت، ستكون خسارة للطرفين.
وتعتبر شيلا كارابيكو، أستاذة العلوم السياسية والدراسات الدولية في جامعة ريتشموند، أن الحرب التي أطلقها ولي العهد السعودي، لن تقود إلى أي انتصار عسكري حاسم وصريح.
وثمة أمل واحد بالنسبة إلى اليمنيين وهو أن التداعيات الدولية لموت المعارض السعودي جمال خاشقجي، الذي أضر بمكانة الأمير محمد الدولية، قد تجبره على التخفيف قليلا من الصرامة التي يدير بها الحرب.
وإن كانت الدراسات والقراءات تستبعد تغيرا في الموقف السعودي تحديدا بالنسبة لولي العهد الذي تعتبر الحرب بالنسبة له مسألة حياة أو موت وليس سهلا عليه أن يعلن فشله وبالتالي خسارته الرهان بعد نحو خمس سنوات من حرب عبثية في أحد أفقر البلدان في العالم.
وحتى ذلك الحين سيواجه اليمنيون المزيد من المتاعب، ولن تكون نهاية المأساة سوى تنازلات من الطرفين، ستكون قاسية على بن سلمان الذي يخيب أمله يوما بعد يوم.