إذا اندلعت هذه الليلة حرب أخرى في غزة، فهذا سيكون بدرجة ما بسبب تحريض وسائل الإعلام اليسارية. إذا منعت الحرب، فهذا سيكون بدرجة ما بفضل ضبط النفس لليميني المكروه علينا بنيامين نتنياهو. وسائل الإعلام، اليسار واليمين، في جوقة موحدة تقريباً، تشعل وتحرض على سفك الدماء، متعطشة للإثارة. جنون هذه المعارك الدورية، صحف تدفع إلى حرب وما زالت تعتبر يسارية، أصبحت هي القاعدة. هذه هي صحفنا المقاتلة التي تحارب من أجل الحرب.
ترتيب الأمور كالتالي: في البداية يخفون خلال سنوات بصورة ممنهجة وعمداً الدوافع والتبريرات لعنف الفلسطينيين. يخفون قمع الاحتلال. كل ذلك إرهاب، وجميعهم إرهابيون. بعد ذلك يضخمون أبعاد عملياتهم. وأخيراً يطالبون بالثأر بحيث يكون بشكل لم يخلقه الشيطان بعد. صاروخ بدائي يخرب بيت في موشاف تعطى له أبعاد جهنمية. عدد من المصابين ـ يعتبر تقريباً إبادة شعب. العنوان هو «المعجزة»، «الكلب طوني تلقى شظية وأنقذ حياة الجدة سوزان». محاكاة ساخرة للصحف. بحر من القصص عن الجدة والجد، الأطفال والشظايا، يغرق وسائل الإعلام. هذا يثير المشاعر ويزيد البيع ويحرض. وليذهب إلى الجحيم التوازن والمهنية.
في غزة ما زال عشرات الآلاف الذين ليس لهم بيت من الحرب السابقة. في ساحاتهم لم يكن هناك في أي يوم أرجوحة مثلما في مشميرت. و لم يسمع عنهم أحد. في مشميرت يعدون بأنه حتى يوم الاستقلال سيكون البيت قد بني ثانية، وفي غزة لا يوجد يوم استقلال ولا يوجد من سيعيد بناء الأنقاض. لا توجد كلمة عن الذين يعيشون داخل الحصار وعن مرضى السرطان الذين يحتضرون وعن الجوع والبطالة والخوف من القصف في منطقة لا توجد فيها ملاجئ. الصحف تخفي وتخون. الجنود يضربون شخصاً أعمى في سريره ويقتلون سائقاً في سيارته، قتل يومي تقريباً في الضفة، ولا توجد أي كلمة. فقط أنقاض البيت في مشميرت. النتيجة التي يصعب منعها هي أن إسرائيل لا يمكنها السكوت.
بتجاهلها كارثة غزة وتركيزها على أنقاض بيت في «مشميرت»
مراسلة للشؤون السياسية، التي كانت مراسلة للشؤون العسكرية، تسأل رئيس الحكومة قرب الطائرة المتجهة إلى واشنطن بصورة تجمد الدم في العروق «كيف لا يتم حتى الآن الإبلاغ عن قتلى في غزة؟»، «كيف أنك حقاً لم تقتل حتى الآن، يا نتنياهو؟». في «صوت الجيش» يعرضون للبث أحد سكان غزة الذي يتحدث عن القليل من معاناتها إلى جانب أحد سكان سدروت. وعلى الفور يبرز الصراخ في وسائل الإعلام. كيف يتجرأون على مقارنة الغزي مع شخص يعيش في سدروت، المقارنة بين الحيوان والإنسان. «صوت الجيش» لم يتجرأ على إجراء مقابلة مع شخص من غزة مرة أخرى. المعاناة فقط توجد في سدروت، أشخاص يوجدون فقط في غلاف غزة، أطفال يوجدون فقط في مشميرت، العناوين تصرخ: حتى هنا. يجب تدفيع الثمن. الساعة تضغط. يجب القتل. لا يكفي تدمير 100 بيت، نحن بحاجة إلى 1000 ومع الدماء.
الخبراء في الاستوديو: يجب الضرب والردع. مسيرة الشعارات الفارغة: «لا يمكن الانتقال إلى جدول الأعمال العادي ـ لماذا حقاً؟ لا يمكن ضبط النفس؟ لم لا؟ ممنوع الصمت ـ ربما يفضل؟ لا أحد يخطر بباله أن يرفع الحصار ـ هذا هراء. يجب قصف أرض عاجزة ـ هذا منطقي. جنرالات يتشاجرون فيما بينهم من البطل الذي قتل أحمد الجعبري، وأحد ما لا يسمي الولد باسمه: قتل. الجميع في وسائل الإعلام اليسارية التي جزء كبير من الكتاب والمذيعين فيها يصوتون لبني غانتس أو ميرتس، لكن هذه جزئية عديمة الأهمية. المهم أنهم مسؤولون عن أن إسرائيل تحصل على معلومات ممنهجة وتغسل الأدمغة، حوار بين اليمين واليمين المتطرف. صحف تخوف رسالتها، مجندة كلها للموضوع الأكثر مصيرية.
الصورة التي ترسمها: الفلسطينيون ولدوا كي يقتلوا. هم حيوانات ونحن بشر. هم يفرضون الحرب على الدولة الأكثر سعياً للسلام، حرب لا تريدها تماماً. ولكن هذه الحرب التي لا تريدها أصبحت حلمنا الآن. إذا كان نتنياهو لا يفهم ذلك، فنحن المراسلون اليساريون سنشرح له ذلك. هذا يمكنه أن ينتهي في رفح وبالدم. إذا لم يكن في هذه المرة ففي المرة القادمة. شكراً لـ «يديعوت احرونوت» وإلى اللقاء يا «إسرائيل اليوم» وتحية لقنوات التلفزيون والإذاعة. وسنلتقي بعد الحرب القادمة.
جدعون ليفي
هآرتس 28/3/2019