هضبة سورية في مقايضة انتخابية أمريكية إسرائيلية

براء صبري
حجم الخط
0

بينما تعاني كامل سوريا من صراع داخلي عمره ثماني سنوات، ومن تدخلات خارجية لا تنتهي، وبينما كان الجميع مرتبكا بالمحاصصة، وبتوزيع النفوذ في خريطة يمر في سمائها الجميع من دول العالم بطائراته العسكرية لا المدنية، جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم 25 من الشهر الحالي باعتبار هضبة الجولان السورية التي دخلتها القوات الإسرائيلية وسيطرت عليها عام 1967 بطريقة غير شرعية أراض إسرائيلية في تحول يعتبر الأكثر دراماتيكية منذ الحرب العالمية الثانية في الملف المذكور. حيث ظل الملف الإسرائيلي مع دول الجوار ساخنا طوال كل السنوات الماضية، ويتحاشى الجميع الانحياز التام إلى طرف واحد فيه رغم الوضوح في الموقف الأمريكي الداعم للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، والذي لم يرق رغم دعمه الكامل لتل أبيب إلى مستوى نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، ومن ثم بالطبع قرارها الأخير اعتبار الجولان السوري المحتل أرضا إسرائيلية.

نظرة عامة

وهضبة الجولان تقع على بعد حوالي ستين كيلومترا جنوب غربي العاصمة دمشق، وتبلغ مساحتها مئة وعشرين ألف كيلومتر مربع، وهي تتبع إدارياُ لمحافظة القنيطرة، وقد دخلتها القوات الإسرائيلية عام 1967 فيما تسمى تاريخياً حرب الست سنوات، وعُدّت – من قبل الأمم المتحدة – من ذلك الحين أرضا سورية محتلة. المنطقة الهضبية التي جاءت بتسميتها هضبة الجولان في البيانات الرسمية الإسرائيلية من التعامل الرسمي الإسرائيلي معها هي منطقة كانت تحتوي على أكثر من 150 قرية وعشرات المزارع، وتعرضت جميعها للتدمير كما تم تهجير حوالي ثمانين في المئة من سكانها الأصليين، وبقي منهم القليل خاصة في قرى مجدل شمس ومسعدة. هؤلاء المهجرون استقر بهم الحال في أطراف العاصمة دمشق، ويسمون محلياً بالنازحين! وهم مواطنون سوريون إلا أنهم لم ينعموا بحياة رغيدة أو بميزات على المستوى الوطني المفترض، اما الباقي من سكانها فقد استقروا في الجولان، ويحمل معظمهم الهوية الإسرائيلية، وجلهم من الطائفة الدرزية، وبينهم من يحاول الاندماج مع المجتمع الإسرائيلي، ويفضل الهوية الإسرائيلية على السورية، ومنهم ما يزال يتحدث عن سوريا كوطن رغم ان الوضع الحالي لسوريا دفع الكثير إلى الانطواء مخافة أن تصله نيران المقتلة السورية. في تاريخ 25 من آذار/مارس الجاري وقع الرئيس الأمريكي قرارا رئاسيا يعتبر فيه الجولان أو مرتفعات الجولان أراض إسرائيلية، وهو قرار لاقى رفضا عاما دوليا، وعزلت الولايات المتحدة في الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن المتعلقة بالقرار الأمريكي الأخير، وشعرت جميع الدول، وبينها دول الشرق الأوسط القريبة من واشنطن إن من واجبها تبيان موقفها الرافض للقرار مخافة الحرج الداخلي، والإقليمي، وخاصة إن إسرائيل ما زالت في المفهوم المحلي لكثير من الجهات عدوة للعالم العربي والإسلامي المفترض الاتحاد في موقفه من قضايا مصيرية لبلدانه.

