تجارب في الفيديو آرت عن الذاكرة المستباحة خارج حدود الزمان والمكان

حجم الخط
0

تجارب في الفيديو آرت عن الذاكرة المستباحة خارج حدود الزمان والمكان

الفنانة المصرية آمال قناوي في معرضها بدارة الفنون:تجارب في الفيديو آرت عن الذاكرة المستباحة خارج حدود الزمان والمكانعمان ـ القدس العربي ـ من رحاب أبو هوشر: ضمن توجهها لدعم الفنون البصرية في الأردن، وخلق آفاق الحوار مع التجارب الإبداعية العربية، استضافت دارة الفنون في العاصمة عمان معرض الفنانة المصرية آمال قناوي والذي ابتدأ يوم 23 كانون الثاني (يناير) الماضي وسيمتد حتي 3 أيار (مايو) المقبل، والفنانة قناوي من مواليد القاهرة عام 1974، درست السينما وتصميم الأزياء في معهد السينما-القاهرة، كما حصلت علي بكالوريوس رسم من كلية الفنون الجميلة-جامعة حلوان في الفترة ما بين 1997 ـ 1999. وقد أقامت عدداً من المعارض الفردية منذ عام 2004 إضافة للمعارض الجماعية، كما كان لها عدة مشاركات في بيناليات عربية ودولية، وحققت أعمالها حضوراً لافتاً في مهرجانات مسرحية وسينمائية عربية ودولية منها مهرجان مسرح الأمريكتين، مونتريال-كندا، ومهرجان تيرانا الأول للأفلام القصيرة والوثائقية-فرنسا. وقد نالت الفنانة الشابة عدة جوائز عن أعمالها أيضا.في معرضها الحالي وظفت الفنانة تقنية الفيديو آرت-الرسوم المتحركة كإطار تتحرك فيه رسوماتها التشكيلية المثقلة بالرموز والدلالات، لتقديم عملها الإنشائي التركيبي المكون من ثلاثة أفلام هي: (قف، سوف تقتل)، (غابة بنفسجية اصطناعية)، (ذاكرة مجمدة) من خلال عرض الحجرة كفضاء حميم يهدم الحواجز ما بين الصور المتحركة علي الجدار والمتلقي بقصدية واضحة لتوريطه في مواجهة ثيمة الذاكرة التي تتسق فيها الأفلام الثلاثة كبنية تعبيرية وإن اختلفت الخصائص الشكلية والأسلوبية لكل فيلم. وقد كان لما يمكن اعتباره إخراجاً للعرض أثر بالغ في الزج بالمشاهد في أتون الحالة النفسية والذهنية التي تتصاعد بلا توقف منذ اللحظة الأولي لمشاهدة الفيلم الأول وحتي الانتهاء من الفيلم الثالث بما يحقق له متعة بصرية وفكرية بالغتين.قامت الفنانة آمال باستلهام عملها الأول (قف، سوف تقتل) من زيارة قامت بها لمستشفي في سنغافورة بني خلال الاستعمار البريطاني، وما أثاره ذلك المكان في مخيلتها من ذكريات الحرب والعنف. استخدمت في هذا الفيلم رسومات مستوحاة من بناء المستشفي باعتباره ذاكرة تختزن الألم والرعب والعنف، أعمدة، قضباناً، جدراناً تتنامي وتستطيل لتغطيها الدماء، ومن خلفها وجوه تشي بالرعب، ينبثق وجه الفنانة من بين الركام خائفاً عاجزاً سرعان ما تضرجه الدماء. غرف المستشفي التي تظهر كي تنهدم وتكشف الوجوه المرعوبة. تتوالد الصور البشرية والأشياء بإيقاع عنيف ومتسارع لتنقض عليها خطوط ودوائر فتتبدد لتولد من جديد، ويبقي الدم متسيداً المشهد الأخير. والفنانة في هذا العمل تعري الذاكرة الإنسانية المسكونة بالعنف الذي يغتال الإحساس بالإرادة الحرة وبالأمان ويتركه كائناً مذعوراً مستلباً في مواجهة آلة العنف التي تهشم روح الإنسان في المجتمعات البشرية.أما عملها الثاني (غابة بنفسجية اصطناعية) فهو عمل يقوم علي فكرة الحلم، دوامة سوريالية يسيطر عليها الإيقاع اللاهث واللون البنفسجي تفضي إلي الهذيان الذي ينفجر بشكل فوضوي في ذهن المتلقي ليبقيه في حالة من الارتباك والتوتر. عمل يعج بالصور المتناقضة الموجعة، وحوش مفترسة، أوانٍ منزلية، أزهار تنمو فيلطخها اللون البنفسجي وتلتـــــف حولها الخطوط والدوائر لتتلاشي، طفل بملامح قاسية، امرأة هزيلة بملامح منكسرة، أعضاء بشرية تنبت منها الأغصان بتلاحق متوتر سرعان ما يلتهمها كائن مبهم في المرايا، ثم تأخذ كل العناصر بالتهام بعضها بعضاً، ثم تتداخل مشكلة كتلة واحدة في مشهد من الفوضي الكابوسية التي تعكس رؤية لهذا العالم الذي لا مكان فيه لحلم إنساني نقي، وهي إذ تستخدم رسومات للأواني المنزلية فإنما لتشير إلي اغتراب الإنسان وانكماشه في أقصي أماكنه حميمية، حيث الخراب الذي ينقض بضراوة علي أحلام الإنسان، وقد أشارت الفنانة إلي أن استخدامها للون البنفسجي في هذا الفيلم جاء للتخفيف من وقع اللون الأحمر بالنسبة لبعض الناس، كما ذكرت في الكلمة التي ألقتها لدي افتتاح المعرض. وفي تعليق لها علي اعتماد الأسلوب السوريالي في هذا الفيلم إنها هنا تستخدم الحلم والخيال لجعل اللامرئي مرئياً، ولإعادة تجسيد ما لا يمكن لمسه في شكل أقرب إلي التعبيرية منه إلي السوريالية، فالمقصود بالنسبة لها إدانة هذا الواقع المصطنع الذي يختنق في هوائه الإنسان وليس محض عمل خيالي .أما فيلمها الثالث والأخير (ذاكرة مجمدة) فهو عمل يأخذ خلفيته الاجتماعية الواقعية في تناوله لمعاناة الإنسان الوجودية، إذ تطرح مسألة الزواج كمرحلة من المراحل المفصلية في حياة المرأة/ الإنسان في المجتمع العربي، وما يحيطها من طقوس ضمن ما اختزنته في ذاكرتها علي حد قولها. سنري في الفيلم ثوب زفاف يتحرك في خلفية مظلمة محاطاً بمرايا، ثم تأخذ المساحة بالتقلص شيئاً فشيئاً ما بين الثوب والمرآة، حتي تطبق المرآتان علي الثوب الذي يشف عن هيكل عظمي فيسقط علي الأرض. وهي هنا تطرح رؤيتها للزواج بوصفه معادلا موضوعياً للموت بالمعني الإنساني، وكأنما هو مجرد حلقة إضافية في دائرة السحق الذي يمارس علي المرأة/الإنسان فيسلبه حريته وفرادته. فالثوب الذي يتحرك مبهماً، مثل رمزاً للإلغاء وامحاء الهوية الفردية للذات الإنسانية، وصولاً للصور المنعكسة في المرايا التي كانت تؤكد الموت مع كل اقتراب، في ظل علاقات إنسانية مشوهة تضاعف المسافات التي تفصلنا عن الآخر الحميم وتجعل من اللقاء الإيجابي به أمراً أقرب إلي المستحيل، فلا يجد الإنسان أمامه إلا الانكفاء والانعزال داخل المجتمع. جاءت الأفلام الثلاثة للفنانة مشدودة بإحكام إلي المحور الموضوعي للعمل وهو الذاكرة علي الرغم من رحابة العوالم الثلاثة وتنوع مناخاتها النفسية والذهنية، وقد تنوع أسلوب الفنانة في كل عمل بما ينسجم مع فكرته إلا أنه حافظ علي نسقه التعبيري، وتقول في هذا الإطار: ما يهمني عندما أعمل، الفكرة التي أشتغل عليها، والأسلوب يأتي لاحقاً، إذ تمليه الفكرة نفسها ، ولم تقتصر في عملها علي مادة محددة، فقد استعملت رسوماتها، وصورتها الفوتوغرافية، وصورا لوجوه مبهمة. إلا أن أبرز ما ميز أعمالها هو الاستخدام المكثف للرموز للدلالة علي الذاكرة والحلم والخيال، حيث كانت الأعمال الثلاثة تتأرجح بين مساحات الذاكرة وفضاءات المتخيل لتجسيد رؤيتها للوجود الإنساني.إنها تجربة جديدة ومغايرة للسائد جاءت لتشكل حالة مختلفة لجمهور عمان من الفنانين والمثقفين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية