إحياء يوم الأرض في نهاية الأسبوع سيشكل فرصة لذوي المصلحة بأن يثيروا الخواطر ويجمعوا الأصوات بين المقترعين العرب أو حتى لتعميق الشرخ بين اليهود وغير اليهود في إسرائيل. ينبغي الافتراض والأمل بأن هذه السنة أيضاً، مثلما في السنوات السابقة، لن ينجر مواطنو إسرائيل العرب خلف المحرضين والاستفزازيين.
وعلى خلفية الانتخابات القريبة بالذات، من المهم التشديد على أن عرب إسرائيل اتخذوا منذ الآن خيارهم: فقد اختاروا أن يكونوا إسرائيليين، وجزءاً لا يتجزأ من الدولة التي يعيشون فيها. ويجد هذا الاختيار تعبيره في كل خطوة وعمل لمواطني إسرائيل العرب. كما تتضح من المعطيات على الأرض صورة الاندماج المتواصل بل والمتزايد للسكان العرب في نسيج الحياة الإسرائيلية: في سوق العمل، في أجهزة التعليم والتعاليم العالي، في الثقافة وفي الرياضة، في الاقتصاد، وأخيراً حتى في اللغة الدارجة، التي تستوعب في داخلها كلمات واصطلاحات من العبرية.
قبل كل شيء، هذا اختيار يومي لنحو 2 مليون مواطن عربي يشقون في كل صباح طريقهم إلى نسيج الحياة الإسرائيلية، الذي هم جزء لا يتجزأ منه: في أماكن العمل، في المدارس وفي مؤسسات التعليم العالي، في مؤسسات الصحة وفي مجالات أخرى.
ولكن الحديث يدور أيضاً عن اختيار بوعي ورغبة للديمقراطية الإسرائيلية، التي تمنح حرية التعبير؛ الديمقراطية التي لا يوجد فيها ملوك ورؤساء وأبناء رؤساء لكل حياتهم، والتي عرفت أيضاً كيف تلقي برئيس ورئيس وزراء إلى السجن. كما أن هذا هو اختيار لقوة إسرائيل الاقتصادية والأمنية، التي تمنح رفاهاً وأمناً اقتصادياً، وبالأساس حماية من العنف والإرهاب. لا غرو أن ميل الأسرلة هذا يسحر الكثير من الشبان الفلسطينيين في يهودا والسامرة، ممن هم مستعدون لأن يتنازلوا عن حل الدولة الفلسطينية وليصبحوا مواطنين إسرائيليين.
لقد شهدت مسيرة الأسرى لعرب إسرائيل ارتفاعاً وهبوطاً. بلا شك، توجد على الطريق عوائق وحواجز كثيرة، ولكن هذا ميل ثابت لا يمكن منعه. من هذه الناحية، يخيل أنه في الجدال التاريخي الذي جرى في حينه بين دافيد بن غوريون رئيس الوزراء الأول، وزعيم المعارضة مناحم بيغن، كان الأخير هو المحق. فقد أقام بن غوريون الحكم العسكري الذي أدار حتى منتصف الستينيات حياة عرب إسرائيل. واعتقد أنه لن يكون ممكناً جسر الهوة بين إسرائيل ومواطنيها العرب، وأنه قيض لهؤلاء أن يكونوا طابوراً خامساً في الصراع بين شعبهم ودولتهم. أما مناحم بيغن، من جهته، فقد دعا إلى إلغاء الحكم العسكري وآمن بانخراط عرب إسرائيل كمواطنين متساوي الحقوق في دولة إسرائيل.
مثلما في أوساط العديد من المقترعين اليهود وفي أوساط المجتمع العربي أيضاً، فإن التصويت للأحزاب العربية هو بمفاهيم كثيرة «تصويت قبلي»، ولا ينبع بالضرورة من التماثل مع زعماء هذه الأحزاب، بل وأحياناً لا يكون دوماً للتوافق التام مع طريقها وأيديولوجياتها. وبالتالي ينبغي الأمل بأن حزب عرب براغماتياً في المستقبل غير البعيد سيخط على علمه العمل على تقدم قضايا المواطنين العرب، مثل تحسين قدرة الوصول إلى التعليم العالي وسوق العمل، والتنمية الاقتصادية للبلدات العربية، وتعميق انخراطهم في المجتمع الإسرائيلي، وغيرها.
ولكن رغم ذلك، محظور على الدولة أن تتراجع عن جهودها لتعزيز العلاقة بين مواطني إسرائيل العرب والدولة ـ مثلاً، من خلال تحقيق مشروع الخدمة الوطنية والمجتمعية للشبان العرب، وانتشار شرطة إسرائيل في البلدات العربية لتعزيز الأمن الشخصي فيها والاستثمار في البنى التحتية والتعليم.
كما ينبغي الأمل بأنه لم يبعد اليوم الذي يجلس فيه في حكومة إسرائيل وزير عربي، يكون نموذجاً وقدوة للجمهور الذي يأتي منه ويثبت بأنه يمكن اقتحام كل سقف زجاجي في الطريق إلى الانخراط والمشاركة في حياة المجتمع والدولة. يوم الأرض هو إذن تذكير ليس فقط للظل الثقيل للماضي والمصاعب التي على الطريق بل وللانجاز الأكبر المتمثل بانخراط العرب مواطني إسرائيل في المجتمع وفي حياة الدولة، وبالأساس تذكير لاختيارهم الإسرائيلية كطريقة حياة.
ايال زيسر
إسرائيل اليوم 28/3/2019