دوافع

تمر الأيام عصيبة على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يستعد لولاية رابعة رغم سنوات من المخاطر القانونية حول أسرته الخائفة من مطرقة القرارات القضائية التي تبحث عن ملفات الفساد المفترضة، وفي الوقت ذاته يبدو أن محاولة صمود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زخم الهجوم الديمقراطي على قراراته السياسية وعلاقاته الدولية هو من رتب الظروف لظهور قرار من شاكلة القرار الأخير الذي جلب النقد الدولي والمحلي، وحتى الأمريكي الداخلي، لأحزاب تجد في ما يفعله الرئيس مجرد أجندة للوبيات اقتصادية تسيطر على منهجية التفكير لرجل يبحث عن تأطير العلاقات السياسية والدولية بمنطق الكسب المادي والسياسي الشخصي. في بحث بسيط عن دوافع القرار الأمريكي المتهور والكاسر لقوانين دولية ظلت صامدة رغم أهوال التضاد في الشرق الأوسط يتمحور حول عدد من الأسباب الواضحة، وهي:
الأول: هروب واضح من رئيس الوزراء الإسرائيلي من مشاكله الداخلية التي تهدد حكومته غير الصامدة أصلاً نتيجة غضب الحلفاء في الحكومة من توجهه في التمسك بالسلطة، وسرقة الصورة العامة في الشأن السياسي الداخلي الإسرائيلي لصالحه، ومحاولة منه للتستر على قضية ملف الفساد الذي يلاحق زوجته المتهمة بتقبل رشى من جهات مختلفة.
ثانياً: محاولة رص الصفوف في فريق ترامب المقرب منه من جماعة اليمين في ترتيبات التحضير للانتخابات المقبلة، والتي يبدو أن ترامب متمسك بالتقدم لها على اعتبار أنه ينظر للعبة السياسية الأمريكية كملعب لكسب الداعمين الأثرياء في وجه باقي الطبقة السياسية التقليدية التي فيما يبدو من منظوره أنها غير قابلة للصمود في وجهه مجدداً كما كان الوضع في الانتخابات السابقة، وهي بالضبط تأتي بعد ما اعتبره ترامب انتصارا له بعد انتهاء المعركة الرسمية ضد «داعش» في شرق الفرات، وبعد ورود تسريبات عن ان المحقق الأمريكي روبرت مولر لم يستطع فعل شيء يدين ترامب.
ثالثاً: الاستفادة من فرصة كون الحكومة السورية المستبدة مشغولة في حربها مع الداخل، وفي كونها فقدت مركزها كدول إقليمية لها أجندة مع محيط يميل إليها قومياً رغم أن التاريخ منذ 1973 لم يكن لصالح الموقف الذي يدعيه ذلك النظام لنفسه والذي يحاول البحث عن سبل البقاء في ظروف مليئة بالكوارث، والتدخلات السياسية، والدولية.
رابعاً: التغطية على قرار ترامب السابق في نقله سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس قبل أشهر والذي لاقى صخبا موازيا للذي تلاقيه الحكومة الأمريكية، والذي استطاع النفاذ إلى الواقع على اعتبار أن العديد من الدول أصبحت تنحو نحو الحكومة الأمريكية على رأسها رومانيا والبرازيل وعدد لا بأس به من دول العالم اللاتيني التي فقدت الكثير من حكوماتها اليسارية الموالية للفلسطينيين والسوريين تاريخياً.
خامساً: احراج الروس وهم من حيث المبدأ موالون للنظام السوري، وحالياً هم من يمثلون القرار السوري بعد دخولهم للحرب السورية، وقيادتهم لجبهة الموالاة للنظام. الروس الذين أحرجوا بعد اسقاط طائرة إسرائيلية لمروحيتهم في اللاذقية قبل شهور عديدة يلقون الصفعة الثانية التي تحرجهم إمام داخلهم وإمام الجهات السورية التي ترى في روسيا صديق وفي للعالم العربي. لم يتمكن الروس كما العادة سوى في إدانة القرار كما فعل جميع دول العالم أيضاً.
سادساً: دفع جميع الدول التي تدعي الريادة في العالم الإسلامي إلى الشعور بالمهانة، والعجز، وخاصة إيران، وتركيا، والسعودية، وإحراجها أمام مجتمعاتها التي تنظر إلى ذاتها كونها معنية بالشأن الفلسطيني العام.
سابعاً: إظهار إشكال الوضع الفلسطيني الداخلي بعد سنوات من محاولات رأب الصدع بين الطرفين المتصارعين في كيانين محاصرين.
ثامناً: التأكيد على أن القوى المحلية في الجولان لا تملك سوى خيار البقاء داخل إسرائيل على إساس أن بلدهم المفترض سوريا يعاني من التفسخ بسبب الحروب الداخلية.

جهات متناقضة وموقف متحد

كان القرار الأمريكي عبارة عن نكسة جديدة لعالم أصلاً أصبح ينظر إلى إسرائيل كطرف منافس في الشرق الأوسط وليس كطرف معادي. الشيء الوحيد الذي استطاعت أمريكا فعله بقرارها الأخير أنها وحدت جميع الأطراف حيث كان الرفض سيد الموقف، والرابط المشترك بين تلك الجهات المتعادية في ملفات أخرى فتجد النظام السوري ومعارضاته المختلفة معاً في رفض القرار، وتجد الروسي في صف البريطاني، والفرنسي في صف الصيني، وتركيا والسعودية في خط واحد، وحماس وحركة فتح في الموقف نفسه.
لا يمكن اعتبار القرار الأمريكي صدر نتيجة ظروف تتعلق بواقع الحال في بلد ممزق كسوريا ذكاء سياسيا بقدر ما هو استغلال سياسي مهين لواقع دول متعبة. ولا يمكن أن يتصور الأمريكان أن العالم الذي يدفعهم إليهم رئيسهم آمن، وإنما هو يؤسس عالما أكثر تطرفاً، ويزيد من فرص نشوء جماعات متشددة. والقانون والمؤسسات الدولية المعنية لا بد ان تكون الحكم الأول والأخير لقضايا ذات حساسية كقضية الجولان وإن كان ذلك القانون نفسه والجهات المسيرة له تعاني من عدم الاتزان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية