القاهرة ـ «القدس العربي»: بعد سنوات طويلة من العمل في مجال المسرح والحكي، والنضال في مجال الفن الذي يعشقه شريف الدسوقي ويرفض التخلي عنه مهما كانت المصاعب، واتته الفرصة التي قد تكون متأخرة ولكنها عادلة، حيث اختاره المخرج أحمد عبد الله لبطولة فيلم «ليل خارجي» بالمشاركة مع منى هلا وكريم قاسم وعدد من ضيوف الشرف. لم يفوت الدسوقي الفرصة، بل استغلها أفضل استغلال مستخدما خبرته الطويلة في مجال التمثيل والحكي، ليثبت إنه يستحق الكثير في عالم التمثيل، ويبدع في الدور لدرجة تجعله يحصل على جائزة أحسن ممثل في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، بعد أن فاجأ الجميع بقدرات تمثيلية غير عادية تذكرنا بمدرسة الراحل أحمد زكي الذي تحل ذكراه هذه الأيام. وتتجه الأنظار بقوة نحو الدسوقي، ويلفت نظر صانعي الدراما وتبدأ العروض ليختار فيما بينها، ووافق بالفعل على المشاركة في بطولة مسلسل «لمس أكتاف» مع ياسر جلال وحنان مطاوع وفتحي عبد الوهاب الذي سيعرض في السباق الرمضاني المقبل.
حول رحلة الدسوقي وخطواته المقبلة، كان هذا الحوار.
■ بداية كيف كان اختيارك لبطولة فيلم «ليل خارجي»؟
■ كنت لا أعلم كيف اختارني المخرج أحمد عبد الله لبطولة الفيلم قبل الأسبوع الماضي، حث أخبرني أنه متابع لأعمالي منذ 12 عاما، سواء المسرحية أو السينمائية، حيث قدمت من قبل عدة أعمال سينمائية ولكنها لم تجد حظها في المشاهدة مثل «حاوي» لإبراهيم البطوط» و»العنف والسخرية» مع أسماء البكري، إضافة لأفلام كثيرة قصيرة مع خالد أبو النجا وعمرو واكد وناهد السباعي، في فيلم «حار جاف صيفا» للمخرج شريف البنداري، وهو الفيلم الذي أكد اختيار أحمد عبد الله السيد كما قال لي، واتفق معه في الاختيار كل من المنتجة هالة لطفي، والمؤلف شريف الألفي، إضافة لتزكية المخرج الرائع إبراهيم البطوط.
■ وكيف كان استعدادك وتحضيرك للشخصية؟
■ بمجرد قراءتي للسيناريو، جذبني دور سائق التاكسي بشدة، خاصة إنني أرى أن كل من قدموا هذه الشخصية في السينما، مع تقديري لهم جميعا، فاتهم أمر هام، وهو أن سائق التاكسي يتخلى عن انفعالاته الشخصية، ويتفاعل مع كل راكب أو راكبة. واستمر التحضير للعمل ثلاثة أشهر، منذ أن قرأت النسخة الأولى مع المخرج والمؤلف، وصولا للنسخة الحادية عشرة التي قمنا بتنفيذها، وخلال هذه الفترة كنت أضيف للشخصية مستفيدا من خبراتي في الحكي والتعامل مع هذه الفئة.
■ ترك لكم المخرج أحمد عبد الله مساحة من الارتجال، هل كان ذلك مفيدا لك في تقديم الشخصية؟
■ بالفعل، كان هذا مفيدا وممتعا للغاية، حيث فوجئنا في نسخة التنفيذ بجملة تقول «على جميع الممثلين أصحاب الأدوار الرئيسية، بعد قراءة كل مشهد ألا يحفظوا وأن يعتمدوا على الارتجال بناء على المحطات الرئيسية للشخصية» وكان ذلك مفيدا في أن يكون الأداء تلقائيا وطبيعيا، حيث ساعد في نسيان كل ممثل لشخصيته الحقيقية والذوبان التام في الشخصية التي يؤديها، كما ساهم أيضا في الانسجام بين مجموعة الممثلين، فكانت الحالة أقرب للطبيعية منها إلى التمثيل.
