تعز ـ «القدس العربي»: مرت، أمس الثلاثاء، الذكرى الرابعة في اليمن لـ«عاصفة الحزم»، كما يسميها أتباع السلطة، والذكرى الرابعة لـ«العدوان»، كما تسميها جماعة الحوثي، والتي احتفى بها كل طرف بطريقته التي يجيدها وجعلته يتفنن بالاحتفاء بها.
واحتفى الحوثيون أمس بهذه الذكرى بحشود جماهيرية كبيرة في ميدان السبعين بصنعاء فيما احتفى أتباع الحكومة ببعض الفعاليات الاعلامية في العاصمة السعودية، الرياض، وتلقفها النشطاء في الداخل بالتغريد حول عاصفة الحزم، التي أضحت عبء على كل الأطراف، بما فيهم أطرافا في الحكومية ذاتها التي يمثلها الرئيس عبدربه منصور هادي.
صورة عاصفة الحزم اليوم، ليست كما كانت عند انطلاقها عام 2015، حيث تباينت وجهات النظر حولها، وتقاطعت المصالح بشأنها، وتباعدت المسافات بين مضمونها وأهدافها اليوم مقارنة بما كانت عليه عند انطلاقتها.
فعند الساعة الثانية تقريبا بعد منتصف الليل، صباح 26 آذار/مارس 2015 تفاجأت العاصمة اليمنية صنعاء بأصوات مرعبة لغارات جوية لم تشهدها من قبل مطلقا حتى في عهد الحرب الشطرية في صيف العام 1994، ولم يعرف السكان أسباب هذه الانفجارات الضخمة، والتي كان بعضهم يعتقد أن الحرب ربما انفجرت بين قوات الرئيس السابق علي عبدالله صالح، وبين جماعة الحوثي، وما هي الا لحظات والاعلام العربي برمته يعلن انطلاق عاصفة الحزم في اليمن لقوات التحالف العربي بقيادة السعودية.
كانت تلك الليلة عصيبة في العاصمة صنعاء على أتباع جماعة الحوثي وأتباع الرئيس السابق علي صالح، وكانت تلك الغارات الجوية مفاجأة لهم، وظهر المتحدث باسم جماعة الحوثي بصنعاء حينها محمد البخيتي عبر قناة الجزيرة للتعليق على هذه الغارات، بصوت شاحب ولغة ركيكة ونبرة مهزوزة من شدة الرعب، ولم يكن بشكله المعهود، غير أن صوته، اليوم، لا شك أصبح مختلفا ويحمل النشوة والفخر بالصمود لأربع سنوات أمام تحالف قوى أكبر دول عربية، ويعد بالنصر وبأن الحوثيين (قادمون) وهو الشعار الذي رفعوه لهذه المناسبة.
طرحت الذكرى الرابعة لعاصفة الحزم العديد من التساؤلات الملحة حولها، بغض النظر عن الربح والخسارة من وراءها، وأبرز هذه الأسئلة هي، ماهي النتائج التي حققتها عاصفة لليمن ولليمنيين حتى الآن وماذا تغير على الأرض منذ انطلاقتها؟ وكيف كان سيكون الوضع لو لم تنطلق عاصفة الحزم؟ وما هي المآلات المستقبلية لعاصفة الحزم وللوضع في اليمن عموما؟
أسئلة تبحث عن اجابات عميقة وجريئة من كل الأطراف، لكن وبدون مواربة أصبحت عاصفة الحزم عبئا على كل الأطراف، وفي مقدمتهم السعودية والحكومة اليمنية مع مستوى أقل على الامارات العربية المتحدة، في حين أصبح الحوثيون الذين كانوا الهدف الرئيسي لها أقلهم خسارة من هذه العاصفة وربما أكثرهم تحقيقا لمشاريعه وأهدافه.
أعطت الحوثيين المبرر للبطش بمعارضيهم وخصومهم
كان الحوثيون عند اجتياحهم للعاصمة صنعاء والعديد من المدن والمحافظات الأخرى، لا يحظون بالقبول الشعبي بل ويواجهون صعوبة بالغة في استمالة الشارع اليهم، بحكم اجتياحهم لتلك المناطق بقوة السلاح والبطش بمن يخالفهم أو يقف أمامهم، خاصة مع انهيار مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية أمامهم بتواطئ ومساندة من الرئيس السابق علي صالح.
هذا الحال تغير كثيرا بالنسبة للحوثيين، ففي حين كان خصومهم من أتباع ومؤيدي الحكومة الشرعية، يرون في عاصفة الحزم بأنها كانت المنقذ لليمن وللسلطة الشرعية في البلاد، أعطت هذه العاصفة المبرر القوي للحوثيين لتسوية الملعب لهم والبطش بخصومهم وبكل من يخالفهم الرأي، وبمن تبقى من رموز الدولة أو المجتمع المدني، وفي مقدمتهم قيادات وأتباع حزب الاصلاح، والصحافيين والناشطين السياسيين، الذين تم الزج بالآلاف منهم في السجون والمعتقلات منذ صيف 2015 وحتى اليوم، بذريعة (التعاون مع العدوان) ووصل الحال حد إعدامهم حليفهم الرئيس في الانقلاب الرئيس السابق علي صالح، نهاية العام 2017. واستثمر الحوثيون عاصفة الحزم إلى أعلى المستويات واستغلوا تداعياتها وأخطاءها أسوأ استغلال على الصعيد المحلي وعلى الصعيد الدولي، لتحقيق ما لم يستطيعوا تحقيقه بدونها، من تصنيع عسكري وتحشيد مقاتلين وفرض قراراتها وأيديولوجيتها بقوة السلاح على الجميع في مناطق سيطرتها، وأصبح الحوثيون اليوم يتغنون بالذكرى الرابعة لهذه العاصفة بأنهم خرجوا منها بسلام وأنهم تجاوزوا مخاطرها بالوصول الى بر الأمان، على كل الأصعدة العسكرية والسياسية والدبلوماسية.
مجريات الأحداث التي واكبت عاصفة الحزم في اليمن منذ مطلع 2015 وحتى اليوم، كشفت بما لا يدع مجالا للشك بأن الهدف الرئيس من وراءها لم يكن أبدا إنقاذ اليمن أو حكومته الشرعية، بل استغلال انهيار الدولة في اليمن والتمسك بما تبقى من سلطة شرعية فيها لتمرير مخططات دول التحالف التي تقف وراء عاصفة الحزم، والتي جاءت الى اليمن تحمل مشروعا واجندة طويلة المدى تسعى الى تحقيقها في اليمن.
وبعد أربعة أعوام من الضبابية تكشفت الأهداف المستورة وراء انطلاق عاصفة الحزم، إما على شكل (نيران صديقة) لضرب القوات الحكومية، أو على شكل تشكيلات مسلحة تابعة للامارات أو للسعودية، أو على شكل السيطرة على الموانئ والمناطق الحيوية في اليمن لخدمة مصالح الامارات والسعودية، ولم يكن من بين أهدافها الفعلية وقف تمدد الحوثيين أو ضربهم بالعمق لكسر شوكتهم، بل على العكس حافظت عليهم للاتخاذ منهم مبررا وذريعة لاستمرار واطالة أمد الحرب في اليمن، وساهمت في إطالة ذلك أيضا المسرحيات الهزلية لمباحثات إحلال السلام التي ترعاها الأمم المتحدة والتي فُصّلت على مقاس طموحات وتطلعات دول التحالف لإطالة أمد الحرب، فيما يدفع المدنيون اليمنيون الثمن غاليا لهذه الحرب في كافة الجوانب وفي مقدمتها الجانب الانساني الذي ضرب مقومات الحياة في مقتل وحوّل اليمن الى مقبرة كبيرة تلتهم الجميع دون هوادة.