بين جبال من المخلفات الضارة بالبيئة في العاصمة الصومالية مقديشو، وجد المواطن أحمد عبد الله عبدلي ضالته، فقرر تدشين مصنع للقرميد من خلال إعادة تدوير النفايات المكدسة في شوارع العاصمة.
في مجمع للنفايات والمخلفات في شارع الأناضول المطل على الساحل جنوبي مقديشو، يقع مصنع “افريقيا” لتدوير المخلفات، وذلك لتسهيل عمليات نقلها من مكب النفايات وتحويلها إلى مواد تساهم في التطور العمراني بمقديشو التي تشهد استقرارا نسبيا.
يقول عبدلي المدير التنفيذي للمصنع إن فكرة تأسيس “افريقيا” وتنفيذها استغرقت أعوام، لكن في نهاية الأمر خرجت إلى النور بعد دراسة متقنة.
ويضيف أن المصنع صديق للبيئة وهو ما يميزه عن غيره من المصانع في البلاد، حيث يتطلع إلى سد حاجة السوق من القرميد، والاستغناء عن المستورد والذي يكلف استيراده مبالغ طائلة.
منتوجات المصنع تعتمد على أنواع مختلفة من النفايات ما يفتح الباب واسعاً أمام العاطلين عن العمل لجمع المخلفات من علب البلاستيك وإطارات السيارات في طول وعرض العاصمة ولكل حمولة قيمتها المالية.
فردوسة أحمد أم لخمسة أولاد تقول إن لقمة عيشها مرتبطة بهذا العمل، فمع كل إشراقة شمس تبدأ رحلة البحث عن المخلفات والبلاستيك في أحياء العاصمة، لتقطع مسافة أكثر من 10 كيلومترات يوميا، من أجل إعالة أسرتها الفقيرة.
وفيما تضع حمولتها التي لا تقل عن 5 كيلوغرامات في مجمع النفايات التابع للمصنع تقول أحمد إن تعبها طوال اليوم يهون طالما استطاعت أن توفر الطعام الذي تسد به رمق صغارها.
ومهنة جمع النفايات ترافقها مخاطر أمنية ليست بالهينة حيث يصبح العاملون بها عرضة لخطر انفجار العبوات الناسفة والألغام التي تُزرع أحيانا في مكبات النفايات المنتشرة على جنبات الشوارع، إلى جانب اشتباه الجهات الأمنية في نقلهم المتفجرات، ما يعرضهم أحياناً للتوقيف وتفتيش حمولتهم.
بحذر شديد تحاول صفية حسين جمع النفايات والعلب البلاستيكية مستخدمة عصى طويلة لنثر المخلفات قبل جمعها تفاديا للاصطدام بمواد متفجرة قد تكلفها حياتها.
تقول حسين: “نحاول كسب قوت يومنا وإطعام أطفالنا وسد احتياجاتنا اليومية من خلال هذه المهنة المحفوفة بالمخاطر”.
وتؤكد أن جمع النفايات فرصة عمل لها في ظل انتشار البطالة وسط المجتمع الصومالي الذي يعاني من هشاشة المؤسسات الحكومية المعنية بتقليص سقف البطالة في البلاد.
داخل المصنع تتواصل عملية وزن النفايات والعلب البلاستيكية التي تجمعها الفقيرات من أحياء مقديشو، فكل حمولة لها قيمتها المالية حيث تتحصل السيدات في المتوسط على 30 ألف شلن صومالي أي ما يعادل 0.8 دولار لكل كيلو من النفايات.
وتمر صناعة القرميد بمراحل عدة تبدأ بعملية تقطيع النفايات والعلب والمواد الكبيرة على شكل أجزاء صغيرة، تدخل بعدها إلى ماكينة الفرم التي تحولها إلى جزئيات صغيرة، يتم لاحقا فرزها لاستبعاد العناصر غير المناسبة.
بعد ذلك يتم خلط تلك المواد بالتراب إلى جانب مواد أخرى تزيد سماكة المنتج، قبل نقلها إلى ماكينة أخرى مهمتها صهر وتذويب الجزئيات، وصولاً إلى المرحلة الأخيرة، عبر وضعها في ماكينة إنتاج القرميد، ليخرج المنتج النهائي بطول مترين وبألوان مختلفة من الأحمر والبني والأبيض.
وحسب محمد معلم مسؤول التسويق بالمصنع يتم إنتاج أنواع مختلفة من مواد البناء، فبجانب القرميد بألوانه المختلفة، ينتج المصنع البلاط “إنترلوك” المستخدم في تزيين ساحات المنازل والفنادق، بأحجام مختلفة إلى جانب منتجات أخرى تسهم في البناء.
ويقول معلم إنه ورغم قلة استخدام القرميد في البلاد، واقتصاره فقط على تزيين واجهات المنازل، إلا أنه بات يحظى بإقبال كبير في الأسواق بشكل يفوق الطاقة الإنتاجية للمصنع، مما يدفعهم إلى زيادة معدل الإنتاج تلبية لطلب السوق الذي يزداد يوما بعد الآخر.
وينتج مصنع “افريقيا” يومياً من أطنان المخلفات والعلب البلاستيكية نحو 14 ألف قطعة من القرميد، جهد يتطلب نحو 12 ساعة من العمل المتواصل.
وحسب معلم يستخدم القرميد غالبا في تغطية أسطح المنازل وغيرها من الأماكن التي تتعرض لحرارة الشمس والرطوبة، مشيرا إلى أن الصوماليين كانوا في الماضي يستخدمون القرميد فقط في تزيين شرفات المنازل.
ويقتصر استخدام القرميد في العاصمة مقديشو على الأحياء القريبة من السواحل كونه يصمد أمام الرطوبة المالحة ليلا وحرارة الشمس نهارا بينما تنتشر الصفائح المعدنية في أحياء العاصمة الأخرى.
وحسب القائمين على المشروع فإن شركة “افريقيا” للتدوير تتطلع إلى إطلاق مشاريع أخرى تعتمد في إنتاجها على المخلفات، منها مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية وتوزيعها بأسعار مناسبة.
وتزداد الشركات المحلية في الصومال يوما بعد الآخر مستفيدة من الاستقرار النسبي الذي تتمتع به البلاد في الآونة الأخيرة، مما قد يساهم في الحد من نسبة البطالة التي تشكل نحو 70 في المئة، بحسب خبراء اقتصاديين. (الأناضول)