■ هناك مشهد لفت أنظار المشاهدين وهو صفعة وجه منى هلا، حيث بدا المشهد طبيعيا وكانها صفعة حقيقية؟
■ الصفعة كانت حقيقية بالفعل، بناء على طلب منى هلا، حتى يكون المشهد طبيعيا، وحاولت معها ان نستخدم التكنولوجيا حتى تظهر الصفعة كأنها حقيقية لكنها أصرت بشدة، حتى يكون باقي المشهد تلقائيا. وبالفعل كان المشهد من أجمل المشاهد التي قدمناها وتفاعل معها الجمهور بشدة، وأود هنا أن أسجل إعجابي بمنى هلا كشخصية جميلة وممثلة رائعة، وأعتقد إنها من أعظم الممثلات اللائي قدمن دور «فتاة الليل».
■ وماذا عن انتقاد البعض للفيلم بأنه يقدم صورة سيئة عن المجتمع المصري؟
■ انتقاد غريب، فكل مجتمع فيه الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية، ولكننا اعتدنا على دفن رؤوسنا في الرمال ورفض انتقاد المظاهر السلبية، ما يساهم في انتشارها وعدم علاجها.
■ ولكن بعض المنتقدين يرون أن هذه الصورة التي قدمتوها في الفيلم ربما تؤثر على صورة المجتمع المصري عند عرضه في الخارج؟
■ هذا ليس حقيقيا، فما حدث كان عكس ذلك، فعندما قدمنا الفيلم في «مراكش» على سبيل المثال، تفاعل المشاهدون من كافة الجنسيات مع الفيلم ومع الشخصيات، وقيل لنا إنهم منذ سنوات لم يخرجوا بشحنة انفاعلية إنسانية بعد مشاهدتهم فيلما مصريا، مثلما حدث مع «ليل خارجي» واكتشفنا أن الجمهور المغربي أقدر منا كثيرا على قبول الآخر وقبول الاختلاف.
■ هل تتفق مع من يرى أن «ليل خارجي» قريب من فيلم «ليلة ساخنة» للمخرج الراحل عاطف الطيب الذي قدم في الثمانينات؟
■ لا أرى ذلك، ولكن هذه الآراء تعود للاستسهال، واستخدام مخزون المشاهدة للحكم على عمل. فهناك أعمال ساكنة في وجدان المشاهدين لفنانين عظام، وبمجرد وجود شيء يذكرهم بهذه الأعمال فانهم يقرنونها بها، وعندما شاهد البعض صورة تاكسي على بوستر الفيلم، ربطوا الفيلم بـ»ليلة ساخنة» دون مشاهدته، ولكن المتابع للفيلم سيراه بعيدا تماما عن «ليلة ساخنة» وقد كان المخرج أحمد عبد الله، والمؤلف شريف الألفي حريصان جدا على ذلك لأنهما توقعا تلك المقارنة. وتحضرني هنا مقولة الكاتب العظيم أسامة أنور عكاشة الذي قال إن هناك 100 ثيمة درامية نعمل جميعا في إطارها ولا يمكن الخروج عنها، المهم هو كيفية تناول تلك الثيمات.
■ فاز الفيلم مؤخرا بجائزة أحسن فيلم في مهرجان الأقصر للسينما الافريقية، هل كنت تتوقع هذه الجائزة؟
■ نعم كنت أتوقعها خاصة أن لجنة التحكيم كانت متمكنة، وكانوا حريصين على لقاء فريق عمل كل فيلم والحديث معه، وكان من بين أسباب سعادتي أن الموسيقار الكبير راجح داوود كان من بين أعضاء لجنة التحكيم التي منحت الجائزة للفيلم، فهو من بين الموسيقيين الذين تعلمت التمثيل من خلال موسيقاهم.
■ كيف يمكن تعلم التمثيل من خلال الموسيقى؟
■ منذ الصغر تعرفت عن قرب على مجموعة من الموسيقيين العظماء مثل عمار الشريعي، وتعلمت منهم أن الآلات الموسيقية تختلف في مخاطبة الوجدان الإنساني. فالوتريات وخاصة التشيللو تخاطب القلب، فإذا قام الممثل بالتدريب والمذاكرة الشخصية التي سيؤديها وهو يستمع إلى التشيللو فسيكون أكثر رومانسية، بينما تساهم النحاسيات في التدريب على أداء الشخصيات الشريرة، فالموسيقى تساعد الممثل على الاندماج في المود والغوص في أعماق كل شخصية، وهذا النوع من التدريب يجعل الفنان مختلفا عن الآخرين الذين يتدربون بشكل تقليدي.
■ يرى البعض أن الفرصة جاءتك متأخرة، هل توافق هذا الرأي؟
■ لا أرى ذلك، بل أرى أنها جاءت في موعدها تماما، ولو كانت جاءت قبل ذلك كنت سأشعر إنني لا أستحقها، فأنا أعمل في مجال المسرح منذ ثلاثين عاما، لم أترك المسرح يوما واحدا، وعملت في كل المهن حتى أتمكن من ممارسة الفن، عملت كبائع ورد وعامل نظافة وغيرها من المهن التي قد يخجل البعض منها، وعملت في مجال الحكي منذ 20 سنة، عندما درست على يد مدربة أرمنية، اكتشفت أنني طول الوقت أراقب الشارع والناس، وإنني أمتلك موهبة الحكي، فنصحتني أن أعمل بالحكي لأنه لا يحتاج لتعقيدات المسرح، وبالفعل استمعت للنصيحة وكنت أقوم بالحكي في الشوارع والحارات وأي مكان.
ثم جاءت الجائزة لتمنح كل المحبطين أملا كبيرا، في انهم سوف يصلون لما يستحقونه مهما طال الوقت والجهد.
■ ماذا عن مسلسل «لمس أكتاف» أول مشاركاتك في الدراما التلفزيونية؟
■ تم ترشيحي للدور بعد فيلم «ليل خارجي» وباقي لي خمسة أيام للانتهاء من تصوير مشاهدي في العمل، وقد استمتعت جدا بالعمل مع نجوم المسلسل ياسر جلال، وحنان مطاوع، وفتحي عبد الوهاب، الذين أحاطوني بالحب والاهتمام، والشخصية التي أقدمها مختلفة تماما عن شخصيتي في «ليل خارجي» وتعد بطولة ثانية، وهي بداية جدية في مجال التلفزيون.
■ رغم أنك ممثل مسرحي في الأساس، إلا أننا لم نلحظ أي افتعال في أدائك لشخصية سائق التاكسي في «ليل خارجي» كعادة كثير من المسرحيين في بداياتهم السينمائية؟
■ ذلك لأنني كنت حريصا على مدار سنوات طويلة، على المذاكرة والتدريب بشكل شخصي على الفصل بين الأداء على المسرح والأداء أمام الكاميرا، كنت أقوم بذلك قبل ظهور ورش إعداد الممثل من المسرح للكاميرا، لأنني أعشق التمثيل، فأعمل دائما على امتلاك أدواتي كاملة.
■ هل ستهجر المسرح إلى السينما والتلفزيون مثل كثير من النجوم؟
■ لا يمكن أن أهجر المسرح فهو عشقي الأول، والدليل على ذلك إنني حاليا أجري اتفاقا على تقديم ليلة حكي في جيزويت القاهرة وجيزيوت الاسكندرية بعد انتهاء تصوير دوري في المسلسل.
■ وهل ستكون حريصا على اختيار أدوارك في المرحلة المقبلة أم ستهتم بالانتشار لتعويض ما فاتك؟
■ حتى أكون صريحا سأهتم بالاختيار في مجال السينما، ولا يمكن أن أقبل بدور أقل من طموحاتي، أما في مجال الدراما التلفزيونية، فسأعمل على الانتشار حتى أصل إلى الجمهور في البيوت.