«تل أبيب ع نار» للفلسطيني سامح زعبي: السلاح يغير السيناريو لا الحمص

حجم الخط
0

قد تكون إحدى أكثر المقاربات صحية لحالة مأساوية ما هي السخرية، هي تحويل المأساة إلى كوميديا، إلى شكلٍ كاريكاتيري. يمكن من خلال غرائبية الحالة الفلسطينية في الاحتكاك اليومي مع ممثلي الاحتلال، أن يكون هذا الكاريكاتيري واقعيا – ليس كما يُفترض أن يكون – قابلا للتصديق في حالته التي تصل لمُشاهدها كما هي على الشاشة. هنا، حيث تحمل الكوميديا الكاريكاتيري إلى الأبعاد الواقعية، إلى قابلية تلقي الفيلم كأحداث معقولة، تكون الكوميديا إضافة نوعية لعموم الشغل السينمائي الفلسطيني الممتلئ بالمآسي.
قد نقول إن السينما الفلسطينية في حالة جيدة صحية متى استخرجت فيلما كوميديا من السياق المأساوي لعموم موضوعاتها (الاعتقال، اللجوء، القمع، العنصرية)، نضعه على الطاولة لنقول إننا استوعبنا ذلك الواقع، تلك المأساة، إلى درجة السخرية منها، وتضخيم أبعادها، بالتالي تخطيها إلى ما بعدها، كأن نصنع فنونا في تصنيفات غير تلك التقليدية لنا، نتقدم فيها على آخرين، في ميدان غير ما تعودناه، أو تعوده الآخرون منا.


هذا ما فعله المخرج الفلسطيني سامح زعبي في «تل أبيب ع نار» الذي شارك في «مهرجان فينيسيا السينمائي» بدورته الأخيرة، في قسم «آفاق» حيث نال قيس ناشف جائزة أفضل ممثل، وكان قبل أيام فيلم الختام في مهرجان السينما الفلسطينية «سينيبالستين» في مدينة تولوز الفرنسية. هذا ما فعله بخروجه عن الفيلم السياسي، عن فيلم القضية الفلسطينية، ودخوله إلى عالم الكوميديا محملا تماما بالقضية ذاتها، حمَلها إلى الكوميديا ولم يأتِ بكوميدياه إليها.
للفيلم بداية ونهاية لافتتان، لن أحكي عنهما، إنما للفيلم عموما، من الكيفية التي بدأ بها (المسلسل/المسرحية داخل الفيلم) إلى أسلوبه في السخرية كمقاربة للمأساة، يذكر بأحد أفضل أفلام الكوميديا في التاريخ وهو «To Be or Not to Be» (1942) للألماني إيرنست لوبيتش، الذي تجرأ وصنع فيلما يسري عليه ما ذُكر أعلاه، تناول فيه فترة احتلال النازية للعاصمة البولندية وارسو، فالسخرية من التواصل/التعامل اليومي بين قوة الاحتلال من خلال ضباطه وفنانين من الشعب القابع تحت الاحتلال، سخرية تصل حد العبث مما يحصل، ومما سيؤدي إليه، هي ما أشرنا إليه بالعلاقة الصحية مع المأساة بتخطيها إلى ما بعدها. نذكر هنا أن لوبيتش من عائلة يهودية أنجز فيلمه التحفة في ذروة الحرب العالمية الثانية، وعمليات ترحيل اليهود.
لندخل أكثر في فيلمنا: سلام عباس، يصبح بالصدفة كاتب سيناريو لمسلسل فلسطيني يشاهده الجميع اسمه «تل أبيب ع نار»، التصوير يتم في رام الله، يضطر للمرور عبر حاجز إسرائيلي لدخول القدس، حيث يعيش، يحكي كلمة تتسبب بتوقيفه، يحقق معه الضابط ليعرف أنه كاتب السيناريو للمسلسل الذي يتابعه إسرائيليون كثر من بينهم زوجته، في كل مرة يمر فيها سلام عبر الحاجز يضطر للدخول إلى الضابط الذي بدأ بإدخال تغييرات على السيناريو، تغييرات لصالح شخصية ضابط إسرائيلي في المسلسل، بخلاف شخصية مروان، الفلسطيني الذي يخطط لاغتياله في أحداث تجري قبل حرب عام 1967. يدور الفيلم حول مرور سلام بالحاجز ومحادثاته مع الضابط الذي يمعن في إدخال تغييرات على السيناريو، وبين استديو التصوير وتفاصيل صغيرة غيرها.
ليس سلام عباس (للاسم دلالته) شخصية بطولية فلسطينية، هو شاب بسيط حصل على عمل غير متوقع في مسلسل خالِه، كل ما يسعى إليه هو الحفاظ على هذه الفرصة التي يضمن بها عودة حبيبته إليه، إضافة إلى دخلٍ وشهرة، هي شخصية انتهازية بالمعنى الساذج للكلمة، لكنه وبعد تدخلات غير محتملة من الضابط يصل إلى حد يقول فيه عن مروان بعدما أشار له الضابط مرارا كإرهابي إنه «مقاتل من أجل الحرية» كما «نحن نسميه» يقول الضابط إنه يعرف أمثاله فيرد سلام إنه يعرف أمثال مروان أكثر منه. يصل سلام إلى هذه المرحلة من تطور شخصيته بعدما صودرت هويته، ولم يتمكن من عبور الحاجز فعاد بسيارته ليمر في أرض خراب مهجورة بمحاذاة الجدار الشنيع.
التطور في شخصية سلام هذا لم يكتمل، إذ كان للضابط دائما الكلمة الأخيرة، وقد خطف سلام آمرا إياه وبالمسدس على رأسه بأن يغير في السيناريو كما هو يريد، وهذا في صلب الحكاية الأساسية في الفيلم، أو القراءة الأساسية له في السياق الفلسطيني، فالضابط يسعى لكتابة السيناريو الذي على هواه، بإجبار الفلسطيني على القبول به، والإشارات المتكررة لاتفاقية أوسلو في الفيلم تجعل من الحكاية ترميزا واضحا لاتفاقية كتبها الإسرائيليون على هواهم ووقع عليها الفلسطينيون مغيرين في «سيناريوهم» ليلائم الإسرائيليين، وكل ذلك بقوة السلاح.
ولأن فكرة تغيير السيناريو أكبر من «أوسلو»، فللفيلم قراءة أبعد من تلك الاتفاقية تصل إلى محاولة الإسرائيليين السيطرة على روايتنا/حكايتنا/نسختنا من التاريخ الذي نسرده للعالم، بقوة السلاح. هنالك روايتنا لتاريخ الصراع بيننا وبين الصهيونية وهنالك روايتهم، ما يحاوله الضابط هو تغيير روايتنا وإمضائنا على تغييراته، هو كتابته للسيناريو بنفسه وفرضه على سلام، بل فرض إظهار صورته بزيه العسكري داخل المشهد ضمن الديكور. انصياع سلام إلى ذلك يتعلق بطبيعة شخصيته غير البطولية، ومحاولاته الناجحة أحيانا في المراوغة بتفاصيل معينة، إنما لا يحول ذلك دون حصول الضابط على ما يريده وبالقوة.
في الفيلم يأمر الضابط سلام بالقدوم بصحن حمص، كلما مرّ بالحاجز كي «يساعده» في إعادة كتابة السيناريو. سلام الذي لا يأكل الحمص منذ الصغر بسبب عقدة سببها حصار الجيش لبيت أهله في الانتفاضة الأولى، ولم يكن لديهم غير الحمص لأكله، اشترى مرة حمصا معلبا وأعده للضابط الذي أكله بشهية. لاحقا، في مطعم حمص فلسطيني، يقول الضابط لسلام إن الأحمق فقط من يأكل الحمص المعلب، عاجزا عن التمييز بين المعلب والطازج.
وإن استطاع الضابط إحداث تغييرات في السيناريو الفلسطيني، بالسلاح، ليلائم الإسرائيلي، في الصراع بين الروايتين/الحكايتين وأصحابهما، يبقى هذا القادم الطارئ على البلاد عاجزا عن التمييز بين الحمص الطازج والحمص المعلب، وله روايته الكاذبة عن «ملكية الحمص»، ولنا روايتنا، وهذا ما لا يستطيع تغييره بالسلاح.

٭ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية