الجيش الإسرائيلي يستعد لمواجهات واسعة على حدود غزة

حجم الخط
0

أمس الساعة الرابعة والنصف فجراً هاجم سلاح الجو للمرة الأخيرة أهدافاً لحماس في القطاع. وقبل ساعة ونصف من ذلك أطلق الصاروخ الأخير من القطاع على بلدات غلاف غزة. ومنذ ذلك الوقت ساد هدوء نسبي على حدود القطاع باستثناء صاروخ واحد أطلق في المساء. من أجل زيادة الأمان أبقت قيادة الجبهة الداخلية طوال اليوم تعليمات الحذر سارية المفعول قرب القطاع، في حين أن بلدات غلاف غزة تفتح المدارس، وتم منع إجراء أي مناسبات في مناطق مكشوفة. في الليل اتخذ قرار بالعودة الكاملة إلى روتين الحياة.
التصعيد الأخير ظهر في هذه المرحلة وكأنه سينتهي قريباً، مثلما انتهت سابقاته في السنة الماضية. التطورات تكرر نفسها بصورة مطلقة تقريباً: الفلسطينيون يطلقون الصواريخ وإسرائيل تدين الهجوم وتعلن بأنها سترد بشكل شديد، وحماس تهرع إلى رجال المخابرات المصرية وتطلق وقفاً لإطلاق النار. التنظيمات في القطاع تعلن عن وقف إطلاق النار (أول أمس حدث ذلك في العاشرة مساء)، ادعت إسرائيل أنها لا تعرف عن اتفاق كهذا. وفي نهاية المطاف خمدت النار من تلقاء ذاتها.
هذه المرة ظهر في البداية أن الأمور ستجري بشكل مختلف قليلاً: إطلاق الصاروخ على منطقة الصاروخ أول أمس فجراً تم بعيداً نحو الشمال من مدى النار السابقة.
بصورة استثنائية، الصاروخ أصاب بيتاً وسبعة أشخاص، ستة من عائلة واحدة. لم يكن التوقيت مريحاً، قبل أسبوعين على الانتخابات، حيث كان رئيس الحكومة في ذروة زيارة سياسية له إلى الولايات المتحدة. ورداً على ذلك اتبعت إسرائيل لهجة شديدة، وظهر أن ذلك سيعزز خطوات أكثر شدة: نتنياهو أعلن عن قطع زيارته لواشنطن وإلغاء خطابه أمام جمهور في مؤتمر الايباك. بادر الجيش إلى تجنيد محدود للاحتياط وأعلن عن نزول قيادة فرقة ولواءين نظاميين للتدريب في النقب.
عملياً، لم يتغير الكثير، سلاح الجو هاجم عشرات أهداف لحماس ولكنه حرص على قصف انتقائي. عدم وقوع إصابات جراء القصف يدل على اتخاذ الحذر المسبق. المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي نشر كالعادة صوراً جوية لمبان مدمرة. ومصدر سياسي رفيع في طائرة رئيس الحكومة، الذي لم يجد الجمهور صعوبة في تخمين هويته، شرح للمراسلين الذين عادوا معه إلى البلاد بأن «حماس تلقت الضربات الأشد منذ عملية الجرف الصامد»، أي نفس الادعاء الذي سمع في كل جولة قتالية. مع ذلك، يبدو أن وقف إطلاق النار غير الرسمي دخل منذ ذلك الوقت إلى حيز التنفيذ، رغم عودة نتنياهو الدراماتيكية إلى البلاد.
هنا يجب إضافة ملاحظة متحفظة: في السابق، وفي مناسبتين، إسرائيل هي التي خرقت وقف إطلاق النار بشنها عملية عسكرية واسعة في القطاع ـ عملية «الرصاص المصبوب» في 2008، التي بدأت بمهاجمة استعراض لشرطة حماس في غزة، وعملية «عمود السحاب» في 2012 التي بدأت بالتعرض لحياة أحمد الجعبري الذي كان في حينه رئيس الذراع العسكري لحماس في القطاع.
أجرى نتنياهو بعد عودته إلى إسرائيل مشاورات مع المستوى الأمني. وإذا كان حقاً قرر وقف العملية فإنه يأخذ على عاتقه مخاطرة سياسية معينة. خصومه بدأوا بمهاجمته على عجز حكومته أمام إرهاب حماس. في المقابل، رئيس الحكومة لم يخف في الأشهر الأخيرة تحفظه من عملية واسعة في القطاع، التي يمكن أن تجر إلى عملية برية والتعقيد عشية الانتخابات.

حتى الآن… قصف انتقائي وتخوف من يد إيرانية بعد «هاتف غانتس»

شيء بسيط من معضلة نتنياهو تم كشفه في تبادل التصريحات العدائية مع المراسلين قبل عودته إلى إسرائيل. المراسلون أصروا على سؤاله عن الوضع على حدود القطاع ـ الموضوع الذي كما يبدو يقلق معظم الجمهور بعد ليلة مكث فيها مئات آلاف الأشخاص في الجنوب في الغرف الآمنة. وانتقاد نتنياهو أن إعلان الرئيس ترامب عن اعترافه بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، لم يحظ بالدرجة المطلوبة من التغطية وحذر المراسلين من أنهم «سيصفون الحساب معكم» بدرجة لا تقل عن ذلك.
كبديل عن الهتافات التي أراد الحصول عليها، وربما من أجل تفريغ الإحباط، فإن مقر الليكود قام بتوجيه اللكمات للمرشح الرئيسي أمامه، بني غانتس. المناورة الإعلامية الجديدة لنتنياهو ورجاله، وكأنها أخذت من مدرسة ترامب، تقول إن المقابلات التلفزيونية الفاشلة لغانتس أول أمس تشكك بالسلامة العقلية لرئيس الأركان السابق. بصورة مفاجئة تدور الآن معركة انتخابية متعادلة تماماً، والمواجهة تتحول إلى فاضحة أكثر. يمكننا التخمين بأننا لم نصل حتى الآن إلى قعر البرميل: حتى بعد الفيلم في المقبرة العسكرية ودعوة نتنياهو العلنية لغانتس للكشف عما كان في هاتفه المحمول والتقليد المرفوض للصحافي أمنون ابراموفيتش، وما زالت هناك نقاط متدنية جديدة تنتظرنا.

التهديد الإيراني غير المباشر

ما الذي تريد إسرائيل تحقيقه الآن إذا لم يتم تجدد إطلاق النار؟ قال وزير الأمن الداخلي، جلعاد اردان، صباح أمس، إن الهدف هو العودة إلى التفاهمات التي أنهت عملية الجرف الصامد. هذا يعني تضمين وقف المظاهرات الأسبوعية على طول الجدار، المقترنة بأعمال العنف الشديد والمظاهرات الليلية في منتصف الأسبوع التي فيها ترسل حماس خلايا لإلقاء عبوات ناسفة وتخريب الجدار. إسرائيل قلقة بشكل خاص من المظاهرة المتوقعة في نهاية الأسبوع، التي ستحيي فيها حماس الذكرى السنوية لـ «مسيرات العودة». لقد سبق واعتبرتها «احتجاج المليون»: مليون غزي لن يأتوا، لكن يكفي عشرات الآلاف مع حث مناسب من حماس من أجل خلق مواجهة واسعة وعنيفة على طول الجدار.
لحماس اعتباراتها الخاصة، وهذه لم تظهر تماماً. في صحيفة رئيس الحكومة الداخلية ظهرت أمس ادعاءات تقول إنه أطلق صاروخ ـ نعم، أجل ـ «بتوجيه من إيران وفي محاولة لإسقاط نتنياهو». من وصف بأنه «مصدر كبير في حماس»، قال للصحيفة إن إطلاق النار تم «من وراء ظهر قيادة حماس في القطاع وبتنسيق مع إيران والجهاد الإسلامي». هذه رواية مهمة، وهي تخدم بالطبع ادعاء حملة الليكود بأن إيران تعمل على الدفع قدماً بترشح غانتس (هذا من جهة، ومن جهة أخرى تخترق هاتفه).
إمكانية أخرى هي أن حماس تلاحظ وجود فرصة لا تتكرر. نحو 300 شخص في غزة قتلوا في السنة الأخيرة بنار الجيش الإسرائيلي، في مواجهات ومظاهرات على طول الجدار.
حماس بحاجة كبيرة إلى إنجاز يبرر الثمن الذي دفع إزاء الأزمة الاقتصادية في غزة، والبنى التحتية المتدهورة والاحتجاج الداخلي المتزايد. وفي حماس يدركون أنه بعد الانتخابات، ولا يهم هوية الحكومة التي ستتشكل في إسرائيل، ستكون هناك شرعية جماهيرية أكبر لخطوة عسكرية واسعة إذا نشأ شعور بأنه تم استنفاد كل البدائل الأخرى. من هنا، فإن الضغط يبثونه منذ الآن، ويضم أيضاً إطلاق صواريخ بمدى بعيد واستثنائي.
قريباً، ستضطر إسرائيل إلى حسم أمرها بشأن معضلة غزة. لواء المدرعات 7 ولواء غولاني في هذه الأثناء نزلا إلى الجنوب. أمس اتخذ قرار بتعزيزهما بلواء المظليين النظامي وكتيبة مدفعية، إلى جانب تجنيد جزئي للاحتياط، بعد تجنيد آلاف من الاحتياط من خلال أمر التجنيد 8. كل ذلك تم كإعداد لعملية محتملة في القطاع وكرسالة تهديد لحماس، رغم أنهم في غزة يعرفون أنه ومن أجل احتلال القطاع، تحتاج إسرائيل إلى أكثر من ثلاثة ألوية.
الجيش الإسرائيلي، هكذا يبدو، يحافظ على البدائل مفتوحة. الاستعداد العالي سيستمر قبل المظاهرات الأسبوعية التي ستجري هذه المرة يوم السبت لإحياء ذكرى يوم الأرض. والوفد المصري يتوقع أن يصل إلى القطاع في محاولة لتهدئة النفوس قبل هذه الأحداث. وفي حماس وافقوا على إلغاء قافلة بحرية احتجاجية وتقليص المظاهرات الليلية قرب الجدار. إذا لم يتم إيجاد صيغة لضبط الاحتكاك في الضفة فمن المحتمل أن يتطور إلى جولة تصعيد، وخلالها سترد حماس بإطلاق الصواريخ على قتل مواطنين في مواجهات قرب الجدار. هذا الفيلم عرض في السابق في القطاع مرات كثيرة خلال السنة الأخيرة.

عاموس هرئيل
هآرتس 27/3/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية