تنتظر تركيا نهاية الشهر الحالي انتخابات بلدية قد تكون بداية لمنعطف جديد يؤثر على المستقبل السياسي التركي، ومع هذا الترقب تعيش أنقرة أياماً متوترة في انتظار نتائج مباحثات هي طرفها، فيما واشنطن طرفها الثاني لتحديد مستقبل الشرق السوري والوجود الميليشياوي الكردي هناك، كما لاتزال أنقرة مستمرة في نقاشاتها المكثفة مع موسكو للوصول لحل نهائي لعدد من الملفات في المشهد السوري وعلى رأسها ملف إدلب ومحيطها آخر قلاع الثورة السورية.
تأثير النتائج
من المهم هنا التأكيد على أن تأثير نتائج هذه المباحثات بين تركيا والأطراف الدولية الأخرى سيؤثر بشكل أكيد على الداخل التركي وعلى نتائج الانتخابات البدلية المقبلة والبرلمانية والرئاسية التالية، وعلى هذا تحاول إدارة حزب العدالة والتنمية ان تخرج بأقل الأضرار مع الحفاظ على مصالح أمنها القومي كأولوية، وبالرغم من الإنجازات خلال الأعوام الأخيرة لإدارة اردوغان دبلوماسياً واقتصادياً، كما أن الحنكة في تخطي المطبات والخروج من عنق الزجاجة لعدد من العقبات أظهرت معدنهم المرن إلا أن الوضع الحالي يعد من الأكثر تعقيداً، فواشنطن وموسكو مصرتان على الخروج بنقطتين ثمينتين قد يضعان أنقرة أمام سقوطهم الأول.
زار المستشار الأول للرئيس الأمريكي وصهر هكوشنر العاصمة التركية أنقرة بداية الشهر الحالي وكان محور نقاشات الطرفين قائما على عرض أمريكي لأنقرة مرتبط بعدد من الملفات، كوشنر أكد للإدارة التركية بشكل مباشر أن واشنطن مستعدة لوضع مصالح تركيا كأولوية في ما سيجري في الشرق السوري، فتركيا ستستطيع الحصول على ضوء أخضر أمريكي لإنشاء مناطق آمنة هناك إلا أن المقابل كان واضحاً، على أنقرة أن تنسحب من صفقة اس – 400 الروسية كشرط أول، والتعاون مع واشنطن في تحديد مستقبل مناطق المعارضة السورية المسلحة غرب الفرات كشرط ثان، كما على إدارة اردوغان أن تكون مرنة في رؤيتها لما يعرف بصفقة القرن التي سيحاول ترامب تطبيقها خلال الأشهر المقبلة.
وكحافز إضافي واشنطن ستبقي على مشروع تزويد تركيا بطائرات الشبح اف 35، فيما الرفض التركي لهذا العرض سيعني إنهاء صفقة اف 35 مع حرمان أنقرة من أي دور في الشرق السوري كما ستكون عرضة لعقوبات أمريكية اقتصادية وعسكرية قاسية ستؤثر بشكل مؤكد على الاقتصاد التركي والتي بدورها ستؤثر على شعبية إدارة اردوغان داخلياً، وحسب مصدر مطلع فإن أنقرة لم تعط جواباً نهائياً للعرض بشكل عام إلا أن خطابات الرئيس التركي ما بعد اللقاء أكدت أن تركيا لن تنسحب من صفقة اس 400 الروسية مهما كان الثمن مما سيعرض أنقرة بشكل أو بآخر لتصعيد امريكي مقبل، فلماذا قد يضحي اردوغان بأوراق عديدة في الداخل التركي والمحيط الإقليمي مقابل عدد من بطاريات اس – 400 يمكن تعويضها بمنظومة باتريوت الأمريكية؟!
بعيداّ عن الجواب الدبلوماسي التركي المرتبط بأخلاقيات السياسة فالجميع يعلم أن الأخلاق والسياسة نادراً ما يجتمعان على طاولة واحدة، إلا أن الإصرار التركي على منظومة اس – 400 الروسية مرتبط بأحداث السادس عشر من تموز/يوليو عام 2016 أي خلال المحاولة الانقلابية التركية الفاشلة، فاردوغان وطائرته الرئاسية لم تكن في مأمن في تلك الأمسية من الطائرات الانقلابية التي كانت تقصف قيادة الأركان التركية وعددا من مراكز الأمن الداخلي والعسكري في العاصمة التركية أنقرة، تلك اللحظات المتوترة دفعت اردوغان ومساعديه لربط الأحداث التي سبقت هذا التحرك، فبرلين وواشنطن سحبوا بطاريات الباتريوت المضادة للطيران من الأراضي التركية قبل أشهر دون تفسير منطقي، فيما أغلقت فرنسا بعثتها الدبلوماسية في تركيا والتي شملت قنصليتها في إسطنبول وسفارتها في أنقرة قبل أيام من المحاولة الانقلابية دون توضيح، في تلك اللحظة كانت القيادة التركي قد اتخذت قراراً لا رجعة فيه، على تركيا امتلاك منظومة مضادة للطيران في أقرب وقت ممكن مع أولوية حصولها على تكنولوجيا تصنيع هذه المنظومة مهما كان الثمن، فكانت أبواب موسـكو وجهة اردوغان الأولـى.
تركيا والشريك الروسي
ما بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة الأخيرة دخلت أنقرة وموسكو في أشهرا من العسل التي زادت من مستوى التعاون بين البلدين اقتصاديا وسياسياً فيما كان الملف السوري حجر الأساس لهذا التعاون وثمرته، فتبادل الأضاحي والنقاط بين الطرفين كان رقم السر لما وصل عليه المشهد السوري عموماً والمعارضة السورية خصوصاً، إلا أن الأمور في الآونة الأخيرة قد وصلت لنقطة جديدة قد تعكر صفو هذه العلاقات، فالدخول التركي للشرق السوري ضمن المنظور الروسي يجب أن يكون محدودا باتفاق أضنة 1998 مع تعاون مباشر بين أنقرة ونظام الأسد، وهو ما لا يمكن للإدارة التركية في الوقت الحالي قبوله، فيما ترى موسكو بآخر مناطق خفض التصعيد في إدلب حجر عثرة أمام مشاريع إعادة إعمار سوريا وعلى تركيا تسليمها أو إفساح المجال أمام الأسد وحلفائه لإنهائها، وبكلتا الحالتين أنقرة غير مستعدة لتحمل موجة لجوء جديدة قد تطيح بحظوظ حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، هذه الضبابية والتهرب من أنقرة للمصالح الروسية كانت سبباً اساسياً لتأجيل لافروف زيارته لتركيا مرتين منذ بداية الشهر الحالي.
من الواضح أن المشهد معقد للغاية بالنسبة لاردوغان وإدارته فلا هم واثقون من شعبيتهم أمام الداخل التركي في الآونة الأخيرة ولا هم واثقون من حلفائهم الغربيين أو شركائهم الروس، إلا أن المؤكد برأيي الشخصي أن اردوغان سيستمر بصفقة اس 400، كما أن مشاركة قوات أوروبية من عدمها في الشرق السوري جانب واشنطن ستحدد مستوى المشاركة التركية هناك من عدمها، وبالرغم من المفاوضات المستمرة بين وزارتي الدفاع الروسية والتركية في ملف إدلب إلا أن أنقرة قد استلمت مسبقاً القرار الروسي النهائي، فالعملية العسكرية للأسد وحلفائه آتية لا محالة والموعد لن يتأخر كثيراً مع انتهاء الانتخابات البلدية التركية.
استراتيجية أنقرة السابقة بإرضاء الجميع لم تعد ممكنة في المرحلة التالية فعلى السفن التركية أن تختار مرفئها.
محللة سياسية يونانية مختصة بشؤون الشرق الأوسط