قرار ترامب الاعتراف بسيادة الكيان الإسرائيلي على هضبة الجولان تقويض للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط

رائد صالحة
حجم الخط
0

واشنطن ـ «القدس العربي» لم يذهب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى مؤتمر لجنة العلاقات الأمريكية الإسرائيلية «إيباك» لهذا العام، ولكنه كان نجم العرض على أي حال، فقد قدم ترامب الكثير من الهدايا لإسرائيل إلى حد غير مسبوق، بما في ذلك نقل السفارة إلى الأمريكية إلى القدس المحتلة والاعتراف بسيادة الكيان الإسرائيلي على هضبة الجولان، وانسحاب الولايات المتحدة من الصفقة النووية الإيرانية التي تفاوضت عليها إدارة أوباما.
وأشاد المتحدثون بترامب إلى حد وصف السفير الأمريكي في الكيان الإسرائيلي، ديفيد فريدمان، وهو جزء من مجموعة كبيرة مؤيدة للصهيونية في إدارة ترامب والبيت الأبيض، القرار بأنه «معجزة بوريم».
ترامب، دون منازع، هو أكثر رئيس أمريكي مؤيد للكيان الإسرائيلي في التاريخ، وبالطبع وجد الكثير من الحفاوة والهتافات من أنصار اللوبي اليهودي والإسرائيلي، بما في ذلك أولئك الذين يرتدون أقنعة «ديمقراطية» أو يتظاهرون أحيانا بالدعوة إلى السلام.
وسائل الإعلام الأمريكية بدورها لم تعلق على قرار ترامب بالنسبة لهضبة الجولان بطريقة تناسب خطورة الحدث، وانما اكتفت بمعالجته وكأنه فقط محاولة من ترامب لمساعدة رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، للحصول على مزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة.
وانتقد عدد محدود من الخبراء في الولايات المتحدة القرار من بوابة الخوف من التداعيات فقط، وليس من باب شرعيته ومخالفته للعدالة والقوانين والجغرافيا والتاريخ، وقالوا إن القرار لم يكن في الواقع هدية، وانما كأسا مسمومة.
الوضع العسكري في الجولان لم يتغير، ولكن قرار ترامب يغير بشكل أساسي من السياق السياسي هناك، ووفقا لما ذكره العديد من المحللين، فأن هذا القرار يقلل من الأمن الإسرائيلي ولا يعززه، فقد جعلت تصريحات ترامب من المستحيل على أي حكومة سورية مستقبلية، وليس فقط نظام الأسد، التوصل إلى سلام مع إسرائيل، ولن يقبل أي نظام سوري من أي طيف بالاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان.
ولاحظ محللون أمريكيون أن ضم إسرائيل للجولان سيوفر ذريعة مثالية ودائمة لإيران، وقواتها التابعة، للبقاء في سوريا للدفاع ضد التهديد الإسرائيلي، وبالتالي فان القوات الإيرانية والجماعات المرتبطة بها ستبقى في مواجهة قوات الكيان الإسرائيلي، وهذا يعني تحديات أمنية جديدة للجميع.
وأقر خبراء من واشنطن أن قرار ترامب قوض بشكل واضح خطة السلام المزعومة، كما دعم الرؤية الفلسطينية بعدم حيادية أمريكا، وهذا يعني أن الخيار المقبل والنهائي بالنسبة للفلسطينيين سيكون العودة إلى المقاومة.
وقال المحلل ستيفن بلانك من معهد السياسة الخارجية وكلية الحرب التابعة للجيش الأمريكي، إن قرار ترامب لم يفعل أي شيء لدفع أي فرصة للسلام، ويقوض أي أمل في وجود تحالف عربي إسرائيلي حقيقي ضد إيران لإن الشرط المسبق لذلك التحالف هو التقدم في علاقات إسرائيل مع الفلسطينيين.
وأستنتج محللون أمريكيون أن قرار ترامب قد عمل على تقويض المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وفي أماكن أخرى، وهذا لا يفعل شيئا لتعزيز الحملة المعادية لإيران، وبدلا من ذلك، فإنه يضيف لإيران المزيد من الوقود ويقدم ذرائع لطهران بالانتشار في سوريا ولبنان.
وبالمثل، فإن قرار ترامب الاعتراف بسيادة الكيان الإسرائيلي على هضبة الجولان سيقدم ذريعة معلقة لموسكو لتعزيز قواعدها العسكرية في سوريا، وهذا بالتالي يفرض المزيد من التحديات للقوات الأمريكية وحلف الناتو في البحر الأبيض المتوسط، كما أنه سيجعل موسكو أكثر حزما في محاولة تقويض السياسة الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط وافريقيا، كما تفعل الآن بنجاح ملحوظ، وهذا بالطبع نتيجة مباشرة لسياسات إدارة ترامب غير الكفوءة والمفككة في المنطقة، والتي لا تهمها سوى حماية المصالح الإسرائيلية، ما يزيد من التعقيدات والاخفاقات.
من الواضح أن الولايات المتحدة لا تملك استراتيجية قابلة للتطبيق لبناء السلام في الشرق الأوسط، وفي الواقع، كما يضيف بلاك، يستخدم خصوم الولايات المتحدة قرار ترامب لإظهار «أننا مجرد منافقين في شجب الاستيلاء على الأراضي بقوة وضمها».
ما قامت به إدارة ترامب يعني أن في الامكان الاستيلاء على الأراضي بالقوة ومن ثم إضفاء الشرعية على ذلك، وبالتالي فان هذا يعزز مطالب موسكو، أيضا، بشرعية سيطرتها على شبه جزيرة القرم، كما لاحظ العديد من المحللين الأمريكيين، وقرار ترامب يؤكد بوضوح على الطبيعة الشائنة للسياسة الأمريكية، وسياسة ازدواجية المعايير في واشنطن.
ولفت بعض الخبراء إلى قضية تدخل ترامب الصارخ في «السياسة» الإسرائيلية قبل الانتخابات، وقالوا إن ذلك يقلل القدرة على انتقاد التدخل الروسي أو الصيني في الانتخابات الأمريكية، وهكذا تم منح خصوم الولايات المتحدة الدليل لوصف السياسة الأمريكية بالنفاق.
المناورة السخيفة والخطيرة التي قام بها ترامب من أجل الحصول على مزيد من التبرعات وتلبية رغبة الكتل المتطرفة الدينية، بمن في ذلك الانجيليين واليهود اليمينيين، تؤكد عيوب سياسته بشكل عام وعدم استعداده للدفاع عن المصالح والقيم.
السياسة الخارجية بالنسبة لإدارة ترامب تدور حول الدوافع الشخصية للرئيس، إلى حد التضحية بالمصالح الأمريكية على المدى البعيد.
لم يعثر ترامب على أي مبرر حقيقي لتفسير قراره الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، وفي الواقع، لم يكن الرئيس الأمريكي مهتمًا بذلك، واكتفى بالقول إن إسرائيل تسيطر على المنطقة منذ أكثر من خمسة عقود، وأن إعادة الجولان إلى سوريا ستشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الكيان.
ومن المشكوك فيه، وفقا لما قاله العديد من المحللين الأمريكيين، أن يكون ترامب مدركا لأي من الحقائق، ومن المشكوك فيه ما إذا كان على علم بمعاهدة سايكس بيكو، ما يعرفه هو ان يبقى تؤامه السياسي المتطرف نتنياهو، في منصب رئيس وزراء إسرائيل.
ولم تحاول حاشية ترامب، الموالية لإسرائيل، العثور على تفسير لهذا القرار، وبدلا من ذلك قال العديد من المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير الخارجية مايك بومبيو، إن القرار هو «إجراء دفاعي» وأضافوا بوقاحة غير مألوفة أن الدول التي ذكرت بأنها لن تنظم إلينا في القرار، لم تقل إن ما فعلناه لم يكن صحيحا.
وأكد محللون أمريكيون أن قرار ترامب المتهور سيوفر ذريعة للدول الأخرى، التي لديها طموحات إقليمية للعمل بقوة، وأن القرار يروق لغرور ترامب الذي يريد الانفراد بقرارات تاريخية حتى ولم تكن عادلة أو صائبة.
وأثار العديد من المراقبين نقطة مهمة هي، أن إعادة انتخاب نتنياهو ليست مصلحة وطنية للولايات المتحدة، ولاحظ العديد منهم أن القرار سيخلق مشاكل جديدة تقوض المصلحة الوطنية لأمريكا، بما في ذلك خطته المعلنة للتوصل إلى اتفاق سلام في المنطقة، إذ حاولت إدارة ترامب ربط قرار الجولان بضرورة احباط الجهود الإيرانية لمهاجمة إسرائيل من المرتفعات، وهي حجة واهية، لأن الخطوة، في الواقع، ستمنح الفرصة لإيران وحزب الله في سوريا لكسب المزيد من المزايا الدعائية، وقد تحفزهم على تركيز المزيد من الاهتمام على الجولان.
ترامب شخصية انتهازية يمارس سياسات نفعية لمصلحته الشخصية فقط، وهو يحاول الآن إعادة انتخابه في عام 2020 والدعم الذي يقدمه لإسرائيل هو الموسيقى المفضلة للملايين من «المسيحيين الإنجليين الصهاينة» والجمهوريين المحافظين، وجمع اليهود في الولايات المتحدة، بمن في ذلك الديمقراطيون الذين يتظاهرون بانهم لا يعشقون أفعال ترامب.
واستنتجت غالبية الدراسات أن خطوة الجولان كانت غير مبررة، وأفادت أنه مهما كانت الضغوط التي تمارس لتغيير وضع الجولان، فإن تحرك ترامب مرتبط بحساباته السياسية وحسابات نتنياهو.
لم يكن هناك أي نوع من الضغوط بشأن الجولان داخل الكيان الإسرائيلي أو خارجه، وفي الواقع، وفقا لأقوال الخبراء، كان من المفترض على نطاق واسع أنه بسبب الفوضى الناجمة عن الحرب الأهلية السورية، ووضع الأسد ونظامه، فإن أي مفاوضات أو تغيير للوضع فيما يتعلق بهضبة الجولان كانت بعيدة المنال وغير ذات صلة، وعلى العكس من قرار الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة للاحتلال الإسرائيلي أو فتح السفارة هناك، لم تبرز أي مطالب حزبية ديمقراطية أو جمهورية.
الإدارة الأمريكية لم تفكر في تداعيات قرار الجولان، وهي غير مهتمة بالتداعيات، ولكن الاعتراف يعتبر سابقة مضرة جدا، وفقا للمحللين الأمريكيين، في الشرق الأوسط وخارجه، وإذا أعتقدت إدارة ترامب ببساطة أنها خلقت واقعا جديدا فهي مخطئة بالتأكيد.
قرار ترامب لم يقوض فقط قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالصراع العربي – الإسرائيلي، وانما أيضا ميثاق الأمم المتحدة نفسه، بما في ذلك مبادئ الحل السلمي للنزاعات وعدم مقبولية الاستيلاء على الأراضي بالقوة، كما أرسل القرار إشارة قوية للحكام المستبدين الذين يعشقهم ترامب، في كل مكان بأن ما يفعلونه أو ما قد يفعلونه في المستقبل سيكون مقبولاً إلى حد ما ولن يواجه أي تحد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية