الدولة الاسلامية: الحلم الوردي والراية السوداء

حجم الخط
6

الدولة الاسلامية، ذلك الهروب من الواقع البائس إلى الميتافيزيقيا الحالمة السعيدة التي رسمها السيد أبو الأعلى المودودي في الجماعية الاسلامية التي أسسها عام 1941، والتي استند إليها سيد قطب في بناء نظريته والتي يعتبرها الكثيرون البعد النظري للعمل الجهادي الطامح للخلافة التي حوَّلها الاعلان عن الدولة الاسلامية مؤخراً حلماً ملموساً . وبين هذا الواقع وذلك الحلم بدأت مراكز الدراسات شرقية وغربية كالضارب بالماء أمام تحليل المسببات وتوقع المآلات ، وكثرت التحليلات التي انتشرت على لسان الشارع العربي المتأرجح بين منزلقات الاستبداد ومنزلقات التعصب المقيت . وانقلبت بوصلة الحراك الجماهيري الثوري عن عدوها المتمثل بالاستبداد إلى عدوٍّ توهمته مجسداً بالدولة الاسلامية المعلنة حديثاً ، تماشياً مع الارادة الحكومية المحلية ناهيك عن الارادة الدولية التي قررت رفع أجهزة الانعاش عن الرجل الضعيف أوائل القرن الماضي ، ولا تريد أن تشهد ولادته في أي لحظة مُخْتَلَسَةٍ من هذا الزمان . وانقسم الشارع بين مصفق للدولة الاسلامية يرى فيها انبعاث مجد الماضي ، وآخرُ منقلب على الصورة النمطية لمجتمعه محاولاً استنساخ الخبرة الأوروبية في حربها مع الكنيسة في القرن الماضي، ومراجع لذاته وخياراته محاولاً وأد ذلك الحلم الدفين الذي كان يدغدغ مشاعره بين الفينة والأخرى وهو يقف على قبر صلاح الدين في تلك الزاوية العتيقة من زوايا الجامع الأموي في دمشق . أو يداعبه وهو يمر على قبر خالد بن الوليد الذي استندت إليه أكتف ثوار حمص الجريحة ، أو يلمحه على أسوار اسطنبول الذي مثَّل ملجأً للكثيرين .
وتكاثرت الاتجاهات وتعددت الاطروحات واختلط فيها التلفيق مع التحقيق في سجلات تلك الدولة الوليدة ، ذهب البعض إلى جعلها مؤامرةً حيكت خيوطها بمال عربي وإرادة دوليةٍ وخبرةٍ شرقية لدى أقبية النظام في دمشق تارة وفي إيران تارة أخرى ، أو جريمةً بحقَّ ثورةٍ بدأت ثورة حرية وكادت أن تنتهي ثورة إسلامية بخلاف إرادة الجماهير العريضة بحسب وصفهم . وذهب آخرون إلى أن ظهور الدولة على تلك الشاكلة هو الضربة الكبرى التي ستؤدي إلى توسيع الهوة بين الحلم الوردي وواقع الراية السوداء ، بينما رأى آخرون أن إعلان الخلافة إنما يمثل تطوراً حتمياً لذلك الحشد العاطفي الذي لم تنطفئ ناره منذ سقوط الخلافة العثمانية ، تلك النار التي ألهبتها خطبٌ حماسية ٌ تحاكي أمجاد الماضي وتدقُّ من منابر مختلفةٍ باباً واحداً اسمه باب الخليفة. الخليفةُ الذي خرج على منبره ليقترب من الناس ويداعب أحلامهم بحلو كلماته ومكر اقتباساته . ولو أردنا مناقشة إعلان الدولة الاسلامية من جانب أكثر تخصصاً ، فسيكون حاسمأً في النقاش تحديد النقطة الزمنية التي نتحدث عنها للاستناد إلى توصيفاتها ومؤدى هذه التوصيفات ، ففي اللحظة التي ظهر فيها الاعلان كنا أمام نقطة زمنيةٍ تحول فيها تنظيم الدولة من مفهوم التنظيم إلى مفهوم الدولة التي تكاملت عناصر قيامها وفق البيان . وبالتدقيق والعودة على ما قدمناه ، نجد أن الأيديولوجيا التي تقوم عليها هذه الدولة تعتمد على ذات القواعد التي أشار إليها كل من المودودي وسيد قطب ، إلا أن تحليل هذه المفردات يضعنا أمام رؤية جديدة ، ربما تلامس الواقع وتقترب من الحقيقة.
النظام «الثيوقراطي» إن مناقشة قيام الدولة وتوجيه النقد إليها لاعتمادها نظاماً ثيوقراطياً قائماً على الدين لا ينال من الدولة أو النظرية التي استندت عليها في إعلان نفسها ، وإن التاريخ والحاضر يعتبر زاخراً بأمثلة على الدول الثيوقراطية والتي لا تبتعد جغرافياً عن الدولة موضوع المقال ، فلو ذهبت غرباً لاصطدمت بالمارد الايراني الذي يؤصل لنفسه كنظام ثيوقراطي بحت ، ولو اتجهت جنوباً لاصطدمت بالمارد الاسرائيلي الذي أعلن عن نفسه كدولة دينية ، ولو قلَّبت صفحات الجغرافيا لوجدت أمثلة أخرى كمملكة بوتان ودولة الفاتيكان ، وحكومة أندورا . إلا أن اللافت للانتباه هو الانتقاد الشديد لهذا النظام الثيوقراطي من محيطه الضيق وبعده الاجتماعي ، هذا النظام الذي غازلته دساتير الدول العربية بفرض الشريعة كأحد المصادر الرئيسية للتشريع ، وراودته حكوماتها حين أعلنت مجتمعة على ما يسمى « القانون العربي الموحد « والذي يعتبر تقنيناً للشريعة الاسلامية . فلماذا تغازل ؟ ولماذا تراود ؟ ولماذا تداعب ؟ ولماذا تتعفف ؟
النظام التوسعي . لقد اعتمد الكثيرون أيضاً هذه الصفة التوسعية لانتقاد هذه الدولة الوليدة ، وإن الاعتماد على هذا النقد منبعثٌ من رفض الانقلاب على النظام العالمي الحالي ، والذي رُسمت حدود دوله بأيدي الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ، إيقافاً منهم لحركة التاريخ عند هذا الانتصار . ولو رجعنا إلى الأيديولوجيا التي أقامت امبراطورياتهم الجغرافية تاريخياً ، وامبراطوريات النفوذ في الوقت الحاضر ، لوجدنا أن الجميع دخل في هذه الدوامة التوسعية التي يشارُ بالاتهام إليها . ويكفينا في جانب آخر أن نشير إلى بعض وثائق جامعة الدول العربية والتي تجلت في دساتير بعض أعضائها ، ومنهم نظام دمشق بأن الوحدة ثالث ثلاثة في أيقونة « الوحدة والحرية والاشتراكية « والتي تمثلُ بحسب أدبيات البعث مطلباً جماهيرياً عربياً حالت دونه دول الاستعمار الحديث . إلا أن المفارقة تكمن بمناهضة من تواءمت أدبياته مع هذه الأدبيات ، وحاول بأفعاله تحقيق هذا المطلب الجماهيري – بحسب قولهم – والذي سوَّقوا أنفسهم من خلاله لدى مجتمعاتهم . وترنموا عليه مع قصيدة غنوها . بلاد العرب أوطاني من الشـــــــام لبغدان.
النظام القمعي . لا يخفى على أحدٍ أن الدولة الاسلامية بهذه الصورة أعملت يد البطش في مناهضيها ، الأمر الذي لا يبرره منطق ولا قانون ، وإن وجد مبرراً تاريخياً له بممارساتٍ شرقية وغربية ، لا تبدأ بالقضاء على الهنود الحمر في أمريكا ولا تنتهي بالقمع الممارس من الأنظمة في دمشق والعراق. إلا أن وجود المثال التاريخي لا يتيح التبرير المنطقي ولا القانوني ولا الشرعي في إنهاك الناس وإهلاكهم وتطويعهم باسم الشرع أو غيره بقصد إقامة الشرع أو غيره . إلا أن قيام الدول بموجب القانون الدولي لا ينتظر إرادة من أحد ، فقد أكد كبار شراح القانون الدولي في تعريفهم لمفهوم الدولة أنها قائمة على عناصر ثلاثة ( الأرض والشعب والسطلة ذات السيادة ) ، وبالرجوع إلى فقه القانون الدولي نلمح تنازعاً بين تيارين ينظر أحدهما إلى الاعتراف بالدولة على أنه منشئ لها ، بينا يرى الفقه الراجح الذي اعتمده مجمع القانون الدولي أن الاعتراف لا يعدوا أن يكون مقرراً أو مقرَّاً بالوجود الذي تحقق باستكمال العناصر الثلاثة المشار إليها. وقد غاب عن أذهان الكثيرين أن الاعلان جاء مستكملاً لهذه العناصر وربما يكون ذلك سلوكاً مدروساً ومقصوداً من قياداتها التي تهاوت إليها خبرات شرقية وغربية متعددة الاختصاصات . لقد استطاعت الدولة الاسلامية أن تُوقِع المجتمع الدولي – والذي ربما اختار الوقوع – في شرك الاعتراف بها ولو حتى في الجلسات الضيقة كسلطة حاكمة للجمهور في رقعة ٍمن الأرض صغرت أم كبرت ، فاضت مواردها أم شحَّت . فما بالك بكيان تتجاوز مساحته ما تبقى من العراق وما بقي من سوريا ، وتتركز لديه آبار النفط التي ربما تكون جاذبة للأشخاص الدولية ولو بعد حين . لقد استطاعت الدولة الاسلامية أن تجد لنفسها مكاناً على الخريطة التي لم تستطع شظايا الأغيار المنازعة فيها . فإما أن نثبت عدم امتلاك الدولة الاسلامية المعلن عنها لأحد عناصرها سواء بإعادة بسط النفوذ أو كف يدها كسلطة قائمة في تلك المناطق ، أو على الجميع أن يقتنع بأنها في طريقها للحياة كدولة ، ولا بدَّ أيضاً من تصحيح التوجه الاجتماعي الذي انقلب على ذاته. فالانقلاب الأعمى سيؤدي إلى رجوع مندفع ، لا بدَّ أن نعلم أن الدولة الاسلامية كحلم لا يمكن اسقاطه على كلِّ طامح أو طامع ، ولا يمكن سلبه من كل مريد . إذا أردنا علاج مسألة الدولة الاسلامية فلا بدَّ من التحليل في التوصيف ولا بدَّ من التأصيل في التصنيف لكي نستطيع الاجابة على تساؤلات عدَّة يمكن اختزالها بما يلي : ما هي المشكلة ؟ وما هي أسبابها ؟ وما هو حجمها ؟ وماهي عواقبها ؟ وكيف السبيل لحلها ؟ .

٭ كاتب سوري

د. عمار تباب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية