سعد الياس:
بيروت – ‘القدس العربي’ للاسبوع الثاني على التوالي إنطلقت تظاهرة جمعت أقل من عشرة آلاف مواطن هتفوا بأن ‘الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي’. وقد كانت هذه الصرخة بلا اي لون سياسي وقد توافد المشاركون في التظاهرة من كل الفئات العمرية والاجتماعية وأكدوا ان الاعتصام مستمر حتى تحقيق مطلب اسقاط النظام الطائفي.
واشار ناشط في التحرك الى أن اختيار نقطة الانطلاق ونقطة الوصول لم يكن عبثاً، فنقطة الانطلاق وهي الدورة الهدف منها القول ان التظاهرة لا تقتصر على بيروت بل تعني لبنان بكل اقضيته، كما أن اختيار نقطة الوصول وهي شركة كهرباء لبنان لم يكن عبثاً ايضاً، باعتبار أن الشركة من رموز الفساد في لبنان، ودعا ناشط آخر أيضاً الشعب للمشاركة في التظاهرة موضحاً أنها لكل اللبنانيين ومن اجل اسقاط النظام الطائفي المسؤول عن المحاصصة والمحسوبية والفساد والغلاء والبطالة والفقر. وجاءت التظاهرة بالامس تلبية لنداء اطلقته جمعيات من المجتمع المدني وشبان وشابات عبر صفحات موقع افايسبوكب وعبر مناشير وزعوها على الطرقات للمشاركة في التظاهرة التي نادت بقيام دولة علمانية. واللافت أن عدد المتظاهرين بالامس تجاوز بمرات عدد المتظاهرين الذين ساروا من امام كنيسة مار مخايل في الشياح الى الطيونة. واللافت ايضاً أن بين المتظاهرين محجبات ردّدن شعارات اإجا دورك يا لبنان’، اضافة الى هتافات ا14 و8… عملوا البلد دكانةب.
وفيما لم تصدر مواقف سياسية مؤيدة أو معترضة على مثل هذا التحرك، أشاد رئيس مجلس النواب نبيه بري بالتظاهرة الحاشدة للشباب اللبناني للمطالبة بإسقاط النظام الطائفي الذي يشكل كما قال ‘أصل العلة في لبنان’، قائلاً: ‘كلنا نبحر في سفينة مثقوبة نخرتها الطائفية وتغرق شيئاً فشيئاً، بالتالي فإن تحرك هؤلاء الشباب هو بمثابة قارب النجاة الذي يمكن أن ينقذنا جميعاً وينقذ البلد’. في المقابل، تفاوتت القراءات والتحليلات حول أبعاد هذا التحرك ومدى بلوغه أهدافه، وكتب الصحافي حازم صاغية في موقع ‘لبنان الآن’ ‘ما من شكّ في أنّ الطائفيّة علّة العلل في لبنان، وما من شكّ في أنّ شرط تقدّم اللبنانيّين تطهّرهم منها. فهي ليست فقط المسبّب الأبرز للفساد الناجم عن المحاصصة، وليست فحسب المانع من التغيير على النحو الذي رأيناه في بعض البلدان العربيّة. إنّها، قبل ذلك كلّه، سبب للموت الجماعيّ الذي تقودنا إليه، بين الفينة والأخرى، ‘كرامة’ الجماعات، ولو غطّت الطوائف هذا السعي بمزاعم إيديولوجيّة مضخّمة، كالقوميّة والمقاومة وسواهما.
وما من شكّ في أنّ النظام اللبنانيّ، في حدود كونه مرآة لتقاطع الطوائف، نظامٌ طائفيّ، قوانينه وانتخاباته ومؤسّساته تعيد إنتاج النظام الطائفيّ وتكرّسه وتعزّزه.
بيد أنّ من الوهم الافتراض، على ما يفعل بعضنا، أنّ في الإمكان التغلّب على الطائفيّة عبر ‘تغيير النظام الطائفيّ’. ذاك أنّ مصدر الطائفيّة الأوّل هو… المجتمع اللبنانيّ نفسه. فليس صحيحاً بالتالي أنّ زعماء الطوائف يقمعون طوائفهم، بالمعنى الذي كان حسني مبارك وزين العابدين بن علي يقمعان شعبيهما، أو بالمعنى الذي كان ولا يزال معمّر القذّافي يقمع الليبيّين. وفي المعنى هذا، فإنّ الطوائف تلتحم بزعمائها بحيث تغدو الطائفيّة ظاهرة شعبيّة، وبمعنى ما، ذات طبيعة تمثيليّة عريضة. هكذا فإنّ من التبسيط وصف الطائفيّة كأنّها ‘خصلة’ سيّئة، أو قمع يمارسه زعماء الطوائف، أو ‘بلفة’ من أولئك الزعماء لأبناء طوائفهم’. وكتب الاستاذ طلال سلمان في صحيفة ‘السفير’ إنه ‘ممنوع على اللبنانيين، من دون إخوانهم العرب جميعاً، أن يعيشوا فرح انتصار الانتفاضات الشعبية التي أسقطت بعض الطغاة من أهل النظام العربي، وتواصل ضغطها بدماء الشهداء على بعضهم الآخر.
ممنوع عليهم الخروج، ولو للحظات، من سجون الطائفية والمذهبية إلى آفاق الوطنية والعروبة بالديموقراطية والحق الطبيعي بأن يكونوا مواطنين لا ‘رعايا’ و’أتباعاً’ لأقطاب النظام الفريد الذين يمسخون حقوقهم الطبيعية في وطنهم الصغير فيصيِّرون ‘الانتخابات’ مناسبة للتبارز بالشعارات المذهّبة الآخذة إلى الفتنة، وحكومات الوفاق الممسوخ إلى ساحات صراع على المكاسب والمنافع، من الطبيعي أن تدخلها ‘الدول’ فتحسم أمر المواقع وامتيازاتها بالعدل والقسطاس!’.